قالوا: وان خالد بن جبله الغساني غزا النعمان بن المنذر، وهو المنذر الأخير، وكانا منذرين، ونعمانين، فالمنذر الاول هو الذى قام بأمر بهرام جور، والمنذر الثانى الذى كان في زمان كسرى انوشروان، وكانوا عمال كسرى على تخوم ارض العرب، فقتل من اصحاب المنذر مقتله عظيمه، واستاق ابل المنذر وخيله، فكتب المنذر الى كسرى انوشروان يخبره بما ارتكب منه خالد بن جبله.
فكتب كسرى الى قيصر: ان يأمر خالدا باقاده المنذر ومن [٥] قتل من اصحابه، ورد ما أخذ من أمواله، فلم يحفل قيصر بكتابه، فتجهز كسرى لمحاربته، فسار حتى اوغل في بلاد الجزيرة، وكانت إذ ذاك في يد الروم، فاحتوى على مدينه
_________________
(١) زابلستان: خطه واقعه جنوب افغانستان وشمال بلوجستان، وكانت محاطه بكابلستان وخراسان وسيستان وسند، ومن مدنها غزنه، وهي إقليم جميل كثير المياه، واهله مشهورون بالشجاعة.
(٢) مدينه بالقرب من فرغانه، وتقع على مجرى نهر سيحون.
(٣) قريه على ثلاثة فراسخ من جرجان، تقع على جبل، وهي مسقط راس تيمور لنك.
(٤) نسف: مدينه كبيره بين جيحون وسمرقند، لها اربعه أبواب، وهي على مدرج بخارى وبلخ، والجبال منها على مرحلتين فيما يلى كش، وبينها وبين جيحون مفازة لا جبل فيها، ولها نهر واحد يجرى في وسط المدينة.
(٥) في الأصل: ما.
[ ٦٨ ]
دارا [١] ومدينه الرها [٢] ومدينه قنسرين [٣] ومدينه منبج [٤] ومدينه حلب حتى انتهى الى أنطاكية، فأخذها، وكانت اعظم مدينه في الشام والجزيرة، وسبى اهل أنطاكية، وحملهم الى العراق، وامر، فبنيت لهم مدينه الى جانب طيسفون، على بناء مدينه أنطاكية، بازقتها، وشوارعها، ودورها، لا يغادر منها شيئا، وسماها زبر خسرو وهي المدينة التي الى جانب المدائن، تسمى الرومية، ثم سرحوا فيها، فانطلق كل انسان منها الى مثل داره بمدينه أنطاكية، وولى القيام بامرهم رجلا من نصارى الاهواز، يقال له يزدفنا.
وان قيصر كتب الى كسرى يسأله الصلح، ورد ما احتوى عليه من هذه المدن، على ان يؤدى اليه ضريبه موظفه عليه في كل عام وكره كسرى البغى، فأجابه الى ما بذل، ووكل بقبضه وتوجيهه اليه في كل عام شروين الدستباى، فأقام مع ملك الروم هناك ومعه خزين مملوكه المشهور الخبر، وكان نجدا فارسا بطلا.
ولما قفل كسرى منصرفا من ارض الشام اصابه مرض شديد، فمال الى مدينه حمص، فأقام بها في جنوده الى ان تماثل، فكان قيصر يحمل اليه كفاية عسكره الى ان شخص.
قالوا: وكان لكسرى انوشروان ابن يسمى انوش زاذ، كانت أمه نصرانية، ذات جمال، وكان كسرى معجبا بها، وأرادها على ترك النصرانية والدخول
_________________
(١) كان موقعها في ارض الجزيرة بين نصيبين وماردين، ويقال انها بنيت بعد غلبه دارا على الاسكندر، وقد فتحها الروم واتخذوها مركزا هاما ضد الايران، ويذكر ابن بطوطه في رحلته انه رآها، وهي تحوى منازل بيضاء وبها قلعه ويوجد بجوار خرابها وآثارها اليوم قريه صغيره.
(٢) مدينه ذات مياه جاريه كثيره، تقع على بعد ١٩٠ ك. م شمال شرقى حلب، ١٤٥ ك. م جنوب غرب ديار بكر.
(٣) مدينه قديمه على بعد ٢٥ ك. م. جنوب غربي الشام، وقد فتحت على يد ابى عبيده الجراح سنه ١٧ هـ، وخربت ايام سيف الدولة بن حمدان في القرن الرابع.
(٤) مدينه في الإقليم الشمالي سوريا شمال شرقى حلب، حكمها الشاعر ابو فراس الحمدانى، وفيها اسره الروم.
[ ٦٩ ]
في المجوسية، فابت، فورث ذلك منها ابنها انوش زاذ، وخالف أباه في الديانه، فغضب عليه، وامر بحبسه في مدينه جنديسابور.
فلما غزا كسرى بلاد الشام بلغ انوش زاذ مرضه ومقامه بحمص، استغوى اهل الحبس، وبث رسله في نصارى جنديسابور، وسائر كور الاهواز، وكسر السجن، وخرج، واجتمع اليه أولئك النصارى، فطرد عمال ابيه من كور الاهواز، واحتوى على الأموال، واشاع بموت ابيه، وتهيأ للمسير نحو العراق. وكتب خليفته بمدينه طيسفون يعلمه خبر ابنه، وما خرج اليه، فكتب اليه كسرى: وجه اليه الجنود، واكمش في حربه، واحتل لأخذه، فان يأت القضاء عليه، فيقتل، فأهون دم، واضيع نفس، واللبيب يعلم ان الدنيا لا يخلص صفوها، ولا يدوم عفوها، ولو كان شيء يسلم من شائبه اذن لكان الغيث الذى يحيى الارض الميته، ولكان النهار الذى ياتى الناس رقودا فيبعهم، وعميا فيضيء لهم، فكم مع ذلك من متأذ بالغيث ومتداع عليه من البنيان، وكم في سيوله وبروقه من هالك، وكم في هواجر النهار من ضرر وفساد، فاستاصل الثؤلول [١] الذى نجم بحدك، ولا يهولنك كثره القوم، فليست لهم شوكه تبقى، وكيف تبقى النصارى وفي دينهم: ان الرجل منهم ان لطم خده الأيسر امكن من الأيمن؟!، فان استسلم انوش زاذ واصحابه فرد من كان منهم في المحابس الى محابسهم، ولا تزدهم على ما كانوا فيه من ضيق ونقص المطعم والملبس، ومن كان منهم من الأساورة [٢] فاضرب عنقه، ولا يكن منك عليهم رافه، ومن كان منهم من سفل الناس واوغادهم، فخل سبيلهم، ولا تعرض لهم، وقد فهمت ما ذكرت مما كان منك في نكال القوم الذين أظهروا شتم انوش زاذ، وذكروا أمه، فاعلم ان أولئك ذوو احقاد كامنه وعداوة باطنه، فجعلوا شتم
_________________
(١) الثؤلول بالضم: حلمه الثدى، وقد استعير للدلالة على ضالة الشان وصغر الهمه.
(٢) القاده والرماه.
[ ٧٠ ]
انوش زاذ ذريعه لشتمنا، ومرقاه الى ذكرنا، وقد وفقت في تأديبك إياهم، فلا ترخص لأحد في مثل مقالتهم، والسلام.
ثم ان كسرى عوفى من مرضه، فانصرف في جنوده الى دار ملكه، وقد أخذ ابنه انوش زاذ أسيرا، وانتهى فيه الى ما امر به.