قال أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق (^١) المصرى فى كتاب «إتمام أخبار أمراء مصر للكندى» - رحمهما الله -:
«وفى جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة صحت الأخبار بمسير عساكر المعز لدين الله من المغرب إلى مصر، عليها عبده جوهر، وكانت بمصر للمعز دعاة استدعوا خلقا فى البلد؛ وكانوا يقولون: «إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المعزّ لدين الله الأرض كلّها، وبيننا وبينكم الحجر الأسود - يعنون كافور الإخشيدى -»، فلما مات كافور أنفذ المعزّ إلى دعاته بنودا، وقال: «فرقوها على من يبايع من الجند»، وأمرهم إذا قربت العساكر ينشرونها، فلما قربت العساكر من الإسكندرية جمع الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد ابن موسى بن الحسن بن الفرات (^٢) الناس وشاورهم، فاتفقوا على مراسلة جوهر، وأن يشترطوا
_________________
(١) هذا أول نص ينقله المقريزى هنا عن ابن زولاق، والحسن بن زولاق (٣٠٦ - ٣٨٧ - ٩١٩ - ٩٩٧) مؤرخ مصرى عاصر الدولتين الاخشيدية والفاطمية، له مؤلفات هامة منها هذا الذى ينقل عنه المقريزى، وذيل آخر على قضاة الكندى، وله أيضا كتاب فى سيرة الاخشيد وهو الذى نقله مختصرا عنه المؤرخ ابن سعيد فى كتاب «المغرب فى حلى المغرب» وسماه «العيون الدعج فى حلى دولة بنى طغج»، ولعل أهم مؤلفاته سيرة المعز لدين الله، غير أن مؤلفات ابن زولاق لم تصلنا للاسف، وانما وصلت شذرات منها - تدل على أهميتها القصوى - فى المؤلفات المتأخرة، انظر ما يلى عند كلام المقريزى عن المعز، فانه ينقل فصلا كبيرا عن «سيرة المعز» السالف ذكرها.
(٢) جعفر بن الفرات (٣٠٨ - ٣٩١) كان أبوه وزير المقتدر بالله الخليفة العباسى، ثم وفد هو الى مصر ووزر بها لأونوجور بن أبى بكر الأخشيد، ثم لأخيه أبى الحسن على، ثم لكافور، وبقى وزيرا الى أن انتهت الدولة الإخشيدية ودخل الفاطميون مصر، ويقال ان المعز لما أتى الى مصر عرض عليه الوزارة فامتنع، فقال: اذا لم تل لنا شغلا فيجب أن لا تخرج عن بلادنا، فانا لا نستغنى أن يكون فى دولتنا مثلك، فأقام بها ولم يرجع الى بغداد، وجعفر هذا هو الذى استجلب الدارقطنى من بغداد الى مصر، وأنفق عليه نفقة واسعة، وله صنف مسنده، وقد مات جعفر فى عهد الحاكم، فحمل تابوته الى المدينة، ودفن بها حسب وصيته، وقد ولى ابن له الوزارة للحاكم سنة ٤٠٥، فقتله بعد خمسة أيام من ولايته، انظر: (ياقوت: معجم الأدباء).
[ ١ / ١٠٢ ]
عليه شروطا، وأنهم يسمعون له ويطيعونه، ثم اجتمعوا على محاربته، ثم انحل ذلك، وعادوا إلى المراسلة بالصلح.
وكانت رسل جوهر ترد سرّا إلى ابن الفرات، ثم اتفقوا على خروج أبى جعفر مسلم الحسينى، وأبى إسماعيل الرسّى، ومعهما القاضى أبو طاهر، وجماعة، فبرزوا إلى الجيزة لاثنتى عشرة بقيت من رجب، ولم يتأخر عن تشييعهم قائد، ولا كاتب، ولا عالم، ولا شاهد، ولا تاجر، وساروا فلقوا جوهر بتروّجة (^١) ووافقوه، واشترطوا عليه، فأجابهم إلى ما التمسوه، وكتب لهم:
«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من جوهر الكاتب - عبد أمير المؤمنين المعز لدين الله - صلوات الله عليه - لجماعة أهل مصر الساكنين بها، من أهلها ومن غيرهم:
أنه قد ورد من سألتموه الترسل والاجتماع معى، وهم:
أبو جعفر مسلم الشريف - أطال الله بقاءه -
وأبو إسماعيل الرسّى - أيّده الله -
وأبو الطيّب الهاشمى - أيّده الله -.
وأبو جعفر أحمد بن نصر - أعزّه الله -
والقاضى - أعزّه الله -.
وذكروا عنكم أنكم التمستم كتابا يشتمل على أمانكم فى أنفسكم وأموالكم وبلادكم وجميع أحوالكم، فعرفتم ما تقدّم به أمر مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - وحسن نظره لكم.
فلتحمدوا الله على ما أولاكم، وتشكروه على ما حماكم، وتدأبوا فيما يلزمكم، وتسارعوا إلى طاعته العاصمة لكم، العائدة بالسلامة لكم، وبالسعادة عليكم، وهو أنه - صلوات الله عليه -
_________________
(١) حقق محمد رمزى موقع هذه القرية فى (النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ٣٠، هامش ٣) بقوله: هذه القرية كانت موجودة لغاية القرن التاسع الهجرى، حيث وردت فى كتاب التحفة السنية لابن الجيعان ص ١٢٤ وقد درست مساكنها، ومحلها كوم تروجة بحوض تروجة بأراضى زاوية صقر، بمركز أبى المطامير، بمديرية البحيرة.
[ ١ / ١٠٣ ]
لم يكن إخراجه للعساكر المنصورة، والجيوش المظفرة إلا لما فيه إعزازكم وحمايتكم والجهاد عنكم، إذ قد تخطفتكم الأيدى، واستطال عليكم المستذل وأطمعته نفسه بالاقتدار على بلدكم فى هذه السنة، والتغلب عليه وأسر من فيه، والاحتواء على نعمكم وأموالكم حسب ما فعله فى غيركم من أهل بلدان المشرق، وتأكد عزمه، واشتد كلبه، فعاجله مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - بإخراج العساكر المنصورة، وبادره بانفاذ الجيوش المظفرة دونكم، ومجاهدته عنكم وعن كافة المسلمين ببلدان المشرق، الذين عمّهم الخزى، وشملتهم الذلّة، واكتنفتهم المصائب وتتابعت الرزايا، واتصل عندهم الخوف وكثرت استغاثتهم، وعظم ضجيجهم، وعلا صراخهم، فلم يغثهم إلا من أرمضه أمرهم، ومضّه حالهم، وأبكى عينه ما نالهم، وأسهرها ما حلّ بهم، وهو مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -، فرجا - بفضل الله، وإحسانه لديه، وما عوّده وأجراه عليه - استنقاذ من أصبح منهم فى ذل مقيم، وعذاب أليم، وأن يؤمن من استولى عليه الوهل (^١)، ويفرخ روع من لم يزل فى خوف ووجل، وآثر إقامة الحج الذى تعطل وأهمل العباد فروضه وحقوقه لخوف المستولى عليهم، وإذ لا يأمنون على أنفسهم ولا على أموالهم، وإذ قد أوقع بهم مرة بعد أخرى، فسفكت دماؤهم، وابتزت أموالهم، مع اعتماد ما جرت به عادته من صلاح الطرقات، وقطع عبث العابثين فيها، ليتطرق الناس آمنين، ويسيروا مطمئنين، ويتحفوا بالأطعمة والأقوات، إذ كان قد انتهى إليه - صلوات الله عليه - انقطاع طرقاتها، لخوف مادتها، إذ لا زاجر للمعتدين، ولا دافع للظالمين.
ثم تجديد السّكّة (^٢)، وصرفها إلى العيار الذى عليه السكة الميمونة المنصورية المباركة، وقطع الغش منها، إذ كانت هذه الثلاث خصال هى التى لا يتسع لمن ينظر فى أمور المسلمين إلا إصلاحها، واستفراغ الوسع فيما يلزمه منها.
_________________
(١) فى الأصل وج: «المهل»، وما أثبتناه قراءة ترجيحية، والوهل معناها الفزع
(٢) عرف (الماوردى: الاحكام السلطانية، ص ١٤٩) السكة بأنها «الحديدة التى يطبع عليها الدراهم، ولذلك سميت الدراهم المضروبة السكة»، وقد شرح (المقريزى: كتاب الاوزان والأكيال الشرعية، طبعة Tychsen ص ٨٦) لفظ السكة بأنها «الدينار والدرهم المضروبين، سمى كل منهما سكة، لأنه طبع بالحديدة المعلمة، ويقال لها السكة، وكل مسمار عند العرب سكة».
[ ١ / ١٠٤ ]
وما أوعز به مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - إلى عبده من نشر العدل، وبسط الحق، وحسم الظلم، وقطع العدوان، ونفى الأذى، ورفع المؤن، والقيام فى الحق، وإعانة المظلوم مع الشفقة والإحسان، وجميل النظر، وكرم الصحبة، ولطف العشرة، وافتقاد الأحوال، وحياطة أهل البلد فى ليلهم ونهارهم، وحين تصرفهم فى أوان ابتغاء معاشهم، حتى لا تجرى أمورهم إلا على ما لمّ شعثهم، وأقام أودهم، وأصلح بالهم، وجمع قلوبهم، وألّف كلمتهم، على طاعة وليّه ومولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - وما أمر به مولاه من إسقاط الرسوم الجائرة التى لا يرتضى - صلوات الله عليه - بإثباتها عليكم.
وأن أجريكم فى المواريث على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وأضع ما كان يؤخذ من تركات موتاكم لبيت المال من غير وصيّة من المتوفى بها، فلا استحقاق لمصيرها لبيت المال.
وأن أتقدم فى رمّ مساجدكم، وتزيينها بالفرش والإيقاد، وأن أعطى مؤذنيها وقومتها ومن يؤمّ الناس فيها أرزاقهم، وأدرها عليهم، ولا أقطعها عنهم، ولا أدفعها إلا من بيت المال، لا بإحالة على من يقبض منهم.
وغير ما ذكره مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - مما ضمنه كتابه هذا [ما ذكره] من ترسل عنكم - أيدهم الله، وصانكم أجمعين بطاعة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - من أنكم ذكرتم وجوها التمستم ذكرها فى كتاب أمانكم، فذكرتها إجابة لكم، وتطمينا لأنفسكم.
[وإلا] فلم يكن لذكرها معنى، ولا فى نشرها فائدة، إذ كان الإسلام سنة واحدة، وشريعة متبعة، وهى إقامتكم على مذهبكم، وأن تتركوا [على] ما كنتم عليه من أداء الفروض فى العلم، والاجتماع عليه فى جوامعكم ومساجدكم، وثباتكم على ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة ﵃ والتابعين بعدهم، وفقهاء الأمصار الذين جرت الأحكام بمذاهبهم وفتواهم، وأن يجرى الأذان، والصلاة، وصيام شهر رمضان وفطره، وقيام لياليه، والزكاة، والحج، والجهاد على أمر الله وكتابه، و[ما] نصّه نبيّه ﷺ فى سنته، واجراء أهل الذمة على ما كانوا عليه.
[ ١ / ١٠٥ ]
ولكم علىّ أمان الله التام العام، الدائم المتصل، الشامل الكامل، المتجدد المتأكد على الأيام وكرور الأعوام، فى أنفسكم، وأموالكم، وأهليكم، ونعمكم، وضياعكم، ورباعكم، وقليلكم وكثيركم.
وعلى أنه لا يعترض عليكم معترض، ولا يتجنى عليكم متجن، ولا يتعقب عليكم متعقب.
وعلى أنكم تصانون وتحفظون وتحرسون، ويذبّ عنكم، ويمنع منكم، فلا يتعرض إلى أذاكم، ولا يسارع أحد فى الاعتداء عليكم، ولا فى الاستطالة على قويكم - فضلا عن ضعيفكم -.
وعلى أن لا أزال مجتهدا فيما يعمكم صلاحه، ويشملكم نفعه، ويصل إليكم خيره، وتتعرفون بركته، وتغتبطون معه بطاعة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -.
ولكم علىّ الوفاء بما التزمته، وأعطيتكم إياه، عهد الله، وغليظ ميثاقه وذمته، وذمة أنبيائه ورسله، وذمة الأئمة موالينا أمراء المؤمنين - قدّس الله أرواحهم -، وذمة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين المعز لدين الله - صلوات الله عليه - فتصرّحون بها وتعلنون بالانصراف إليها، وتخرجون إلىّ وتسلمون علىّ، وتكونون بين يدىّ، إلى أن أعبر الجسر، وأنزل فى المناخ (^١) المبارك، وتحافظون - من بعد - على الطاعة، وتثابرون عليها، وتسارعون إلى فروضها، ولا تخذلون وليّا لمولانا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -، وتلزمون ما أمرتم به، وفقكم الله وأرشدكم أجمعين».
وكتب القائد جوهر الأمان بخطه فى شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين الأخيار».
_________________
(١) المناخ هو المكان الذى أنيخت فيه دواب الجيش الفاطمى عند نزوله خارج الفسطاط وحيث بنيت القاهرة بعد ذلك، وقد كان له شأن بعد ذلك فى عهد الدولة، ويسميه (المقريزى: الخطط، ج ٢، ص ٣١١) «المناخ السعيد»، ويقول انه كان من وراء القصر الكبير فيما يلى ظهر دار الوزارة الكبرى والحجر، وأنه كان موضعا «برسم طواحين القمح التى تطحن جرايات القصور، وبرسم مخازن الاخشاب والحديد ونحو ذلك».
[ ١ / ١٠٦ ]
وكتب بخطه فى هذا الكتاب:
«قال جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين - صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين -:
كتبت هذا الأمان على ما تقدم به أمر مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -، وعلىّ الوفاء بجميعه لمن أجاب من أهل البلد وغيرهم على ما شرطت فيه.
والحمد لله رب العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين.
وكتب جوهر بخطه فى التاريخ المذكور:
وأشهد جوهر على نفسه جماعة الحاضرين وهم:
أبو جعفر مسلم بن محمد بن عبيد الله الحسينى.
وأبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد الرسّى الحسنى.
وأبو الطيب العباس بن أحمد الهاشمى.
والقاضى أبو الطاهر محمد بن أحمد.
وابنه أبو يعلى محمد بن محمد.
ومحمد بن مهلب بن محمد.
وعمرو بن الحرث بن محمد.
وأخذ منه أبو جعفر مسلم كتابا إلى أبى الفضل جعفر بن الفرات - الوزير - وجماعة وجوه الدولة، وخاطب ابن الفرات - فى كتابه - بالوزير بعد مراجعة، وكان قد توقف فى مخاطبته بالوزير، وقال: «ما كان وزير خليفة»، وأجاز الجماعة وحمّلهم، ولم يقبل أبو جعفر مسلم شيئا منه، وأكلت الجماعة معه، وودعوه وانصرفوا، فوافوا لثمان خلون من شعبان».
قال ابن زولاق:
«سألت أبا جعفر مسلم عند رجوعه عن مقدار العسكر، فقال: «هو مثل جمع عرفات كثرة وعدة»؛ وسألته عن سن القائد جوهر، فقال لى: «نيف وخمسون سنة».
[ ١ / ١٠٧ ]
فلما قدم الجماعة انتقض الإخشيدية والكافورية، وكان قد بلغهم ذلك وهم عند القائد جوهر، فتسرعوا فى الانصراف من عنده، وبلغ جوهر - بعد انصرافهم - انتقاض الصلح، فأدرك الجماعة، وأعلمهم بأن القوم قد نقضوا الصلح، وطلب إعادة أمانه إليه، فرفقوا به، فقال للقاضى أبى طاهر:
ما تقول يا قاضى فى هذه المسألة؟»
فقال: «ما هى»؟
فقال: «ما تقول فيمن أراد العبور إلى مصر ليمضى إلى الجهاد لقتال الروم فمنع، أليس له قتالهم؟»
فقال له القاضى: «نعم».
فقال: «وحلال قتالهم؟»
قال: «نعم».
ولما وافى أبو جعفر مسلم ومن معه من عند جوهر جاءه الناس، وركب إليه ابن الفرات فى موكب عظيم، وعنده جماعة الوجوه، فقرأ عليهم كتاب جوهر بالأمان والشرط، وأوصل كتاب ابن الفرات وكتب الجماعة، فامتنع القوم من قبول ذلك، وقال فرح البجكمى للشريف مسلم:
«لو جاءنا جدّك بهذا ضربنا وجهه بالسيف».
فلامهم ابن الفرات على ذلك، وقال: «أنتم سألتم الشريف هذه المسألة، فلم يقنع حتى أخذ معه أبا إسماعيل - وهو رجل حسنى -، وأخذ معه قاضى المسلمين، وأخذ معه رجلا عباسيا».
وسكت الشريف مسلم، فلم يزد على أن قال: «خار الله لكم».
واشتغل ابن الفرات يسارر الشريف مسلم، والإخشيدية والكافورية فى خوض، فقالوا كلهم:
«ما بيننا وبين جوهر إلا السيف»:
[ ١ / ١٠٨ ]
فسلموا على نحرير شويزان بالإمارة، وخرجوا يحجبونه إلى داره، وبقى أحمد بن على بن الإخشيد لا يفكّر فيه.
واستعدوا للحرب، وساروا لعشر خلون من شعبان، فنزلوا الجزيرة بالرجال والسلاح، ووافى جوهر الجزيرة، فلما شاهد ما فعلوه عاد إلى منية شلقان (^١)، وعبر إلى مصر من ذلك الموضع، وأرسل فاستقبل المراكب الواردة من تنّيس (^٢) ودمياط وأسفل الأرض (^٣) فأخذها، وتولى العبور إليهم جعفر (^٤) بن فلاح عريانا فى سراويل مع جمع من المغاربة، وبلغ الإخشيدية، فأنفذوا نحرير الأرغلى، ويمن الطويل، ومبشر الإخشيدى فى خلق، فساروا إلى الموضع، وكانوا قد وكلوا به مزاحم بن محمد بن رائق فلقوه راجعا، ووقع القتال فقتل خلق من المصريين.
وانصرف الناس عشية الأحد النصف من شعبان، فلما كان نصف الليل انصرف من كان بالجزيرة إلى دورهم، وأصبحوا غادين إلى الشام، وقد قتل جماعة، منهم: نحرير الأرغلى، ومبشر الإخشيدى، ويمن الطويل، وخلق كثير.
وأصبح الناس على خطة عظيمة، فبكروا فى يوم الاثنين إلى دار الشريف مسلم يسألونه الكتاب إلى جوهر فى إعادة أمانهم، فكتب إليه، وجلس الناس عنده، وقد طاف علىّ بن
_________________
(١) تعرف اليوم باسم شلقان، وهى قرية شرقى القناطر الخيرية بمركز قليوب
(٢) كانت تنيس مدينة قديمة وهى جزيرة وسط بحيرة تحمل نفس الاسم، وهى التى تسمى اليوم بحيرة المنزلة، وقد كان لتنيس فى العصور الوسطى شأن خطير من الناحيتين الحربية والصناعية، فقد كان الروم يغيرون عليها بأساطيلهم كلما فكروا فى غزو مصر، ولهذا كانت بها دار صناعة وأسطول مقيم، وكانت بها حصون وقلاع قوية، كما كانت تنيس مركزا هاما من مراكز صناعة النسيج فى مصر فى تلك العصور، ويرى المقريزى أنه فى سنة ٥٨٨ هـ صدرت الأوامر باخلاء تنيس فأخليت ونقل أهلها الى دمياط، وفى شوال سنة ٦٢٤ هـ أمر الكامل محمد الأيوبى بهدم تنيس. انظر: (الخطط، ج ١، ص ٢٨٤ - ٢٩٣).
(٣) المقصود بأسفل الأرض فى تلك العصور الوجه البحرى.
(٤) جعفر بن فلاح من أكبر قواد المعز، صحب جوهر، واشترك فى فتح مصر، ثم سار لفتح الشام فاستولى على الرملة فى آخر سنة ٣٥٨ هـ، وعلى دمشق فى أول سنة ٣٥٩ هـ، وأقام بها الى سنة ٣٦٠ حيث قصده الحسن بن أحمد القرمطى وقاتله وقتله.
[ ١ / ١٠٩ ]
الحسين بن لؤلؤ - صاحب الشرطة السفلى (^١) - ومعه رسول جوهر، وبند (^٢) عليه اسم المعز لدين الله، وبين أيديهما الأجراس بأن لا مئونة ولا كلفة، وأمّن الناس، وفرقت البنود، فنشر كلّ من عنده بند بنده فى درب حارته.
وجاء الجواب إلى الشريف وقت العصر، ونسخته بعد البسملة:
«وصل كتاب الشريف الجليل - أطال الله بقاءه، وأدام عزّه وتأييده وعلوه - وهو المهنأ بما هنأ به من الفتح الميمون؛ فوقفت على ما سأل من إعادة الأمان الأول، وقد أعدته على حاله.
وجعلت إلى الشريف - أعزّه الله - أن يؤمّن كيف رأى وكيف أحب، ويزيد على ما كتبته كيف يشاء، فهو أمانى، وعن إذنى وإذن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -.
وقد كتبت إلى الوزير - أيّده الله - بالاحتياط على دور الهاربين إلى أن يرجعوا إلى الطاعة، ويدخلوا فيما دخلت فيه الجماعة، ويعمل الشريف - أيّده الله تعالى - على لقائى فى يوم الثلاثاء لسبع عشرة تخلو من شعبان».
فاستبشرت الجماعة وابتهجوا، وعملوا على الغدو (^٣) إلى الجيزة للقاء جوهر مع الشريف مسلم، وبات الناس على هدوء وطمأنينة.
فلما كان غداة يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان خرج الشريف أبو جعفر مسلم، وجعفر بن الفضل بن الفرات، وسائر الأشراف والقضاة والعلماء والشهود ووجوه التجار والرعية إلى الجيزة، فلما تكامل الناس أقبل القائد جوهر فى عساكره، فصاح بعض حجابه:
_________________
(١) الشرطة هم الجنود الذين يحافظون على الأمن، وقد كان بالفسطاط شرطة منذ الفتح العربى، وكان صاحبها فى المكان الثانى بعد الوالى، فلما أسست العسكر أنشئت فيها دار أخرى للشرطة سميت الشرطة العليا، لعلو العسكر عن الفسطاط، كما سميت شرطة الفسطاط بالشرطة السفلى منذ ذلك الحين، ولما فتح جوهر مصر وأنشأ القاهرة نقل اليها الشرطة العليا، وقد ظلت بها طول عهود الفاطميين والأيوبيين والمماليك. انظر (صبح الأعشى، ج ٤، ص ٢٣) حيث يذكر أنه كانت هناك شرطة ثالثة فى القرافة، وأنها ضمت فى أيامه الى شرطة الفسطاط أى السفلى.
(٢) ذكر فى ابن خلكان أن هذا البند كان أبيض اللون.
(٣) ج: «المسير»
[ ١ / ١١٠ ]
«الأرض، إلا الشريف والوزير».
وتقدّم الناس واحدا واحدا، فلما فرغوا من السلام عليه عاد الناس إلى الفسطاط.
فلما زالت الشمس أقبلت العساكر، فعبرت الجسر، ودخلت أفواجا أفواجا، ومعهم صناديق المال على البغال، - ويقال إن المال كان فى ألف وخمسمائة صندوق -، وأقبلت القباب، وأقبل جوهر فى حلة مذهبة مثقل فى فرسانه ورجالته، وقاد العسكر بأسره إلى المناخ الذى رسم له المعز موضع القاهرة؛ واختطّ موضع القصر، وأقام عسكره سبعة أيام يدخل - من يوم الثلاثاء إلى [آخر] يوم الاثنين -، واستقرت به الدار.
وجاءته الألطاف والهدايا فلم يقبل من أحد طعاما إلا من الشريف مسلم، ويقال: لما أناخ جوهر فى موضع القاهرة الآن اختطّ القصر، فأصبح المصريون ليهنئوه، فوجدوه قد حفر أساس القصر فى الليل.
ويقال إن جوهر لما بنى القصور، وأدار عليها السور سماها: «المنصورية (^١)»، فلما قدم المعز لدين الله إلى الديار المصرية سماها «القاهرة» (^١).
_________________
(١) أورد المقريزى هنا وفى (الخطط، ج ٢، ص ٢٠٤) رأيين فى سبب تسمية عاصمة الفاطميين بالقاهرة. أولهما أن جوهر سماها المنصورية، فلما أتى المعز بعد أربع سنوات سماها القاهرة تفاؤلا بأنها ستقهر الدولة العباسية المنافسة. وثانيهما قصة الحبال والجرس والغراب. والنظرة العلمية الصحيحة ترجح صحة الرأى الأول، فقد اختار جوهر لبناء القاهرة موقعا خارج العاصمة القديمة كما كانت منصورية المغرب خارج القيروان، وقد سمى بابان من أبواب المدينة المصرية باسمى زويلة والفتوح وهما اسمان لبابين فى منصورية المغرب، كذلك من المرجح أن يكون جوهر سمى العاصمة المصرية الجديدة المنصورية تقربا لسيده وخليفته المعز باحياء ذكرى والده المنصور. أما قصة الغراب فهى أقرب الى الخيال، ومما ينفيها نفيا باتا - رغم أخذ الكثيرين من المؤرخين بها - أن (المسعودى: مروج الذهب، ج ١، ص ٢١٥) يروى قصة شديدة الشبه جدا بهذه القصة وينسبها الى الاسكندر عند بنائه للاسكندرية، والذى أرجحه أن المقريزى نقل الرأى الأول الصحيح عن مصادر فاطمية، ثم نقل القصة الثانية عن مراجع متأخرة شبه عليها الأمر عند الكلام عن قاهرة المعز، فاقتبست ما قيل عن اسكندرية الاسكندر، انظر أيضا (كرزويل: تأسيس القاهرة، الترجمة العربية للسيد محمد رجب، مجلة المقتطف، نوفمبر وديسمبر سنة ١٩٣٤).
[ ١ / ١١١ ]
ويقال فى سبب تسميتها بالقاهرة أن القائد جوهر لما أراد بناء القاهرة أحضر المنجمين، وعرّفهم أنه يريد عمارة بلد ظاهر مصر ليقيم بها الجند، وأمرهم باختيار طالع لوضع الأساس، بحيث لا يخرج البلد عن نسلهم، فاختاروا طالعا لحفر السور، وطالعا لابتداء وضع الحجارة فى الأساس، وجعلوا بدائر السور قوائم من خشب، بين كل قائمتين حبل فيه أجراس، وقالوا للعمال:
«إذا تحركت الأجراس ارموا ما بأيديكم من الطين والحجارة».
فوقفوا ينتظرون الوقت الصالح لذلك، فاتفق أن غرابا وقع على حبل من تلك الحبال المعلق فيها الأجراس، فتحركت الأجراس كلها، وظنّ العمال أن المنجمين حركوها، فألقوا ما بأيديهم من الطين والحجارة وبنوا، فصاح المنجمون:
«القاهر فى الطالع».
فمضى ذلك وفاتهم ما قصدوه.
ويقال إن المريخ كان فى الطالع عند ابتداء وضع أساس القاهرة، وهو قاهر الفلك، [فسموها القاهرة] (^١)، فحكموا لذلك أن القاهرة لا تزال تحت حكم الأتراك.
وأدار السور اللبن حول بئر العظام، وجعلها فى القصر، وجعل القاهرة حارات (^٢) للواصلين [صحبته و] صحبة [مولاه] المعز، وعمل القصر بترتيب ألقاه إليه المعز.
ويقال إن المعز لما رأى القاهرة لم يعجبه مكانها فى البرية بغير ساحل، وقال لجوهر:
«يا جوهر فاتتك عمارتها هاهنا» - يعنى المقس (^٣) بشاطئ النيل -.
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة عن ج
(٢) قال ابن سيده: الحارة كل محلة دنت منازلها، والمحلة منزل القوم، هذا وقد كانت أحياء القاهرة عند تأسيسها تسمى الحارات، كما كانت احياء الفسطاط تسمى الخطط، انظر باب الحارات فى (المقريزى: الخطط، ج ٣، ص ٣٢ - ٣٦).
(٣) عرف (ابن تغرى بردى - نقلا عن القضاعى - النجوم الزاهرة، ج ٤ ص ٥٣) المقس بقوله: كانت ضيعة تعرف بأم دنين، وانما سميت المقس لأن العشار وهو المكاس كان فيها يستخرج الاموال، فقيل له المكس، ثم قيل المقس، وقد عقب على ذلك محمد رمزى بقوله: المقس والمكس والمقسم وأم دنين كلها أسماء مترادفة لقرية كانت واقعة على شاطئ النيل وقت أن كان النيل يجرى فى عهد الدولة الفاطمية فى المكان الذى يمر فيه اليوم شارع عماد الدين وميدان محطة مصر وما بعده الى الشمال بشارع الملكة نازلى (شارع رمسيس حاليا) .. الخ.
[ ١ / ١١٢ ]
فلما رأى سطح الجرف المعروف اليوم بالرّصد (^١)، قال:
«يا جوهر: لما فاتك الساحل كان ينبغى عمارة القاهرة بهذا الجبل على هذا السطح، وتكون قلعة لمصر».
حكاه ابن الطوير (^٢).
قال: «وكان المعز عارفا بالأمور، مطلعا على الأحوال بالذكاء، وكان يضرب فى فنون منها النجامة، فرتّب فى القصر ما يحتاج إليه الملوك بل الخلفاء، بحيث لا يراهم العيان فى النقلة من مكان إلى مكان، وجعل لهم فى ساحاته البحر والميدان والبستان، وتقدّم بعمارة المصلى ظاهر القاهرة لأهلها، لخطبتهم فيها والصلاة فى عيدى الفطر والنحر، والآخر بالقرافة لأهل مصر».
وقال ابن عبد الظاهر (^٣):
«فلما تحقق المعز وفاة كافور جهّز جوهر وصحبته العساكر، ثم نزل بموضع يعرف برقادة، وخرج فى أكثر من مائة ألف [فارس]، وبين يديه أكثر من ألف صندوق من المال،
_________________
(١) جبل الرصد مكان مرتفع كان موقعه جنوبى الفسطاط، ويذكر محمد رمزى فى تعليقاته (النجوم الزاهرة، ج ٦، ص ٣٨٢) أن هذا الجبل هو الذى يسمى الآن جبل اصطبل عنتر.
(٢) ابن الطوير مؤرخ فاطمى لم يصلنا شيء من كتبه، وانما ينقل عنه كثيرا المؤرخون اللاحقون كالمقريزى والقلقشندى وابن تغرى بردى .. الخ.
(٣) هو محيى الدين أبو الفضل عبد الله بن عبد الظاهر القاضى، كان كاتبا وشاعرا، ولى ديوان الانشاء فى عهود الظاهر بيبرس والمنصور قلاوون والأشرف خليل، وهو الذى حرر التقليد بتولية الملك السعيد وليا للعهد، وأهم كتبه: الروضة البهية الزاهرة فى خطط المعزية القاهرة، وقد اعتمد عليه كثيرا المقريزى فى خططه، وليس هناك حتى الآن ما يدل على وجود هذا الكتاب، وله أيضا سيرة السلطان الملك الظاهر بيبرس، ألفها نظما، والألطاف الخفية من السيرة الشريفة السلطانية الأشرفية، وقد نشر النص العربى مع ترجمة سويدية Moberg تحت عنوان" Axel Moberg:wr Abdallah b.Abd Az-Zahir's Biografi Over Sultanen ElmeliK Al-Ashraf Halil،London .١٩٠٢) . وقد ولد ابن عبد الظاهر سنة ٦٢٠، وتوفى سنة ٦٩٢، انظر أخباره بالتفصيل فى (جورجى زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج ٣، ص ١٥٤) و(دائرة المعارف الاسلامية. مادة ابن عبد الظاهر) و(Casanova:Ibn Abd Elzahir.Memoires publies Par les Membres de la Mission Archeologiques au Caire t.VI.p .٤٩٣ - ٥٠٥) .
[ ١ / ١١٣ ]
وكان المعز يخرج إلى جوهر فى كل يوم ويخلو به، وأمره أن يأخذ من بيوت الأموال ما يريد زيادة على ما أعطاه.
وركب إليه المعز يوما فجلس وقام جوهر بين يديه، فالتفت المعز إلى المشايخ الذين وجههم معه وقال:
«والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر، وليدخلنّ إلى مصر بالأردية من غير حرب، ولينزلنّ فى خرابات ابن طولون، وتبنى مدينة تسمى القاهرة تقهر الدنيا».
قال: «ونزل جوهر مناخه موضع القاهرة الآن فى يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، واختط القصر، وبات الناس، فلما أصبحوا حضروا للهناء فوجدوه قد حفر أساس القصر بالليل، وكانت فيه زورات غير معتدلة، فلما شاهد ذلك جوهر لم يعجبه، ثم قال:
«قد حفر فى ليلة مباركة وساعة سعيدة» فتركه على حاله».
وقال ابن زولاق: «ولما أصبح أنفذ علىّ بن الوليد القاضى لعسكره، وبين يديه أحمال مال ومناد ينادى: «من أراد الصدقة فليصر إلى دار أبى جعفر»، فاجتمع خلق من المستورين والفقراء، فصاروا بهم إلى الجامع العتيق (^١) ففرّق فيهم.
ولما كان يوم الجمعة لعشر بقين من شعبان نزل جوهر فى عسكر إلى الجامع العتيق لصلاة الجمعة، وخطب بهم هبة الله بن أحمد - خليفة عبد السميع بن عمر العباسى - ببياض، فلما بلغ إلى الدعاء قرأه من رقعة وهو:
«اللهم صلّ على عبدك ووليك، ثمرة النبوة، وسليل العترة الهادية المهدية، عبد الله الإمام معدّ أبى تميم المعز لدين الله، أمير المؤمنين، كما صليت على آبائه الطاهرين وأسلافه الأئمة الراشدين».
_________________
(١) هو جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، وقد سمى أيضا فى عهد ازدهاره «تاج الجوامع» ثم لما تقادم به العهد، وكثرت الى جوانبه جوامع الفسطاط سمى «الجامع العتيق» انظر: (محمود أحمد: جامع عمرو بن العاص).
[ ١ / ١١٤ ]
اللهم ارفع درجته واعل كلمته، وأوضح حجته، واجمع الأمة على طاعته، والقلوب على موالاته وصحبته، واجعل الرشاد فى موافقته، وورّثه مشارق الأرض ومغاربها، وأحمده مبادئ الأمور وعواقبها، فإنك تقول وقولك الحق:
«وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ» (^١).
فقد امتعض لدينك، ولما انتهك من حرمتك، ودرس من الجهاد فى سبيلك، وانقطع من الحج إلى بيتك وزيارة قبر رسولك ﷺ؛ فأعدّ للجهاد عدته، وأخذ لكل خطب أهبته، فسيّر الجيوش لنصرتك، وأنفق الأموال فى طاعتك، وبذل المجهود فى رضاك، فارتدع الجاهل، وقصر المتطاول، وظهر الحقّ وزهق الباطل، فانصر اللهم جيوشه التى سيّرها، وسراياه التى انتدبها، لقتال المشركين، وجهاد الملحدين، والذبّ عن المسلمين، وعمارة الثغور والحرم، وإزالة الظلم والتهم والنهم، وبسط العدل فى الأمم.
اللهم اجعل راياته عالية مشهورة، وعساكره غالبة منصورة، وأصلح به وعلى يديه، واجعل لنا منك واقية علية».
وأمر جوهر بفتح دار الضرب (^٢)، وضرب السكّة الحمراء (^٣)، وعليها:
_________________
(١) الآية ١٠٥، سورة ٢١ (الأنبياء).
(٢) هذا نص هام يفيد أنه كان بمصر قبل الفتح الفاطمى دار للضرب، وليس فى المراجع ما يحدد الزمن الذى أنشئت فيه دار الضرب بمصر لأول مرة، وانما فى (المقريزى: النقود الاسلامية ص ١٣) أن أحمد بن طولون عثر مرة على كنز مصرى قديم به دنانير جيدة العيار، «فتشدد حينئذ أحمد بن طولون فى العيار حتى لحق ديناره بالعيار المعروف له وهو الأحمدى، الذى لا يطلى بأجود منه»، فكأن أحمد بن طولون أول من ضرب الدينار باسمه فى مصر، فلعله أيضا أول من أنشأ دار الضرب بها، وفى (الكندى: القضاة، ص ٥٦٢ - ٥٦٣» ما يفيد أن الحسين ابن زرعة ولى قضاء مصر سنة ٣٢٤ هـ - أى فى عهد الاخشيد - وأنه نظر أيضا فى «المواريث والاحباس ودار الضرب»، غير أن هذه المراجع لم توضح أين كانت تقوم دار الضرب هذه، ويتضح من المراجع المختلفة أن هذه الدار ظلت تعمل الى أن أنشئت دار ضرب جديدة فى العصر الفاطمى فى عهد الخليفة الآمر بالله، أنشأها الوزير المأمون البطائحى بالقشاشين، ويشغل مكانها اليوم - كتحديد المرحوم رمزى بك فى النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ٥٣؛ هامش ٣ مجموعة المبانى التى يحدها من الشمال شارع الصناديقية، ومن الغرب شارع الغورى، ومن الجنوب شارع الأزهر. انظر وصف هذه الدار وغيرها من دور الضرب التى أنشئت بعد ذلك فى الاسكندرية وقوص وصور وعسقلان .. الخ فى (ابن مماتى: قوانين الدواوين، ص ٣٣٠ - ٣٣١) و(القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٣، ص ٤٦٩ وج ٤ ص ٤٦٥) و(المقريزى: الأوزان والأكيال الشرعية، ص ٤٧ - ٥٠) و(الخطط، ج ٢، ص ٣١٢ - ٣١٣ و٣٢١) و(اغاثة الأمة، ص ١٥) و(الكرملى: النقود العربية، ص ١١٥ - ١١٦).
(٣) لم أعثر فى المراجع التى أفدت منها على ما يوضح معنى «السكة الحمراء»، وانما جاء -
[ ١ / ١١٥ ]
«دعا الإمام معد بتوحيد الإله الصمد» - فى سطر.
وفى السطر الآخر:
«المعز لدين الله أمير المؤمنين».
وفى سطر آخر:
«بسم الله. ضرب هذا الدينار بمصر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة»،
- وفى الوجه الآخر -:
«لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. علىّ أفضل الوصيين وزير خير المرسلين».
ورجع مزاحم بن رائق - وكان قد سار مع الإخشيدية - ومعه جيش كبير.
وأفطر جوهر يوم الفطر على عدد بغير رؤية (^١)، وصلى صلاة العيد بالقاهرة، صلى به علىّ بن وليد الإشبيلى وخطب، ولم يصلّ أهل مصر، وصلوا من الغد فى الجامع العتيق، وخطب لهم رجل هاشمى. وكان أبو طاهر القاضى قد التمس الهلال على [رسمه فى] سطح الجامع فلم يره، وبلغ ذلك جوهر فأنكره وتهدّد عليه.
_________________
(١) = - فى (المقريزى: النقود الاسلامية، ص ١٤) ما يفيد أنه بعد زوال الدولة الفاطمية «عمت بلوى المصارفة بأهل مصر، لأن الذهب والفضة خرجا منها وما رجعا، وعدما فلم يوجدا، ولهج الناس بما عمهم من ذلك، وصاروا اذا قيل دينار أحمر فكأنما ذكرت حرمة له، وأن حصل فى يده فكأنما جاءت بشارة الجنة له .. الخ»، فلعله يعنى بالسكة الحمراء الدينار الأحمر أى المصنوع من الذهب الجيد العيار الذى كان يمتاز به العصر الفاطمى. انظر أيضا (الكرملى: النقود العربية، ص ٥٩).
(٢) المذهب الشيعى لا يقيد أتباعه عند صيام رمضان بضرورة رؤية انهلال، وهى «المجالس المستنصرية، ١٢٨ - ١٢٩» ملخص رأيهم فى هذا الموضع، وهو «والذى يقتضيه المذهب الشريف المصون عن التبديل والتحريف أن التعبد فى دخول الصوم والخروج منه بالرؤية والحساب جميعا، أنهما كالظاهر والباطن، اذا أشكل الأمر فى أحدهما التمس فى الآخر، ولأجل ذلك احتيج فيه الى الامام عليه أفضل السلام، يستخرج حقيقته، ويوضح طريقته، فالهلال كالظاهر لأنه مشاهد، والحساب كالباطن لأنه معقول، والحساب يستعمل من أول كل سنة، ثم يراعى طلوع الهلال، فان وافق الحساب الرؤية، فقد اتفق الظاهر والباطن، وزال الاشكال، وزكت الأعمال، وان وفى الحساب ولم يطلع الهلال علم أنه قد غم أو وقع فى نظره اخلال».
[ ١ / ١١٦ ]
وجلس جوهر للمظالم (^١) فى كل [يوم] سبت، ثم ردّ المظالم إلى أبى عيسى مرشد.
وفى شوال صرف على بن لؤلؤ عن الشرطة السفلى، وردّ شبل المعرضى، وولى عدة من جهات الخراج، وعلى الضياع.
وفى ذى الحجة قدم ستة آلاف من الإخشيدية والكافورية، فأنزلوا خارج القاهرة وزيد فى الخطبة (^٢):
«اللهم صلّ على محمد [النبى] المصطفى، وعلى علىّ المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول، الذين أذهبت عنهم الرجس وطهّرتهم تطهيرا، اللهم صلّ على الأئمة الراشدين آباء أمير المؤمنين، الهادين المهديين».
ونودى برفع البراطيل (^٣)، وقائم الشرطتين، وسائر رسوم البلد.
وورد الخبر بدخول القرامطة الرملة.
وورد كتاب المعز من المغرب بوصول رأس نحرير ومبشّر ويمن وبلال.
وتولى الحسبة (^٤) رجل يعرف بأبى جعفر الخراسانى.
وفى نصف ذى الحجة تكاملت الإخشيدية والكافورية (^٥) المستأمنة بمصر، وهم أربعة عشر رئيسا، فى عسكر عدته خمسة آلاف كانوا فى معسكر لهم عند مصلى العيد بالقاهرة، فهرب
_________________
(١) فى (ابن خلكان: الوفيات، ج ١ ص ٢١٢) أن جوهرا كان يجلس للمظالم بحضرة الوزير والقاضى وجماعة من أكابر الفقهاء، وللتعريف بهذه الوظيفة انظر: (الأحكام السلطانية للماوردى).
(٢) فى (ابن خلكان: المرجع السابق) أن هذه الزيادة حدثت فى يوم الجمعة الثامن من ذى القعدة.
(٣) عرف (المقريزى: الخطط، ج ١ ص ١٧٩) البراطيل بأنها «الأموال التى تؤخذ من ولاة البلاد ومحتسبيها وقضاتها وعمالها، فأول من عمل ذلك بمصر الصالح بن رزيك فى ولاة النواحى فقط، ثم بطل وعمل فى أيام العزيز بن صلاح الدين أحيانا .. الخ»، وللنص هنا أهمية خاصة فهو يشير الى أن جوهرا أمر فى ذى الحجة سنة ٣٥٨ برفع البراطيل، فكأنها كانت موجودة فى مصر قبل دخول الفاطميين، فى حين يذكر فى الخطط أن أول من عمل ذلك بمصر هو الصالح بن رزيك».
(٤) لاحظ أن هذا أول محتسب فى العصر الفاطمى.
(٥) جماعة من أمراء الجيش ينسبون الى الاخشيد والى مولاه كافور.
[ ١ / ١١٧ ]
منه فاتك الهيكلى إلى الشام، فلم يدركه الطلب، وبلغ جوهر أن المستأمنة من الإخشيدية والكافورية اتفقوا على فساد.
وتوفى ابن لجعفر بن فلاح، فحضر جوهر الجنازة، وحضر الناس وفيهم الإخشيدية والكافورية، وانصرفوا معه، فقال لهم فى طريقه:
«قد حضر كتاب مولانا ومولاكم بما تسروا به، فسيروا حتى تقفوا عليه».
فساروا معه إلى مضاربه بالقاهرة، ودخلوا معه، فقبض على ثلاثة عشر من وجوههم.
وهم: نحرير شويزان. وقنك الخادم الأسود، ودرى الصقلى، وحكل الإخشيدى، ولؤلؤ الطويل، ومفلح الوهبانى؛ وقيلق التركى، وفرح الحكمى؛ واعتقلهم ستة أشهر حتى سيّرهم مع الهدية إلى المعز، ومعهم الحسن بن عبيد الله بن طغج، وقبض على ضياع نحرير الأرغلى وأمواله، وقبض من يحيى بن مكى بن رجاء ثمانين ألف دينار عينا؛ وصاريين من عود رطب.
وورد كتاب المعز إلى جوهر، وإلى أبى جعفر مسلم، وإلى أبى إسماعيل الرّسّى، وإلى الوزير جعفر بن الفرات.
وولّى جوهر مزاحم بن محمد بن رائق الحوف (^١) والفرما (^٢).
ودخل جوهر والغلاء شديد، فزاد فى أيامه حتى بلغ القمح تسعة أقداح بدينار.
_________________
(١) جاء فى (اللسان) «الحافة والحوف الناحية والجانب، وحوف الوادى حرفه وناحيته»، هذا وقد كان أسفل الأرض - أو الوجه البحرى - ينقسم فى العصر الاسلامى الى أربع نواح: الحوف الشرقى وكان يشمل عين شمس وما يسمى الآن مديرية القليوبية ومديرية الشرقية ومدينتى الفرما والعريش، وبطن الريف وكان يشغل ما يسمى الآن مديرية الدقهلية وجزءا من شمال مديرية الغربية، والجزيرة وهى الأرض التى بين فرعى النيل والحوف الغربى أى مديرية البحيرة. انظر: (صبح الأعشى، ج ٣، ص ٣٨١ - ٣٨٧) والمقصود بالحوف هنا الحوف الشرقى.
(٢) كانت الفرما احدى ثغور مصر الحصينة الشمالية على البحر الأبيض المتوسط، وقد كانت لها فى العصور الوسطى أهمية خاصة من الناحيتين الحربية والتجارية، وفى سنة ٥٤٥ هـ نزل الفرنج فى الفرما ونهبوها وأحرقوها، وفى سنة ٥٥٩ هـ أكمل حرقها الوزير الفاطمى شاور أثناء نزاعه مع ضرغام، فلم تقم لها قائمة بعد ذلك، وأطلالها الآن موجودة شرقى محطة الطينة على بعد ٢٥ كم منها.
[ ١ / ١١٨ ]
وكان عامل الخراج على بن يحيى بن العرمرم، فأقرّه جوهر شهرا، ثم أشرك معه رجاء ابن صولان.
وأقرّ ابن الفرات على وزارته.
وأزال جوهر من مصر السواد.
ومنع من قراءة «سبح اسم ربك» فى صلاة الجمعة.
وأزال التكبير بعد صلاة الجمعة (^١).
ولم يدع عملا إلا جعل فيه مغربيا شريكا لمن فيه (^١).
وكان القاع ثلاثة أذرع وتسعة عشر إصبعا، وبلغ الماء سبعة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا؛ وخلع جوهر على ابن أبى الردّاد (^٢)، وحمله فأجازه.
_________________
(١) لاحظ هذه التغييرات التى أحدثها جوهر فى شئون مصر الدينية والادارية.
(٢) ابن أبى الرداد هو الموظف الذى كان يشرف على أمور مقياس النيل بالروضة، ويعلن وفاء النيل، قال صاحب صبح الأعشى (ج ٣، ص ٢٩٥): «وكانت النصارى تتولى قياسه، فعزلهم المتوكل عنه، ورتب فيه أبا الرداد عبد الله بن عبد السلام بن أبى الرداد المؤدب، وكان رجلا صالحا، فاستقر قياسه فى بنيه الى الآن» ويعنى بالجملة الأخيرة أن بنى أبى الرداد ظلوا يلون القياس حتى عهده، أى حتى القرن التاسع عشر.
[ ١ / ١١٩ ]