ثم هلك الاسكندر ببيت المقدس، وقد ملك ثلاثين سنه، جال الارض منها أربعا وعشرين سنه، واقام بالإسكندرية في مبتدإ امره ثلاث سنين، وبالشام عند انصرافه ثلاث سنين، فجعل في تابوت من ذهب، وحمل الى الاسكندرية.
وبنى الاسكندر [١] اثنتى عشره مدينه، الإسكندرية بأرض مصر، ومدينه نجران بأرض العرب، ومدينه مرو بأرض خراسان، ومدينه جى بأرض أصبهان، ومدينه على شاطئ البحر تدعى صيدودا، ومدينه بأرض الهند تدعى جروين، ومدينه بأرض الصين تدعى قرنيه، وسائر ذلك بأرض الروم.
قالوا: ولما توفى الاسكندر حمى كل رجل من أولئك الذين ملكهم حيزه [٢]، ودفعوا الحرب، فلم يكن يغلب احدهم صاحبه الا بالحكمه والآداب، يتراسلون بالمسائل، فان أصاب المسئول حمل اليه السائل، وان بغى احد منهم على الآخر، وانتقصه شيئا من حيزه أنكروا جميعا ذلك عليه، فان تمادى اجمعوا على حربه، فسموا بذلك ملوك الطوائف.
ملوك اليمن
وزعموا ان الملوك الأربعة [٣]، الذين لعنهم النبي ص، ولعن أختهم ابضعه، لما هموا بنقل الحجر الأسود الى صنعاء ليقطعوا حج العرب عن البيت الحرام الى صنعاء، وتوجهوا لذلك الى مكة، فاجتمعت كنانه الى فهر بن مالك ابن النضر، فلقيهم، فقاتلهم، فقتل ابن لفهر، يسمى الحارثة، لم يعقب،
_________________
(١) بياض في الأصل.
(٢) نواحي بلاده.
(٣) ملوك كنده.
[ ٣٩ ]
وقتل من الملوك الأربعة ثلاثة، واسر الرابع، فلم يزل مأسورا عند فهر بن مالك حتى مات.
واما ابضعه، فهى التي يقال لها العنقفير، ملكت بعد إخوتها باخبث سيره، كانت تتخير الرجال على عينها، فمن أعجبها دعته الى نفسها، فوقع بها، لا يقدر احد ان ينكر عليها، وانها ابصرت فتى من قيس، فأعجبها، فدعته الى نفسها، فوقع بها، فالقحها غلامين في بطن، فسمت أحدهما سهلا، والآخر عوفا، وفي ذلك يقول شاعر من شعراء قيس:
وذي تومه في اذنه وضفيرة وسيم جميل لا يخيل مخايله
إذا ما رأته قيلة حميرية تجر له حبل الشموس تهازله
قالوا: وكان ذو الشنائر ملك عنس ويحاير [١]، وكان عظيم الملك، كثير الجنود، وكان ملكه على عمان، والبحرين، واليمامه، وسواحل البحر.
ملك اردوان بن اشه
قالوا: ولم يكن في ملوك الطوائف الذين كانوا بأرض العجم ملك اعظم ملكا، ولا اكثر جنودا من اردوان بن اشه بن اشغان ملك الجبل، كان اليه الماهان وهمذان، وماسبذان، ومهرجانقذق، وحلوان [٢]، وسائر الملوك انما كان يكون الى الرجل منهم كوره واحده وبلد واحد. وكان الملك منهم إذا مات قام بالملك بعده ابنه او حميمه، وكان جميع ملوك الطوائف يقرون لاردوان ملك الجبل بفضله، لاختصاص الاسكندر اياه دونهم بفضل الملك، وكان مسكنه بمدينه نهاوند [٣] العتيقة.
قالوا: وفي ذلك العصر بعث المسيح عيسى بن مريم ع.
_________________
(١) قبيلتان يمنيتان.
(٢) مدن بأرض فارس، وبالعراق العجمي.
(٣) بلد من بلاد الجبل، جنوبى همذان.
[ ٤٠ ]
اسعد بن عمرو
قالوا: وان اسعد بن عمرو بن ربيعه بن مالك بن صبح بن عبد الله بن زيد بن ياسر ينعم الملك الذى ملك بعد سليمان بن داود، ص [١]، لما نشا وبلغ، انف من ابتزاز قبائل ولد كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب الملك حمير، وكان الملك لهم، وفي عصرهم، فجمع اليه حمير، وذلك بعد ان ملكت المقاول بأرض اليمن، فكانوا سبعه ملوك، توارثوا الملك مائتين وخمسين سنه، فسار الى ملك همذان، فحاربه، فظفر به، ثم سار الى ملك عنس ويحاير، ففعل به مثل ذلك، واتى ملك كنده، واعطى الظفر حتى اجتمع له ملك جميع ارض اليمن.
فلما اجتمع لاسعد الملك وجه ابن عمه القيطون بن سعد الى تهامه والحجاز، وجعله ملكا عليها، فنزل يثرب، فاعتدى وتجبر، حتى امر ان لا تهدى امراه الى زوجها حتى يبدءوه بها، وسلك في ذلك مسلك عمليق، ملك طسم وجديس، الى ان زوجت اخت لمالك بن العجلان من الرضاعه، فلما أرادوا ان يذهبوا بها الى القيطون اندس معها مالك بن العجلان متنكرا، فلما خلاله البيت عدا عليه بسيفه، فقتله، وعدوا على اصحابه، فقتلوا اجمعين، وبلغ ذلك اسعد الملك، فسار اليهم، فنزل بالمدينة على نهر يسمى، بئر الملك، فكان من قصته ما هو مشهور، قد كتبناه في غير هذا الموضع.
بعثه عيسى الرسول
قالوا: ولما ابتعث الله عيسى بن مريم، فاقبلت اليهود لتقتله، فرفعه الله اليه، أتوا يحيى بن زكرياء، فقتلوه، فسلط الله عليهم ملكا من ملوك الطوائف من ولد بخت نصر الاول [٢]، فقتل بنى إسرائيل، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ.
_________________
(١) كذا في الأصل.
(٢) بخت نصر هو ملك الكلدانيين، وقد ملك عرش بابل من ٧٤٧- ٧٣٣ ق. م، ويبدأ به تقويم بطلميوس، ويذكر البيرونى ان الصيغه الفارسيه لاسم بخت نصر هي بخت نرس، ومعناها كثره البكاء والأنين.
[ ٤١ ]
أردشير بن بابك
قالوا: فلما تم لملوك الطوائف مائتا سنه، وست وستون سنه ظهر أردشير ابن بابكان، وهو أردشير بن بابك بن ساسان الاصغر بن فافك بن مهريس ابن ساسان الاكبر بن بهمن الملك بن اسفندياذ بن بشتاسف، فظهر بمدينه اصطخر، فدب في رد ملك فارس في نصابه، واتسقت له الأمور، فلم يزل يغلب ملكا، ويقتل ملكا، ويحتوى على ما تحت يده، حتى انتهى الى فرخان ملك الجبل، وكان آخر ملك من ولد اردوان، فكتب اليه أردشير، بالدخول في طاعته، فلما أتاه كتابه امتلا غيظا، وقال لرسله: لقد ارتقى ابن ساسان الراعى مرتقى وعرا، ولم يحفل به، وكتب اليه: ان الميعاد بيني وبينك صحراء الهرمزدجان في سلخ مهر ماه [١]، فسبق أردشير الى المكان، فوافاه فرخان في سلخ مهر ماه، فاقتتلوا، فقتله أردشير، وسار من فوره حتى ورد مدينه نهاوند، فنزل قصر الفرخان، فأقام شهرا، ثم سار الى الري، ثم الى خراسان، لا ياتى حيزا الا أذعن له ملكه بالطاعة، ثم سار الى سجستان، ثم الى كرمان [٢]، ثم سار الى فارس [٣]، فنزل مدينه اصطخر، فأقام حولا، ثم سار نحو العراق، فتلقاه من كان بها من ملوك الطوائف بالاهواز، فقاتلهم، فقتلهم،
_________________
(١) شهر من شهور السنه الشمسيه الجلالية، ووقته من ٢١ سبتمتر الى ٢١ اكتوبر.
(٢) كرمان: ولايه مشهوره وناحيه كبيره معمورة ذات بلاد وقرى ومدن واسعه بين فارس وسجستان وخراسان.
(٣) فارس: إيالة من إيالات ايران، وهي أكثرها عماره، يحدها من الجنوب الغربي بحر فارس ومن الغرب ومن الشمال عراق العجم ومن الشرق والجنوب الشرقى إيالة كرمان، وقد كانت فارس مركزا للدولة الايرانيه القديمه، ثم اصبحت عاصمه لدولة الكيانية منذ عهد كيخسرو، وبعد فتوح الاسكندر فقدت فارس مركزها كعاصمه، ولكنها عادت ثانيه الى مركزها الاول بعد تأسيس الدولة الساسانيه، إذ اختار أردشير مؤسس الدولة الساسانيه مدينه اصطخر، وهي عاصمه فارس، عاصمه له ولدولته. وقد فتح المسلمون فارس ايام عمر بن الخطاب، واستمرت فتوحاتهم بها الى عهد عثمان بن عفان، ولما أصيبت مدينه اصطخر بالخراب، صارت عاصمه فارس مدينه شيروز الى ان انتقلت العاصمة الى مدينه طهران.
[ ٤٢ ]
ثم سار حتى عسكر بموضع المدائن اليوم، فاختطها، وبناها، فلما استوثق له الملك دعا بابنه أخ الفرخان، التي أخذها من قصر الفرخان بنهاوند،، وكانت ذات جمال ولب، وقد كان افضى إليها، وسالها من نسبها، فاخبرته، فقال لها: قد اسات حين أعلمتني، لانى اعطيت الله عهدا، ان أظهرني الله بالفرخان الا ادع من اهل بيته أحدا، ثم دعا ابرسام وزيره، فقال: انطلق بهذه الجاريه فاقتلها.
فاخذ ابر سام بيد الجاريه، فأخرجها لينفذ فيها امره، فلما خرجت قالت لابرسام: انى حامل لاشهر، فلما قالت له ذلك انطلق بها الى منزله، وامر بالإحسان إليها، وقال لاردشير: قد قتلتها.
وزعموا انه جب نفسه [١]، وأخذ مذاكيره، فجعلها في حق [٢] وختم عليه، واتى به أردشير، وساله ان يأمر بعض ثقاته باحرازه، فانه سيحتاج اليه يوما، فامر أردشير بالحق، فاحرز.
ثم ان الجاريه ولدت غلاما كاجمل ما يكون من الغلمان، وهو سابور بن أردشير الذى ملك بعده، وان أردشير اقام بالعراق حولا، ثم سار الى الموصل، فقتل ملكها، ثم انصرف، وجعل يسير، فسار الى عمان والبحرين واليمامه، فخرج اليه سنطرق ملك البحرين، فحاربه، فقتله أردشير، وامر بمدينته، فاخربت.
قالوا: وان ابرسام دخل على أردشير يوما، وهو مستخل وحده، مفكر مهموم، فقال: ايها الملك، عمرك الله، ما لي أراك مهموما حزينا، وقد أعطاك الله امنيتك، ورد الله إليك ملك آبائك، فأنت اليوم شاهان شاه.
قال أردشير: ذاك الذى أحزنني، انى قد استحوذت على الارض، ودان لي جميع الملوك، وليس لي ولد، يرث ملكي الذى انصبت فيه نفسي. فلما سمع
_________________
(١) استأصل خصيتيه.
(٢) الحق والحقه بالضم: وعاء من خشب، والجمع حقق واحقاق.
[ ٤٣ ]
ذلك ابرسام قال في نفسه: هذا وقت اظهار امر تلك المرأة الاشغانيه، وقد كان اتى على ابنها خمس سنين، فقال: ايها الملك، انى كنت استودعتك يوم أمرتني بقتل المرأة الاشغانيه حقا مختوما، وقد احتجت اليه، فمر باخراجه، فامر به أردشير، فاخرج اليه، ففتحه، وأراه أردشير، فإذا فيه مذاكيره، قد يبست في جوف الحق.
فقال له أردشير: ما هذا؟ فاخبره الخبر، واعلمه حال الغلام، ففرح أردشير بذلك، ثم قال لابرسام: ائتنى بالغلام، واجعله ما بين مائه غلام من اقرانه، ففعل ابرسام ذلك.
فلما ادخلهم عليه تأملهم غلاما غلاما، حتى إذا بلغ الى سابور راى تشابه ما بينه وبينه، فتحرك له قلبه، فامسك نفسه، ولم يكلمه، وامر بان يعطى الغلمان جميعا صوالجه [١]، ويطرح لهم كره في الرحبه ليلعبوا بين يديه مقابل الإيوان، وقال لابرسام: احتل ان تقع الكره عندي في الإيوان، ففعل.
ووقعت الكره على بساطه، فوقف جميع أولئك الغلمان على باب الإيوان، ولم يجترئ واحد منهم ان يدخل، فيتناول الكره من بين يديه الا الغلام، فانه اقتحم من بينهم على ابيه، فتناول الكره من بين يديه.
فلما راى ذلك أردشير مد يده، فتناول الغلام، وضمه اليه، وقبله، وامر به وبامه ان ترد اليه، وهو سابور الذى ملك بعده، واكرم ابرسام، واقطعه القطائع الكثيره، وامر بان تصور صوره ابرسام على الدراهم والبسط حتى انقضى ملكهم.
قالوا: وفي ملك أردشير بعث الله عيسى ع، ويزعمون انه بعث بأحد حوارييه الى أردشير، وانه جاء الى مدينه طيسفون، فنزل على ابرسام
_________________
(١) جمع صولجان: وهو العصا معقوفه الراس مثل المضرب تقذف به الكره، وكان ملوك الفرس يتخذونه من الذهب شعارا لهم.
[ ٤٤ ]
فكان إذا امسى استسرج له سراج، فيصلى طول ليله، ويتلو الانجيل، فسأله ابرسام عن قصته ودينه، فاخبره انه رسول المسيح عيسى بن مريم، فأفضى ابرسام الخبر الى أردشير، فدعا به، فنظر الى سمته وهدوئه، وأراه الشيخ آيات من آيات المسيح، فلم يبعد عند أردشير، ولا هاجه بسوء.
ملك الموصل وجرجيس
قالوا: وفي زمان ملوك الطوائف كانت قصه جرجيس، واتيانه ملك الموصل، وكان جبارا متمردا، يعبد الأصنام، ويحمل الناس على عبادتها، وكان جرجيس من اهل الجزيرة، وكان من امره وامر ذلك الملك ما قد أتت به الاخبار.
وكان أردشير هو الذى اكمل آيين [١] الملوك ورتب المراتب، واحكم السير، وتفقد صغير الأمر وكبيره، حتى وضع كل شيء من ذلك على موضعه، وعهد عهده المعروف الى الملوك، فكانوا يمتثلونه، ويلزمونه، ويتبركون بحفظه والعمل به، ويجعلونه درسهم ونصب اعينهم، وبنى من المدن ست مدائن، منها بأرض فارس مدينه أردشير خره، ومدينه رام أردشير ومدينه هرمزدان أردشير، وهي قصده الاهواز، ومدينه استاذ أردشير، وهي كرخ ميسان، ومدينه فوران أردشير، وهي التي بالبحرين، ومدينه بالموصل، تسمى خرزاد أردشير.
ملكيكرب ملك اليمن
قالوا: وملك بعد اسعد ملك اليمن، الذى كسا البيت ونحر عنده وطاف به وعظمه ابن عمه ملكيكرب بن عمرو بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو ذي الاذعار، فملك عشرين سنه لا يبرح بيته، ولا يغزو كما كانت الملوك قبله تفعله تحرجا من الدماء.
_________________
(١) آيين الملوك: دستورهم ونظامهم.
[ ٤٥ ]
ملك التبابعه
ثم ملك بعده ابنه تبع بن ملكيكرب، وهو تبع الأخير، وكانت التبابعه ثلاثة، اولهم: شمر ابو كرب الذى غزا الصين، واخرب مدينه سمرقند، والثانى تبع اسعد الذى ذبح للبيت الحرام الذبائح، وعلق عليه باب ذهب، والثالث تبع بن ملكيكرب، ولم يسم غير هؤلاء الثلاثة من ملوك اليمن تبعا، وكان تبع هذا الأخير في عصر سابور بن أردشير، وفي عصر هرمز بن سابور، وكان تبع بن ملكيكرب كبير الشان عظيم السلطان، وهو الذى غزا بلاد الهند، فقتل ملكها، وهو من اولاد فؤر الملك الذى قتله الاسكندر، ثم انصرف الى اليمن، ومات في ملك بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير.
ثم ملك من بعد تبع ابنه حسان بن تبع بن ملكيكرب، وهو الذى غزا ارض فارس فيما يزعمون، وهو الذى ضجرت الحميرية لكثرة غزوه بها، وقله مقامه بأرض اليمن، فزينوا لأخيه عمرو بن تبع قتله ليملكوه عليهم، فطابقوه جميعا على ذلك الا ذارعين فانه ابى ذلك، ولم يدخل فيه مع القوم، فعدا عمرو على أخيه، فقتله، وملك من بعده، وانصرف بقومه الى اليمن، فسلط الله عليهم السهر.
سابور
فلما ملك سابور بن أردشير غزا ارض الروم، فافتتح مدينه قالوقيه، ومدينه قبدوقيه، واثخن في الروم، ثم انصرف الى العراق، وسار الى ارض الاهواز ليرتاد مكانا يبنى فيه مدينه، يسكنها السبى الذى قدم بهم من ارض الروم، فبنى مدينه جنديسابور، واسمها بالخوزيه نيلاط، وأهلها يسمونها نيلاب، فكان سابور قد اسر اليريانوس خليفه صاحب الروم، فأمره ببناء قنطره على نهر تستر على ان يخليه، فوجه اليه ملك الروم ناسا من ارض الروم والأموال، فبناها، فلما فرغ منها اعتقه.
[ ٤٦ ]
مانى
وفي زمان سابور ظهر مانى الزنديق [١]، واغوى الناس، ومات سابور قبل ان يظفر به، وملك سابور احدى وثلاثين سنه.
هرمز
وافضى الملك بعده الى ابنه هرمز بن سابور، فاخذ مانى، فامر به، فسلخ جلده، وحشاه بالتبن، وعلقه على باب مدينه جنديسابور، فهو الى اليوم يدعى باب مانى، وتتبع اصحابه ومن استجاب له، فقتلهم جميعا، فملك ثلاثين سنه.
اولاد هرمز
واسند الملك الى ابنه بهرام بن هرمز، فملك سبع عشره سنه، ثم ملك ابنه بهرام بن بهرام، ثم ملك ابنه نرسى بن بهرام بن بهرام، فملك سبع سنين، ومات. فملك ابنه هرمزدان بن نرسى، فملك سبع سنين، ومات، ولم يكن له ولد يرثه الملك، غير ان امراته كانت حاملا لاشهر، فامر بالتاج، فوضع على بطنها، وتقدم الى عظماء اهل فارس الا يملكوا عليهم أحدا حتى ينظروا ما يولد له، فان كان ذكرا سموه سابور، وأقروه على الملك، ووكلوا به من يحضنه، ويقوم بأمر الملك الى إدراكه، وان كان أنثى اختاروا رجلا لأنفسهم من اهل بيته، فملكوه عليهم، فولدت المرأة ذكرا، وسموه سابور، وهو المنبوز [٢] بذى الاكتاف.
_________________
(١) ولد حوالى سنه ٢٤٠ م، وادعى انه النبي الموعود الذى جاء اسمه في ياراقليت، ودعا الناس الى مذهب جديد بين المسيحيه والزردشت، وقد قتل بأمر الملك بهرام سنه ٢٧٤ م، ويطلق عليه بعض المؤرخين اسم مانى النقاش، وقد زعم مانى ان العالم مصنوع من اصلين: أحدهما نور، والآخر ظلمه، وهما أزليان.
(٢) النبز بالتحريك: اللقب.
[ ٤٧ ]
سابور ذو الاكتاف
فشاع لما مات هرمزدان في اطراف الارضين انه ليس لارض فارس ملك، وانهم يلوذون بصبى في مهد، فطمعوا في مملكه فارس، فورد جمع عظيم من الاعراب من ناحيه البحرين وكاظمه [١] الى ابرشهر وسواحل أردشير خره، فشنوا بها الغارة، واتى بعض ملوك غسان على الجزيرة في جموع عظيمه حتى اغار على السواد، فمكثت مملكه فارس حينا لا يمتنعون من عدو لوهى امر الملك.
فلما ترعرع الغلام كان أول ما ظهر من حزمه انه استيقظ ليله وهو نائم في قصره بمدينه طيسفون بضوضاء الناس لازدحامهم على جسر دجلة مقبلين ومدبرين، فقال: ما هذه الضوضاء؟، فاخبر، فقال: ليعقد لهم جسر آخر، يكون أحدهما لمن يقبل، والآخر لمن يدبر، ففعلوا، وتباشروا بما ظهر من فطنته مع طفوليته.
فلما أتت له خمس عشره سنه تجرد لضبط الملك، ونفى العدو عنه، فتأهب، وسار الى ابرشهر، فطرد من كان صار إليها من الاعراب، وقتلهم اخبث قتله.
وكذلك فعل بالجزيرة، فصار الى الضيزن الغساني، فحاصره في مدينته التي على شاطئ الفرات مما يلى الرقة [٢]، فزعموا ان ابنه الضيزن، واسمها مليكه، وزعموا ان أمها عمه سابور دختنوس ابنه نرسى، وان الضيزن كان سباها لما اغار على مدينه طيسفون، فاشرفت مليكه على عسكر سابور، وهو محاصر لأبيها، فرات سابور، فعشقته، فراسلته، على ان تدله على عوره أبيها، على ان يتزوجها، فوعدها سابور ذلك، ففعلت.
_________________
(١) موضع على البحر بينه وبين البصره مرحلتان.
(٢) اسم بلد، ومعناه كل ارض الى جنب واد ينبسط فيها الماء ايام المد، ثم ينحسر عنها فتعد للنبات.
[ ٤٨ ]
فاسكرت بالحص [١] حرس احد الأبواب حتى ناموا، وامرت بفتح الباب، فدخل سابور وجنوده، فاخذ الضيزن، فقتله، وخلع اكتاف اصحابه، وخلاهم، وكذا كان يفعل بمن اسر من الأعداء، فبذلك سمى ذا الاكتاف.
ووفى لابنته بما وعدها، ثم قتلها بعد: ربطها بين فرسين، واجراهما، فقطعاها، وقال لها: أنت إذا لم تصلحى لأبيك لا تصلحين لي.
وامر سابور فبنيت له مدينه الأنبار [٢]، وسماها فيروز سابور، وكورها كوره، وبنى بالسوس [٣] مدينه، وهي التي الى جانب الحصن، الذى يسمى سادانيال الذى كان فيه جسد دانيال ع.
الروم وسابور
قالوا: وكان ملك الروم في ذلك العصر مانوس وكان يدين فيما ذكروا قبل ان يملك دين النصرانية، فلما ملك اظهر مله الروم الاولى، وأحياها، وامر بتحريق الانجيل، وهدم البيع، وقتل الأساقفة، فلما قتل سابور الضيزن الغساني غضب لذلك، فجمع من كان بالشام من غسان، واقبل فيهم، ومعه جيوش الروم، حتى ورد العراق.
ووجه سابور عيونا ليأتوه بخبرهم، فانصرف اليه عيونه، وقد اختلفوا عليه، فخرج ليلا في ثلاثين فرسا، ليشرف على عسكر الروم، وقدم امامه عشره منهم، فاخذتهم الروم، فاتوا بهم اليوبيانوس خليفه الملك وابن عمه، فسألهم عن امرهم، وتوعدهم القتل، فقام اليه رجل منهم مسرا عن اصحابه، فقال له: ان سابور منك بالقرب، فضم الى خيلا حتى آتيك به أسيرا.
_________________
(١) يقال إنه الزعفران.
(٢) مدينه قرب بلخ، وهي قصبه ناحيه جوزجان.
(٣) مدينه في ايران، وقد فتحها العرب سنه ٦٣٨ م، وظلت مزدهره على ايامهم، ثم خربت في القرون الوسطى.
[ ٤٩ ]
وكانت بين اليوبيانوس وسابور موده وخله، فأرسل الى سابور ينذره، فانصرف راجعا، وسار الملك الرومي الى باب مدينه طيسفون، وخرج اليه سابور في جنوده، فهزمه الرومي حتى بلغوا قنطره جازر، واحتوى الرومي على مدينه طيسفون، ولم يقدروا على القصر لحصانته، ومن فيه من الحماه عنه، وثاب الناس الى سابور، فزحف الى جمع الروم، فنحاهم عن المدينة، وعسكر ببابها، وراسل ملك الروم، فبينما هم في ذلك إذ اتى ملك الروم سهم عائر، وهو في مضربه، وحوله بطارقته، فأصاب مقتله، فسقط في أيدي الروم لمكانهم الذى هم به، واشراف عدوهم عليهم، فطلبوا الى اليوبيانوس ان يتملك عليهم، فأبى، وقال: لست اتملك على قوم مخالفين لي في ديني، لانى على دين النصرانية، وأنتم على دين الروم الاول، فقال له البطارقه والعظماء: فانا نحن جميعا على مثل ما أنتم عليه، غير انا كنا نكاتم بذلك خوفا من الملك، فتملك عليهم اليوبيانوس، ولبس التاج.
وبلغ سابور امرهم، فأرسل اليهم: اصبحتم اليوم في قبضتي وقدرتي، ولأقتلنكم بمكانكم هذا جوعا وهزلا، فاجمع اليوبيانوس على اتيان سابور، لما كان بينهم من المودة، فأبى عليه البطارقه والرؤساء، فخالفهم، وأتاه، فعرف له سابور يده عنده في إنذاره اياه تلك الليلة وجعل له اليوبيانوس نصيبين [١]، وحيزها عوضا مما افسدت الروم من مملكته، وكتب له بذلك.
وبلغ اهل نصيبين ذلك، فانتقلوا عنها ضنا بالنصرانية، وكراهية لتمليك الفرس عليهم، فنقل سابور إليها اثنى عشر الف اهل بيت من اصطخر، فأسكنهم فيها، فعقبهم بها الى اليوم، وانصرفت الروم الى أرضها، فلما تم لسابور اثنتان وسبعون سنه حضره الموت، فجعل الأمر من بعده لابنه سابور بن سابور.
فلما تم لملكه خمس سنين خرج يوما متصيدا، فنزل بمكان، وضربت
_________________
(١) انظر الخريطة، وهي مدينه فيما بين النهرين، وقد اشتهرت قديما بمدرستها السريانية.
[ ٥٠ ]
قبته، فجلس فيها، فاقبل قوم من الفتاك ليلا، فقطعوا اطناب [١] القبه، فسقطت عليه، فمات.
بهرام بن سابور
فملك بعده ابنه بهرام بن سابور، وكان على كرمان [٢]، فلما قتل أبوه قدم، فقام بالملك، فلما تم لملكه ثلاث عشره سنه خرج يوما متصيدا، فرمى بنشابه [٣]، فاصابته، فلما احس بالموت اوصى الى ابن أخيه يزدجرد بن سابور ابن سابور، وكان اصغر سنا منه.
يزدجرد بن سابور
فقام بالملك بعده، وهو يزدجرد الذى يلقب بالاثيم، وكان غلقا سيئ الخلق، لا يكافئ على حسن بلاء، وكان منانا، لا يتجاوز عن زله وان صغرت، ويعاقب على الصغيره كما يعاقب على الكبيره، وما كان احد يقدر على كلامه لفظاظته وغلظته، الا ان وزراءه كانوا أخيارا مترفقين متعاونين.
فولد له بهرام الذى يقال له بهرام جور، فدفعه الى المنذر ابى النعمان ليحضنه، فسار المنذر ببهرام الى الحيرة [٤] وكانت داره واختار له المنذر المراضع، واحسن حضانته، فلما بلغ التأديب بعث اليه أبوه بمؤدبين من الفرس، واحضره المنذر مؤدبين من العرب، فاحكم الادبين، وكمل فيهما، ونشا نشا محمودا، وبرع في الأدب والفروسية، وخرج عاقلا لبيبا جميلا بهيا،
_________________
(١) اطناب جمع طنب بضمتين، وهو حبل طويل يشد به السرادق والقباب.
(٢) إقليم بين فارس وسجستان.
(٣) النشاب هو النبل.
(٤) الحيرة: مدينه كبيره بعراق العرب على الضفة اليمنى لنهر الفرات، يقال ان الذى بناها هو بخت نصر، وجددت في عهد الاسكندر، وقد ظلت الحيرة عاصمه لدولة عربية قبل الفتح الإسلامي، وفي عهد الامام على بن ابى طالب بنى بجوارها مدينه الكوفه واتخذت مقرا للخلافة الإسلامية، وبقيت الحيرة خرابا الى ان عثر فيها على قبر على المرتضى، فعادت إليها حياتها قريه صغيره، وتعرف الحيرة اليوم باسمى نجف، ومشهد، وتقع على بعد ٧٧ ك. م جنوب شرقى كربلاء.
[ ٥١ ]
ومكنه المنذر من اللهو والقيان، فكان يركب النجائب، وتركب وراءه الصناجات [١] يلهينه ويطربنه، وتجرد لطرد الوحش على تلك الحال، فضرب به المثل، فتوه ورخاء بال.
مقتل عمرو بن تبع
قالوا: ولما قتل عمرو بن تبع أخاه حسان بن تبع واشراف قومه تضعضع امر الحميرية، فوثب رجل منهم لم يكن من اهل بيت الملك يقال له صهبان ابن ذي خرب على عمرو بن تبع، فقتله، واستولى على الملك.
صهبان والعدنانيون بتهامه
قال: وهو الذى سار الى تهامه لمحاربه ولد معد بن عدنان، وكان سبب ذلك ان معدا لما انتشرت تباغت وتظالمت، فبعثوا الى صهبان يسالونه ان يملك عليهم رجلا يأخذ لضعيفهم من قويهم، مخافه التعدى في الحروب، فوجه اليهم الحارث بن عمرو الكندى، واختاره لهم، لان معدا أخواله، أمه امراه من بنى عامر بن صعصعة، فسار الحارث اليهم باهله وولده، فلما استقر فيهم ولى ابنه حجر بن عمرو، وهو ابو إمرئ القيس الشاعر، على اسد وكنانه، وولى ابنه شرحبيل على قيس وتميم، وولى ابنه معدى كرب، وهو جد الاشعث بن قيس، على ربيعه.
فمكثوا كذلك الى ان مات الحارث بن عمرو، فاقر صهبان كل واحد منهم في ملكه، فلبثوا بذلك ما لبثوا، ثم ان بنى اسد وثبوا على ملكهم حجر ابن عمرو، فقتلوه، فلما بلغ ذلك صهبان وجه الى مضر عمرو بن نابل اللخمى والى ربيعه لبيد بن النعمان الغساني، وبعث برجل من حمير يسمى اوفى بن عنق الحيه، وامره ان يقتل بنى اسد ابرح القتل، فلما بلغ ذلك أسدا وكنانه
_________________
(١) جمع صناجه: وهن المغنيات ضاربات الدفوف.
[ ٥٢ ]
استعدوا، فلما بلغه ذلك انصرف نحو صهبان، واجتمعت قيس وتميم، فاخرجوا ملكهم عمرو بن نابل عنهم، فلحق بصهبان، وبقي معدى كرب جد الاشعث، ملكا على ربيعه، فلما بلغ صهبان ما فعلت مضر بعماله آلى ليغزون مضر بنفسه.
وبلغ ذلك مضر، فاجتمع اشرافها، فتشاوروا في امرهم، فعلموا ان لا طاقه لهم بالملك الا بمطابقه ربيعه إياهم، فاوفدوا وفودهم الى ربيعه، منهم عوف بن منقذ التميمى، وسويد بن عمرو الأسدي جد عبيد بن الأبرص، والأحوص بن جعفر العامري، وعدس بن زيد الحنظلى، فساروا حتى قدموا على ربيعه، وسيد هم يومئذ كليب بن ربيعه التغلبى، وهو كليب وائل، فاجابتهم ربيعه الى نصرهم، وولوا الأمر كليبا، فدخل على ملكهم لبيد بن النعمان، فقتله، ثم اجتمعوا، وساروا فلقيهم الملك بالسلان، فاقتتلوا، ففلت جموع اليمن، وفي ذلك يقول الفرزدق لجرير:
لولا فوارس تغلب ابنه وائل نزل العدو عليك كل مكان
وانصرف الملك الى ارضه مفلولا، فمكث حولا، ثم تجهز لمعاوده الحرب، وسار، فاجتمعت معد، وعليها كليب فتوافوا بخزازى [١]، فوجه كليب السفاح بن عمرو امامه، وامره إذا التقى بالقوم، ان يوقدوا نارا، علامه جعلها بينه وبينه، فسار السفاح ليلا حتى وافى معسكر الملك بخزازى، فاوقد النار، فاقبل كليب في الجموع نحو النار، فوافاهم صباحا، فاقتتلوا، فقتل الملك صهبان، وانفضت جموعه، وفي ذلك يقول عمرو بن كلثوم:
ونحن غداه اوقد في خزازى رفدنا فوق رفد الرافدينا
فلما قتل صهبان زاد حمير قتله اتضاعا ووهنا.
_________________
(١) جبل، كانوا يوقدون عليه غداه الغارات.
[ ٥٣ ]
ملك ربيعه بن نصر اللخمى اليمن
فجمع ربيعه بن نصر اللخمى جد النعمان بن المنذر قومه ومن أطاعه من ولد كهلان بن سبا، فاغتصب حمير الملك، فاجتمعت له ارض اليمن، فملكها زمانا، وهو ربيعه بن نصر بن الحارث بن عمرو بن لخم بن عدى بن مره بن زيد ابن كهلان بن سبا بن يعرب بن قحطان. فلما استجمع لربيعه بن نصر امر اليمن راى في منامه رؤيا هالته، ووجل منها، فبعث الى شق وسطيح الكاهنين، فأخبرهما بما راى، فأخبراه في تأويلها بما يكون من غلبه السودان على ارض اليمن، وبغلبه فارس بعدهم، ثم بمخرج النبي ﷺ، فلما سمع ذلك اوجس في نفسه خيفة، فأحب ان يخرج ولده وخاصه اهله من ارض اليمن
مسير عمرو اللخمى الى الحيرة
فوجه ابنه عمرا الى يزدجرد بن سابور، ويقال بل كان ذلك في عصر سابور ذي الاكتاف، فانزله الحيرة، فيومئذ بنيت الحيرة، فضم عمرو اليه اخوته واهل بيته، فمن هناك وقع آل لخم الى الحيرة، واتصلوا بالاكاسره، فجعلوا لهم على العرب سلطانا.
جذيمة والحيرة
فلما مات خلفه من بعده ابنه جذيمة بن عمرو، فزوج جذيمة اخته من ابن عمه عدى بن ربيعه بن نصر، فولدت له عمرو بن عدى الذى استطار به الجن، وله حديث، فلم يزل جذيمة ملكا بالخورنق [١] زمانا حتى دعته نفسه الى تزويج مارية ابنه الزباء الغسانية، وكانت ملكه الجزيرة، ملكت بعد عمها الضيزن
_________________
(١) الخورنق بلد في بلخ، واما الخورنق قصر النعمان الاكبر فهو معرب اللفظ الفارسي خورنكاه اى موضع الاكل.
[ ٥٤ ]
الذى قتله سابور، وكان له ولها حديث مشهور [١]، فقتلت جذيمة، ثم قتلها قصير مولاه.
عمرو بن عدى
فلما هلك خلفه ابن اخته وابن ابن عمه عمرو بن عدى وهو جد النعمان بن المنذر ابن عمرو بن عدى بن ربيعه، قالوا: وكان ذلك في عصر يزدجرد بن سابور ابن بهرام جور.
قالوا: وفي ذلك العصر توفى عبد مناف بن قصى، وخلفه في سؤدده ابنه هاشم ابن عبد مناف. قالوا: وهلك يزدجرد الأثيم، وقد ملك احدى وعشرين سنه ونصفا، وبهرام جور ابنه غائب بالحيرة عند المنذر بالخورنق، فتعاهدت عظماء فارس الا يملكوا أحدا من ولد يزدجرد لما نالهم من سوء سيرته، منهم بسطام اصبهبذ السواد، الذى تدعى مرتبته [٢] هزرافت، ويزدجشنس فاذوسفان الزوابي، وفيرك الذى تدعى مرتبته مهران، وجودرز كاتب الجند، وجشنساذربيش كاتب الخراج، وفناخسرو صاحب صدقات المملكة، وغير هؤلاء من اهل الشرف والبيت، فاجتمعوا، واختاروا رجلا من عتره [٣] أردشير بن بابكان، يقال له خسرو، فملكوه عليهم، وبلغ ذلك بهرام جور، وهو عند المنذر، فامر منذر بهرام بالخروج، والطلب بتراث ابيه، ووجه معه ابنه النعمان، فسار بهرام حتى قدم مدينه طيسفون، فنزل قريبا منها في الابنيه
_________________
(١) ملخص الحديث ان الزباء كانت قد دعت جذيمة الى ان يفد إليها ويتزوج بها، ويضم ملكها الى ملكه، فاستشار قومه فشجعوه على المسير إليها الا قصير بن سعد اللخمى، فقد نصحه بان لا يذهب لان جذيمة كان قد وتر الزباء بقتل أبيها، وادرك قصير ان هذه الدعوة تخفى وراءها سرا، ولكن جذيمة عزم على المسير مخالفا راى قصير، ولما ذهب إليها قتلته، فقال قصير، لا يطاع لقصير امر، وقد صار قوله مثلا يضربه من لا يطاع امره.
(٢) في الأصل مدينه.
(٣) عتره الرجل بكسر العين وسكون التاء: رهطه وعشيرته الأدنون.
[ ٥٥ ]
والفساطيط والقباب، فلم يزل النعمان يسفر بينه وبين عظماء فارس واشرافهم الى ان أنابوا وتابوا الى بهرام.
ملك بهرام جور
وبسط بهرام من آمالهم، وشرط لهم المعدلة وحسن السير، فخلوا بينه وبين الملك، وسمعوا وأطاعوا، وحبا [١] بهرام المنذر والنعمان، وأكرمهما، وكافاه بيده عنده في تربيته ومعاضدته، ففوض اليه جميع ارض العرب، وصرفه الى مستقره من الحيرة.
ولما استتب لبهرام الملك آثر اللهو على ما سواه، حتى عتب عليه رعيته، وطمع فيه من كان حوله من الملوك، فكان أول من شخص صاحب الترك، فانه نهض في جموعه من الاتراك حتى اوغل في خراسان، فشن فيها الغارات، وانتهى النبا الى بهرام، فترك ما كان فيه من الاستهتار باللهو، وقصد عدوه، فأظهر انه يريد اذربيجان ليتصيد هناك، ويلهو في مسيره إليها، فانتخب من ابطال رجاله سبعه آلاف رجل، فحملهم على الإبل، وجنبوا الخيل، واستخلف على ملكه أخاه نرسى، ثم سار نحو اذربيجان، وامر كل رجل من اصحابه الذين انتخبهم ان يكون معه باز وكلب، فلم يشك الناس ان مسيره ذلك هزيمه من عدوه، واسلام لملكه، فاجتمع العظماء والاشراف، فتامروا بينهم، فاتفق رأيهم على توجيه وفد منهم الى خاقان [٢] صاحب الترك باموال، يبعثون بها اليه ليصدوه عن استباحه البلاد.
وبلغ خاقان ان بهرام مضى هاربا، وان اهل المملكة مجمعون على الخضوع له، فاغتر، وامن هو وجنوده، واقام بمكانه ينتظر الوفود والأموال.
_________________
(١) اعطاه بلا جزاء ولا من.
(٢) خاقان: اسم لكل ملك من ملوك الترك، وخقنوه على انفسهم: راسوه.
[ ٥٦ ]
قالوا: وان بهرام امر بذبح سبعه آلاف ثور وحمل جلودها، وساق معه سبعه آلاف مهر حولي، وجعل يسير الليل ويكمن النهار، وأخذ على طبرستان، ثم تبطن ضفة البحر حتى خرج الى جرجان، ثم صار الى نسا ثم الى مرو. وكان خاقان معسكرا بها بكشميهن [١] حتى إذا صار بهرام من مرو على منقله [٢]، وخاقان لا يعلم شيئا من علمه امر بتلك الجلود، فنفخت، والقى فيها الحصى، وجففت، ثم علقها في اعناق تلك المهارة، حتى دنا من عسكر خاقان، وكانوا نزولا على طرف المفازة، على سته فراسخ من مدينه مرو، فخلوا عن تلك المهارة ليلا، وطردوها من ورائها، فارتفع لتلك الجلود، والحجاره التي فيها، وعدو المهارة بها، وضربها إياها بأيديها أصوات هائله أشد من هده الجبال والصواعق.
وسمعت الترك تلك الأصوات، فلما سمعوها راعتهم، ولا يدرون ما هي، وجعلت تزداد منهم قربا، فاجلوا عن معسكرهم، وخرجوا هربا، وبهرام في الطلب، فتقطرت [٣] دابه خاقان بخاقان، وادركه بهرام، فقتله بيده، وغنم عسكره، وكل ما كان فيه من الأموال، وأخذ خاتون امراه خاقان.
ومضى بهرام على آثار الترك ليلته ويومه كله، يقتل وياسر، حتى انتهى الى آمويه، ثم عبر نهر بلخ، يتبع آثارهم، حتى إذا صار الى القرب فاذعن له الترك، وسألوه ان يعلم حدا بينه وبينهم، لا يجاوزونه، فحد لهم مكانا واغلا في ارضهم، وامر بمناره، فبنيت هناك، وجعلها حدا، ثم انصرف الى دار الملك، ووضع عن الناس خراج تلك السنه، وقسم في اهل الضعف والمسكنه شطر ما غنم، وقسم الشطر الآخر بين جنده الذين كانوا معه، فعم السرور اهل مملكته، فلهوا جذلا وابتهاجا، فبلغ اجر اللعاب [٤] في اليوم عشرين درهما، وصار اكليل الريحان بدرهم.
_________________
(١) قريه بمرو
(٢) المنقلة مرحلة السفر زنه ومعنى.
(٣) تقطرت الدابة عثرت براكبها فألقته على قطره.
(٤) فرس اللعب.
[ ٥٧ ]