فورد كتاب العزيز إلى مصر بنصرته على أفتكين، وقتل عدة من أصحابه وأسره، فقرئ على أهل مصر فاستبشروا وفرحوا.
وكتب أبو إسماعيل الرسّى إلى العزيز يقول:
«يا مولانا: لقد استحق هذا الكافر كلّ عذاب، والعجب من الإحسان إليه».
فلم يرد عليه جوابا.
وسار العزيز - ومعه أفتكين - مكرما من الرملة، وبقية الأسرى إلى مصر.
قال المسبّحى:
فخرج الناس إلى لقائه وفيهم أبو إسماعيل الرسّى، فلما رآه العزيز قال:
«يا إبراهيم: قرأت كتابك فى أمر أفتكين، وفيما ذكرته، وأنا أخبرك: اعلم أنّا وعدناه الإحسان والولاية (^١) فما قبل، وجاء إلينا فنصب فازاته وخيامه حذاءنا، وأردنا منه الانصراف فلجّ وقاتل، فلما ولّى منهزما وسرت إلى فازاته (^٢) ودخلتها سجدت لله الكريم شكرا، وسألته أن يفتح لى بالظفر به، فجئ به بعد ساعة أسيرا؛ ترى يليق بى غير الوفاء؟!».
فقبّل أبو إسماعيل رجله.
ودخل العزيز إلى القاهرة ومعه أفتكين والأسرى، وعليه تاج مرصّع بالجوهر، فأنزل أفتكين فى دار، وأوصله بالعطاء والخلع حتى قال:
«لقد احتشمت من ركوبى مع مولانا العزيز بالله ونظرى إليه مما غمرنى من فضله وإحسانه»، فلما بلغ العزيز ذلك، قال لعمّه حيدرة:
_________________
(١) الأصل: «الولاء» وقد صححت بعد مراجعة (المقريزى: الخطط، ج ٤، ص ٦٦).
(٢) الفازة بناءة من خرق وغيرها، تبنى فى المعسكرات؛ والجمع «فاز» و«فازات» وقال الجوهرى: «والفازة مظلة تمد بعمود، عربى فيما أرى» (اللسان).
[ ١ / ٢٤٤ ]
«يا عمّ: أحب أن أرى النّعم عند الناس ظاهرة، وأرى عليهم الذهب والفضة والجوهرة ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار، وأن يكون ذلك كلّه من عندى».
وبلغ العزيز أن الناس من العامة يقولون:
«ما هذا التركى؟»
فأمر به فشهّر فى أجمل حال، فلما رجع من تطوافه وهب له مالا جزيلا، وخلع عليه.
وأمر الأولياء بأن يدعوه إلى دورهم، فما منهم إلا من أضافه، وقاد إليه، وقاد يديه دوابّا.
ثم سأله العزيز بعد ذلك:
«كيف رأيت دعوات أصحابنا»
فقال:
«يا مولاى: حسنة فى الغاية، وما فيهم إلا من أنعم وأكرم».
وكان الذى أنفق العزيز على هفتكين حتى أسره ألف ألف دينار.
وقال العزيز عند خروجه إلى حربه لحسين الرابض:
«كم عدد ما تحت يدك من الدواب»؟
فقال:
«عشرة آلاف رأس».
فقال العزيز:
«لقد أوجلتنى يا حسين».
وفيها نافق حمزة بن يعله؟؟؟ (^١) الكتامى - متولى أسوان -، فخرج إليه جعفر بن محمد
_________________
(١) هكذا فى الأصل دون نقط، ولم أجد فى المراجع التى بين يدى ما يعين على ضبط الاسم.
[ ١ / ٢٤٥ ]
ابن أبى الحسين الصّقلىّ، وأخذه وأتى به وبأمواله، فأنعم بها العزيز على هفتكين، ودفعه إليه فقتله شرّ قتلة.
وفيها قدم حسّان بن على بن مفرج بن دغفل بن الجرّاح الطائى على العزيز، فخلع عليه، وحمل على خمسة أرؤس من الخيل، وقاد إليه - بين يديه - خمسة أحمال مال، وأنزله دارا.
وفيها جهّز الفضل بن صالح على جيش إلى الشام، وقلّد الشام كلّه، ولقّب بالقائد، وخلع عليه ثوب مذهّب، ومنديل مذهّب، وقلّد بسيف محلىّ (^١) بذهب، وحمل على فرس، وبين يديه أربعة أفراس بمراكبها، ومائة ألف درهم، وخمسون قطعة من الثياب الملونة؛ فركب بالطبول والبنود، وسار.
وخرجت قافلة الحاج فى ذى القعدة، وفيها صلات الأشراف، والقمح والشعير والدقيق والزيت، وسائر الحبوب والزيت، ومحراب من ذهب (^٢) للكعبة.
وفيها كان بمصر وباء عظيم، مات فيه خلائق، فحكى بعض من سمع نواب السلطان يقول:
«الذى قبر من الديوان (^٣) سبعة آلاف وسبعمائة وستون (^٤)، سوى من لم يعلم بموته، أما من دفن بلا كفن فكثير».
_________________
(١) الأصل: «محلا».
(٢) هذا المحراب من الذهب الذى أرسله العزيز للكعبة يسترعى الانتباه، وهذا النص يدل على مبلغ عناية الخلفاء الفاطميين بالكعبة وبالحج وقافلته، مع ملاحظة أن أحدا من خلفاء الفاطميين لم يخرج لأداء فريضه الحج، راجع المقدمة التى كتبتها لكتاب (المقريزى: الذهب المسبوك بذكر من حج من الخلفاء والملوك، نشر وتحقيق جمال الدين الشيال، القاهرة؛ ١٩٥٥).
(٣) لاحظ استعمال «الديوان» هنا بمعنى موظفى الدواوين.
(٤) الأصل: «وستين».
[ ١ / ٢٤٦ ]
وكان الماء فى المقياس خمسة (^١) أذرع وثلاثا وعشرين إصبعا، وبلغ خمسة عشر ذراعا (^٢) وتسعة عشر (^٣) إصبعا.
وأما بلاد المغرب فإن الأمير أبا الفتوح يوسف بن زيرى كتب إلى العزيز فى سنة سبع وستين يسأله فى طرابلس وسرت وأجدابيه، وكان عليها عبد الله بن خلف، فأنعم له بها، فرحل عنها عبد الله، وتسلمها (^٤) أبو الفتوح.
وفى سنة ثمان كتب أبو طالب أحمد بن أبى القاسم محمد بن أبى المنهال - قاضى المنصورية - إلى العزيز يسأله فى القدوم، فأجابه إلى ذلك، فسار بأهله وأولاده فى آخر شوّال، وقدم القاهرة، فأجرى له العزيز فى كلّ سنة ألف دينار.
وكتب أبو الفتوح إلى العزيز يشاوره من يولّى القضاء؟ فكتب إليه:
«قد رددت هذا الأمر إليك، فولّ من شئت».
فاختار محمد بن إسحاق الكوفى، وولاّه آخر ذى الحجة سنة ثمان وستين، وكتب إلى العزيز يخبره بذلك، فأجاز فعله، وبعث إليه سجلاّ بالقضاء (^٥).
وفى يوم الاثنين لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة خمس وستين سيّر الأمير أبو الفتوح الهدية من رقادة، ومعها المال مع محمد بن صالح - صاحب بيت المال -، وعيسى بن خلف المرصدى، وقائد المهدية زروال بن نصر، فقدموا إلى القاهرة والعزيز آخذ فى حركة السير لحرب هفتكين، فأمر برد المال الذى أحضره الأمير زيرى مع الهدية، وذلك أن عبد الله بن محمد الكاتب لما وصل إليه السجلّ من العزيز بموت أبيه المعز وقيامه بعده فى الخلافة، قرأه على الناس بالمنصورية من القيروان، وفرّق ما بعثه العزيز من الدنانير والدراهم التى ضربت باسمه على رجال الدولة، ثم بسط رداءه، وألقى فيه دنانير، وقال:
_________________
(١) الأصل: «خمس» و«ثلاث».
(٢) الأصل: «خمس عشرة».
(٣) الأصل: «تسع عشرة».
(٤) الأصل: «وسلمها».
(٥) لاحظ أن الخليفة الفاطمى كان يصدر السجلات من القاهرة بتعيين القضاة فى المغرب
[ ١ / ٢٤٧ ]
«ليلق كلّ واحد فيه ما يستطيع من التقرب».
ثم جمع أهل القيروان وصادرهم، فأخذ من عشرة آلاف دينار إلى دينار واحد، حتى عمّ أكثر أهل البلد وسائر أعمال إفريقية، فجبى (^١) زيادة على أربعمائة ألف دينار عينا.
فلما بلغ ذلك العزيز كتب برد المال لأربابه، فرأى عبد الله بن محمد بردّ المال نقضا (^٢) عليه وحمله إلى العزيز مع الهدية، وجعل مال الهدية خاصة فى صرر، وكتب على كل صرّة اسم صاحبها، فردّ العزيز صررا نفيسة إلى أصحابها، وهم يومئذ بمصر، وأمر بردّ باقى المال إلى المغرب ليفرّق على أربابه، فقال له الوزير يعقوب بن كلّس:
«هذه أموال عظيمة، ونحن محتاجون إليها للنفقة على هذه العساكر، وإن رجعت أمرت بردها إليهم من بيت المال».
فقبل منه، وأنفقها على العسكر.
_________________
(١) الأصل: «فجبا».
(٢) كذا فى الأصل، والتعبير ركيك، والمقصود أن عبد الله رأى أن رد المال يعتبر نقضا لما فعل.
[ ١ / ٢٤٨ ]