قالوا: وان فارس لما مات سليمان بن داود اجتمع عظماؤها واشرافها ليختاروا رجلا من ولد كيقباذ الملك، فيملكوه عليهم، فوقعت خيرتهم على لهراسف بن كيميس بن كيابنه بن كيقباذ الملك، فملكوه عليهم، وان لهراسف عقد لابن عمه، بخت نصر بن كانجار بن كيابنه بن كيقباذ في اثنى عشر الف رجل من خيله، وامره ان ياتى الشام فيحارب ارخبعم بن سليمان، فان كان الظفر له قتل من قدر عليه من عظماء إسرائيل، وهدم مدينه إيليا، فسار بخت نصر حتى اتى الشام، فشن فيها الغارات، وعاث، فانهزم ملوك الشام منه، وهرب ارخبعم من بيت المقدس، فنزل فلسطين، فتوفى بها.
واقبل بخت نصر حتى ورد مدينه بيت المقدس، فدخلها لا يمتنع منه احد، فوضع في بنى إسرائيل السيف، وسبى أبناء الملوك والعظماء، وهدم مدينه إيليا، فلم يدع فيها بيتا قائما، ونقض المسجد، وحمل ما كان فيه من الذهب والفضه والجوهر، وحمل كرسي سليمان، وقفل راجعا الى العراق، وكان في السبى دانيال النبي ع، فسار حتى قدم على لهراسف الملك، وهو نازل بالسوس [١]، فمات دانيال عنده بالسوس.
ملك العجم واليمن
قالوا: ولما حضر لهراسف الموت اسند الملك الى ابنه بشتاسف، وفي ذلك
_________________
(١) مدينه قديمه بأرض فارس، تقع باياله خوزستان، وقد اتخذها ملوك الفرس مشتى لهم.
[ ٢٣ ]
العصر مات ياسر ينعم صاحب اليمن، وقام بالأمر بعده شمر بن افريقيس بن أبرهة بن الرائش، وهو الذى يزعمون انه اتى الصين وهدم مدينه سمرقند [١]، فيزعمون ان وزير صاحب الصين مكر به، وذلك انه امر الملك ان يجدعه ويخلى سبيله، فسار الأجدع الى شمر، فاخبره انه نصح لصاحبه، يعنى ملك الصين، وامره بالنجوع [٢] لشمر، واعطائه الطاعة والاتاوه، فغضب عليه، وجدعه، وانه سار الى شمر ليدله على عوره صاحب الصين جزاء بما فعل به، فاغتر شمر بذلك، وساله عن الرأي، فقال: ان بينك وبينه مفازة، تقطع في ثلاثة ايام، ومأتاه منها قريب، فاحمل الماء لثلاثة ايام، وسر حتى افاجئه بك من كثب، فتستبيح بلده، وتأخذه سلما، واهله، وماله. ففعل، فسلك به مفازة لا ترام، فلما ساروا ثلاثة، ونفد الماء، ولم يروا علما، ولا انتهوا الى ماء، قالوا له: اين ما زعمت؟، فاعلمه انه مكر به، ووقى اهل بيته بنفسه، لأنه قد علم انه سيقتله، وقال قد اهلكتك، فاصنع ما أنت صانع، فما لك ولمن تبعك في الحياه [٣] مطمع.
فوضع شمر درعه [٤] تحت راسه، وترس [٥] حديد كان معه فوق راسه، يستكن به من الشمس.
قالوا: وقد كان المنجمون قالوا له، انك تموت بين جبلي حديد، فمات بين درعه وترسه عطشا، فلم يبق من جنوده احد الا هلك، وقد سمعنا نحن بهذا الحديث في غير قصه شمر.
_________________
(١) بلد في ارض كسكر فيما وراء نهر جيحون، وهي من البلاد المشهوره في التاريخ القديم، ويقال انها سميت باسم الذى بناها، شمر ابو كرب، ثم عربها العرب في كلامهم الى سمرقند.
(٢) النجوع: الإتيان، ونجع فلانا إذا أتاه طالبا معروفه.
(٣) الحياه: الحيوه.
(٤) الدرع: قميص من حديد يتدرع به في الحرب.
(٥) الترس من السلاح: ما يتوقى به.
[ ٢٤ ]
زرادشت ودعوته
قالوا: وكان زراذشت صاحب المجوس اتى بشتاسف الملك، فقال: انى رسول الله إليك، وأتاه بالكتاب الذى في أيدي المجوس، فآمن له بشتاسف، ودان بدين المجوسية، وحمل عليه اهل مملكته، فأجابوه طوعا وكرها.
وكان رستم [١] الشديد عامله على سجستان [٢] وخراسان، وكان جبارا مديد القامة، شديد القوه، عظيم الجسم، وكان ينتمى الى كيقباذ الملك، ولما بلغه دخول بشتاسف في المجوسية، وتركه دين آبائه غضب من ذلك غضبا شديدا، وقال: ترك دين آبائنا الذى توارثوه آخرا عن أول، وصبا الى دين محدث.
ثم جمع اهل سجستان، فزين لهم خلع بشتاسف، وأظهروا عصيانه، فدعا بشتاسف ابنه اسفندياذ وكان أشد اهل عصره، فقال له: يا بنى، ان الملك مفض إليك وشيكا، ولا تصلح امورك كلها الا بقتل رستم، وقد عرفت شدته وقوته، وأنت نظيره في الشده والقوه، فانتخب من الجنود ما احببت، ثم سر اليه.
فانتخب اسفندياذ من جنود ابيه اثنى عشر الف رجل من ابطال العجم، وسار نحو رستم، وزحف اليه رستم، فالتقيا ما بين بلاد سجستان وخراسان، فدعاه اسفندياذ الى اعفاء الجيشين من القتال، وان يبرز كل واحد منهما لصاحبه، فأيهما قتل صاحبه استولى على اصحابه، فرضى رستم بذلك، وعاهده عليه،
_________________
(١) رستم: بطل فارسي مشهور، افرد لبطولته في الشهنامه فصول تعتبر من اروع فصول الكتاب.
(٢) سجستان: ولايه واسعه، مدينتها ذربح، وبينها وبين هراة ثمانون فرسخا الى الجنوب، وأرضها رمله، والرياح فيها لا تسكن، وهي واقعة الان بين ايران وافغانستان وعاصمتها نصرتاباد، وفيها نشا رستم بطل ايران الاسطورى، وإليها ينسب ابو حاتم السجستانى اللغوى المعروف.
[ ٢٥ ]
وحالفه، فوقف العسكران، وخرج كل واحد منهما الى صاحبه، فاقتتلا بين الصفين، فيقول العجم في ذلك قولا كثيرا، الا ان رستم هو الذى قتل اسفندياذ، وانصرف جنوده الى ابيه بشتاسف، فاخبروه بمصاب ابنه اسفندياذ، فخامره حزن انهكه، فمرض من ذلك، فمات، واسند الملك الى ابن ابنه بهمن بن اسفندياذ.
قالوا: ولما رجع رستم الى مستقره من ارض سجستان لم يلبث ان هلك.
ملك اليمن
قالوا: وان اهل اليمن لما بلغهم مهلك شمر وجنوده بأرض الصين اجتمعوا، فملكوا عليهم أبا مالك بن شمر، وهو الذى ذكره الأعشى في قوله:
وخان النعيم أبا مالك واى امرئ صالح لم يخن
وهو الذى يزعمون انه هلك في طرف الظلمه [١] التي في ناحيه الشمال، فدفن على طرفها.
قالوا: وذلك، انه بلغه مسير ذي القرنين إليها، وانه اخرج منها جوهرا كثيرا، فتجهز يريد الدخول فيها، فقطع إليها ارض الروم، وجاوزها حتى انتهى الى طرف الظلمه، وتهيأ لاقتحامها، فمات قبل ان يدخلها، فدفن في طرفها، فانصرف من كان معه الى ارض اليمن.
ملك العجم، وخلاص بنى إسرائيل
قالوا: وملك بهمن بن اسفندياذ، فامر ببقايا ذلك السبى الذى سباهم بخت نصر من بنى إسرائيل، ان يردوا الى أوطانهم من ارض الشام، وقد كان تزوج قبل ان يفضى الملك اليه ابراخت بنت سامال بن ارخبعم بن سليمان بن داود، وملك روبيل أخا امراته ارض الشام، وامره ان يخرج معه من بقي من ذلك السبى، وان يعيد بناء إيليا، ويسكنهم فيه، كما لم يزالوا، ويرد كرسي سليمان،
_________________
(١) الارض التي في شمال البحر الأسود.
[ ٢٦ ]