فلما اتى لابنها دارا ثلاثون سنه جمعت عظماء المملكة، ودعت بابنها دارا، فأقعدته على سرير الملك، وتوجته بالتاج، وولته الأمر.
ملك تبع بن ابى مالك
قالوا: ولما هلك ابو مالك بطرف الظلمه اجتمع اشراف اهل اليمن، فملكوا امرهم ابنه تبع الاقران وانما سمى لنجدته تبع الاقران، وقد قيل: بل هو تبع الاقرن. كل ذلك يقال.
فلما ملك تجهز يريد بلاد الصين طالبا بثار ابيه وجده، فسار إليها، فمر بسمرقند، وهي خراب، فامر ببنائها، فاعيد، ثم ركب المفازة حتى انتهى الى بلاد التبت [١]، فراى مكانا واسعا ظاهر المياه مكتلئا، فابتنى هناك مدينه، فاسكن فيها ثلاثين الف رجل من اصحابه، فهم التبعيون، وزيهم الى اليوم زي العرب، وهيئتهم هيئة العرب، ثم سار الى ارض الصين، فقتل، واخرب مدينه الملك، فهى خراب الى اليوم، ثم قفل راجعا الى اليمن، وامتد ملكه، الى ان ملك الاسكندر، فخرج الملك عنه، فصار في المقاول. قالوا، وفي ذلك العصر نشا النضر بن كنانه.
دارا والروم
قالوا: وان دارا بن بهمن لما ملك تجهز غازيا الى ارض الروم، فسار حتى اوغل في ارضهم، فخرج اليه الفيلفوس ملك الروم في جنوده، فالتقوا،
_________________
(١) التبت: سطح مرتفع في آسيا الوسطى تقع بين خطى عرض ٢٧ درجه، ٣٧ درجه شمالا، وبين خطى طول ٧٦ درجه ٩٦ درجه شرقا، وعاصمتها لهاسه.
[ ٢٨ ]
فاقتتلوا، فكان الظفر لدارا، فصالحه الفيلفوس على اتاوه يؤديها اليه كل عام، وهي مائه الف بيضه ذهب، في كل بيضه اربعون مثقالا [١]، وتزوج ابنته، ثم انصرف الى فارس.
ملك داريوش
فلما تم لدارا اثنتا عشره سنه في الملك حضرته الوفاة، فاسند الملك الى ابنه دارا بن دارا، وهو الذى يعرف بداريوش، مقارع الاسكندر، فلما افضى الملك الى دارا بن دارا تجبر، واستكبر، وطغى. وكانت نسخه كتبه الى عماله: من دارا بن دارا المضيء لأهل مملكته كالشمس الى فلان. وكان عظيم السلطان، كثير الجنود، لم يبق في عصره ملك من ملوك الارض الا بخع له بالطاعة، واتقاه بالاتاوه.
نشاه الاسكندر
ونشا الاسكندر، وقد اختلف العلماء في نسبه، فاما اهل فارس فيزعمون انه لم يكن ابن الفيلفوس، ولكن كان ابن ابنته، وان أباه دارا بن بهمن.
قالوا: وذلك ان دارا بن بهمن لما غزا ارض الروم صالح الفيلفوس ملك الروم على الاتاوه، فخطب اليه دارا ابنته، وحملها بعد تزويجها اياه الى وطنه، فلما اراد مباشرتها وجد منها ذفرا [٢]، فعافها، وردها الى قيمه نسائه، وامرها ان تحتال لذلك الذفر، فعالجتها القيمه بحشيشه، تسمى السندر، فذهب عنها بعض تلك الرائحة، ودعا بها دارا، فوجد منها رائحه السندر، فقال: آل سندر.
اى ما أشد رائحه السندر، وآل، كلمه في لغة فارس يراد بها الشده، وواقعها، فعلقت منه، ونبا قلبه عنها لتلك الذفره التي كانت بها، فردها الى أبيها
_________________
(١) المثقال: درهم وثلاثة اسباع الدرهم.
(٢) الذفر: الريح النتنه الكريهة.
[ ٢٩ ]