وتوفى المقريزى إلى رحمة الله عصر يوم الخميس سادس عشرى رمضان بالقاهرة، ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة بحوش الصوفية البيبرسية.
- ٢ -
ويعتبر المقريزى كبير مورخي مصر الإسلامية وزعيمهم دون منازع، وقد أهلّه لهذه الزعامة إنتاجه الضخم الخصب.
ومؤلفات المقريزى نوعان:
- كتب أو كتيبات صغيرة.
- وكتب موسوعية كبيرة.
وكتبه الصغيرة ذات أهمية خاصة، وهى لا تقتصر على التاريخ، بل تمثل أنواعا مختلفة من العلوم، ويمكننا أن نصنفها إلى أصناف أربعة:
١ - صنف عنى فيه المقريزى بمناقشة بعض مشكلات أو نواحى التاريخ الإسلامى العام، ومنها:
- كتاب «النزاع والتخاصم فيما بين بنى أمية وبنى هاشم».
- وكتاب «ذكر ما ورد فى بنيان الكعبة المعظمة» (^١).
- وكتاب «ضوء السارى فى معرفة أخبار تميم الدارى» (^٢).
_________________
(١) يبدو أن المقريزى وضع أول الأمر كتابا كبيرا فى تاريخ الكعبة، ثم اختصره فى مؤلف صغير يحمل هذا العنوان المذكور فى المتن هنا، بدليل قول السخاوى وهو يحصى مؤلفات المقريزى: «الاشارة والاعلام ببناء الكعبة والبيت الحرام، ومختصره».
(٢) توجد من هذا الكتاب نسخ خطية فى: - المتحف البريطانى - لا يدن ضمن مجموعة رسائل المقريزى تحت رقم ٢٤٠٨ - باريس، المكتبة الأهلية، ضمن مجموعة رسائل المقريزى تحت رقم ٤٦٥٧، وقد نشره ماتيوز فى سنة ١٩٤١، انظر: Charles D.Matthews.The Journal of the Palestine Oriental Society ١٩٤١.vol.XIX. PP.١٥٠ - ١٧٩ and Introd.PP .١٤٧ - ١٤٩.
[ مقدمة 1 / ١٣ ]
ب - وصنف عنى فيه المقريزى بذكر عرض موجز لتاريخ بعض أطراف العالم الإسلامى مما لم يعن به مؤرخون آخرون، ومنها:
- كتاب «الالمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام».
- وكتاب «الطرفة الغريبة من أخبار حضر موت العجيبة».
(وقد ألف هذين الكتابين أثناء مجاورته فى مكة فى سنة ٨٣٩ وسنة ٨٤١).
ح - صنف عنى فيه المقريزى بالترجمة المختصرة لمجموعة من الملوك، ومنه:
- كتاب «تراجم ملوك الغرب».
- وكتاب «الذهب المسبوك بذكر من حج من الخلفاء والملوك» (^١).
د - وصنف عنى فيه المقريزى بدراسة بعض النواحى العلمية البحتة، أو بالتاريخ لبعض النواحى الاجتماعية والاقتصادية فى العالم الإسلامى عامة، أو فى مصر الإسلامية خاصة، ويمثل هذا الصنف كتب كثيرة، منها:
- كتاب «المقاصد السنية لمعرفة الأجسام المعدنية».
- وكتاب «شذور العقود فى ذكر النقود».
- وكتاب «الأكيال والأوزان الشرعية».
- وكتاب «نحل عبر النّحل» (^٢).
- وكتاب «البيان والإعراب فيمن نزل أرض مصر من الأعراب».
- وكتاب «إغاثة الأمة بكشف الغمة» (^٣).
_________________
(١) قام المحقق بنشر هذا الكتاب لأول مرة فى سنة ١٩٥٤
(٢) قام المحقق بنشر هذا الكتاب لأول فى مرة فى سنة ١٩٤٦
(٣) قام المحقق بنشر هذا الكتاب لأول مرة بالاشتراك مع الدكتور محمد مصطفى زيادة فى سنة ١٩٤٠، وطبع طبعة ثانية فى سنة ١٩٥٧
[ مقدمة 1 / ١٤ ]
- وكتاب «إزالة التعب والعناء فى معرفة حلّ الغناء» (^١) … الخ.
***
وهناك ظاهرتان تلفتان النظر عند دراسة مؤلفات المقريزى الصغيرة:
أولاهما: أن المقريزى كان عالما بكل ما تحمله كلمة عالم من معنى، يحب المعرفة لذاتها، ويجد المتعة فى البحث والدراسة والاستقصاء، فهو ينصّ فى مقدمات معظم هذه المؤلفات الصغرى على أنه لم يقدم على كتابتها استجابة لطلب أمير أو عظيم، وإنما ألفها إشباعا لذاته المتطلعة إلى الاستزادة من العلم والمعرفة، ولمن يريد أن يشاركه هذا النزوع نحو العلم والمعرفة، أو على حد قوله هو فى مقدمة رسالته «المقاصد السنية لمعرفة الأجسام المعدنية»:
«وبعد، فهذه مقالة وجيزة فى ذكر المعادن، قيدتها تذكرة لى ولمن شاء الله تعالى من عباده».
وكرّر نفس المعنى فى مقدمته لكتاب «البيان والإعراب فيمن نزل أرض مصر من الأعراب»، فقال:
«وبعد، فهذه مقالة وجيزة فى ذكر من بأرض مصر من طوائف الأعراب قيدتها لنفسى، ولمن شاء الله من أبناء جنسى».
وثانيتهما: أن المقريزى ألف معظم هذه الكتيبات الصغيرة فى أخريات حياته، وبعد أن تم نضجه الفكرى، واتسعت قراءاته، وعمقت معرفته -، وبصفة خاصة فى سنة ٨٣٩ هـ، أثناء مجاورته فى مكة، أو فى سنة ٨٤١ هـ بعد عودته إلى مصر -، والأمثلة على ذلك كثيرة، فهو يقول فى حرد كتابه «الطّرفة الغريبة من أخبار حضرموت العجيبة».
«وبعد، فهذه جملة من أخبار وادى حضرموت، علقتها بمكة - شرّفها الله تعالى - أيام مجاورتى بها فى عام ٨٣٩، حدثنى بها ثقات من قدم مكة من أهل حضرموت».
_________________
(١) للمقريزى مؤلفات صغيرة أخرى لا تدخل تحت المجموعات التى ذكرناها، ومنها: (تجريد التوحيد، وهو مطبوع) و(معرفة ما يجب لأهل البيت من الحق على من عداهم) و(حصول الانعام والمير فى سؤال خاتمة الخير، و(الاخبار عن الاعذار) و«قرض سيرة المؤيد لابن ناهض)
[ مقدمة 1 / ١٥ ]
ويقول فى مقدمة كتابه «الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام»:
«وبعد، فهذه جملة من أخبار الطائفة القائمة بالملة الإسلامية ببلاد الحبشة، المجاهدين فى سبيل الله من كفر به وصدّ عن سبيله، تلقيتها بمكة - شرّفها الله تعالى - أيام مجاورتى بها فى سنة ٨٣٩ من العارفين بأخبارهم».
ويبدو أنه جمع مادة هذا الكتيب فى تلك السنة، ولكنه لم ينسق بينها ويخرجها فى شكل رسالة إلا فى سنة ٨٤١ هـ، فقد قال فى نهاية الرسالة:
«حرّره جامعه ومؤلفه أحمد بن على المقريزى فى ذى القعدة سنة ٨٤١».
ومن الكتب التى ألفها فى سنة ٨٤١ هـ، كتاب «تجريد التوحيد المفيد»، فقد جاء فى حرد مخطوطة باريس من هذا الكتاب:
«قال مؤلفه ﵀ إنه صححه جهد الطاقة ومبلغ القدرة فى سنة ٨٤١».
ومنها كذلك كتابه «المقاصد السنية لمعرفة الأجسام المعدنية»، فقد قال فى ختامه:
«وحررته فى شوال سنة ٨٤١».
ومنها كتابه «نبذة على عظم قدر أهل البيت»، فقد نصّ فى نهايته على أنه ألفه فى ذى القعدة سنة ٨٤١ هـ.
ومنها كتابه «الذهب المسبوك بذكر من حجّ من الخلفاء والملوك» (^١) فقد قال ناسخ مخطوطة الاسكوريال من هذا الكتاب:
«كتب من أصل بخطّ. مصنفه، قال مؤلفه ﵀ حررته جهد القدرة فصح، مؤلفه أحمد بن على المقريزى، فى ذى القعدة سنة ٨٤١».
وكتب الصنف الرابع التى ذكرنا آنفا تعتبر - فيما نرى - أهم كتب المقريزى الصغرى وأكثرها قيمة، وأطرفها موضوعا، لأنه عالج فيها موضوعات قلما عالجها غيره من المؤرخين
_________________
(١) قام المحقق بنشر هذا الكتاب لأول مرة فى سنة ١٩٥٤
[ مقدمة 1 / ١٦ ]
المسلمين، وبعد فيها قليلا عن تاريخ الخلفاء والملوك والسلاطين والأمراء، وعنى فيها حينا بالموضوعات العلمية البحتة، وحينا آخر بالشعب ومشكلاته الاجتماعية والاقتصادية؛ ونلاحظ كذلك أن المقريزى فى هذا الصنف من الكتب لم يكن مؤرخا راوية وحسب، بل هو مؤرخ مبدع أيضا، جرؤ فناقش - أحيانا - الأحداث والموضوعات، وأدلى بآرائه الخاصة، وعلّل الأسباب، واقترح العلاج (^١).
ومعلوماته فى هذه الكتيبات وثيقة أكيدة تدل على قراءة واسعة ومعرفة متثبتة، وفكر واضح منظم، ومنهج علمى سليم، وساعده على ذلك أمور كثيرة، منها:
١ - أنه كان يملك مكتبة كبيرة ضخمة تضم العديد من الكتب فى مختلف أنواع العلم والمعرفة المتداولة فى عصره، والدليل واضح فى الكثرة الكثيرة من المراجع التى أشار فى مؤلفاته إلى أنه رجع إليها وأخذ عنها.
٢ - أنه ولى وظائف كثيرة مختلفة مكنته من التعرف على دولاب الحكومة وكيف يدار، وعلى مختلف النظم الإدارية والمالية، وعلى أحوال الشعب الاجتماعية والاقتصادية، فقد بدأ حياته الوظيفية موقّعا - أى كاتبا - بديوان الانشاء بالقاهرة، ثم كان مدرسا وقاضيا وناظرا للأوقاف، ثم ولى الحسبة غير مرة، ولم يكن للمحتسب - فيما نعلم - من عمل غير الإشراف على شئون الشعب الاجتماعية والاقتصادية.
٣ - اشتغاله بعلمى الحديث والتاريخ، وهما علمان يعتمدان أصلا على الجرح والتعديل، والنقد والتحليل، والتثبت من صحة كل قول أو رواية أو حقيقة علمية.
_________________
(١) انظر مقدماتنا لكتب المقريزى الصغرى التى نشرناها من قبل، وهى (اغاثة الأمة بكشف الغمة) و(نحل عبر النحل) و(الذهب المسبوك بذكر من حج من الخلفاء والملوك).
[ مقدمة 1 / ١٧ ]
- ٣ -