أهم الأحداث السياسية والهزات الأرضية التي رجت المجتمع المصري في العصر الحاضر، غزو الفرنسيين لمصر والثورة العرابية والثورة الوطنية التي شبت في سنة ١٩١٩م.
هذه هي الحوادث الجلي التي كان لها أبلغ الأثر في توجيه الحياة السياسية والأدبية بمصر في العصر الحاضر، وقد حمل الأزهر لواء الزعامة في هذه الثورات، وقام عليها يغذي الشعور ببيانه وخطابه، ويوجه الرأي بقيادته، ويلتمس الشعب في كلمته الهدى، وفي حمايته الأمن والنجاة:
زمن المخاوف كان فيه أجنابهم حرم الأمان وكان ظلهم الذرا١
الغزو الفرنسي:
غزا الفرنسيون مصر سنة ١٧٨٩م، فلم يبالوا بالقوة المادية للشعب إذ هو منهوك القوى في عصر المماليك أعزل من كل سلاح، ولكنهم خشوا قوة الإيمان في نفوس العلماء، وأثرهم النافذ في روح الشعب وكلمتهم التي كانت توقظ الأمة وتحيي العزائم، وكان منبر الأزهر مقر قيادة المجاهدين تفد
_________________
(١) ١ الذرا الملجأ والبيت للمرحوم أحمد شوقي بك.
[ ٢ / ٨ ]
الوفود وتحشد الحشود والناس في غمرة الأحداث، وحيرة المحن فيرتقي المنبر علماء الأزهر وشبابه المتفجرون بلاغة المتقدمون عزما وحماسة، فتهدر شقاشق وتزأر حناجر، وتفيض بلاغة، ويتدفق شعور، فإذا الجبن إقدام والتردد وثوب، وإذا الصدور تملأ إيمانا بالجهاد وحبا في بذل النفس والفداء فيندفع الناس كالسيل لا يخشون في الحق أذى، ولا يرهبون النضال ولو طاحت رءوس وتناثرت أشلاء.
كان ذلك من فعل البلاغة في النفوس وأثر الإقناع بالحجة والدليل، وكان ذلك من روح النداء الذي عرفوا به، والإقدام الذي كان لهم سمة وطبعا.
أدرك الفرنسيون خطر الأزهر في توجيه الشعب، وعرفوا مكانة أبنائه ومبلغ أثرهم في الأمة ببيانهم وإيمانهم فراحوا يتقربون إليهم، ويؤلفون ديوان القضاء منهم، ويخطبون بكل أسلوب ودهم بالتزيي بزيهم طورا وإعلان الإسلام طورا آخر، ثم بالمصاهرة إلى المسلمين طلبا لرضاهم واستمالة لهم وراحوا يذيعون المنشورات نشدانا للهدوء باسمهم، ويستجيبون لرغائبهم إذا ما استنجد الشعب بهم لرفع مظالمهم، وتحقيق مطالبهم.
كان الأزهر وحده هو الذي يحفل إذ ذاك بالخطابة ويجعلها أداة إقناعه، ووسيلة بلاغه وسبيل توجيهه للأمة في ذلك الحين، وكم فاض هذا المنبر بآيات من البيان من خطب رائعة وشعر كريم، وكم تفتحت القرائح واهتزت الأفكار بما أبدع فيه هؤلاء الفصحاء من أساليب البيان.
الأزهر والثورة العرابية:
كانت الأسباب التي أدت إلى الثورة العربية سنة ١٨٨١م راجعة إلى تبرم المصريين بالحكم القائم الذي قوامه استبداد الحكام واضطهاد الشعب، وكان انتشار التعليم، واستنارة الأفكار قد هذب النفوس، وسما بها إلى طلب الحياة
[ ٢ / ٩ ]
الكاملة والحرية الشاملة والفرار من البغي، وكثيرا ما أذكت الشعور خطابة الخطباء في المحافل والمجتمعات، وهيأت الأذهان قصائد الشعراء ومقالات الكتاب، ومما لا ريب فيه أن هؤلاء الذين هزوا الأفكار، وأيقظوا العقول وحضوا على الحرية إنما هم خطباء الأزهر وشعراؤه وكتابه.
وكانت لمدرسة الأفغاني ودعوته إلى الحرية ومشايعة تلامذته له أمثال "الشيخ محمد عبده" و"سعد زغلول" و"النديم" و"الهلباوي" أثر خطير في تهيئة أهله ومحاربتهم بشتى الوسائل ومختلف الأساليب.
أحمد عرابي باشا:
وكان ظهور "أحمد عرابي" من الأساليب المباشرة في ظهور الثورة، ولا غرو فهو حامل لوائها وقائد زمامها وإلى اسمه نسبت، وفي شخصه تمثلت١
كان أحمد عرابي ضيف الثقافة لم ينل منها إلا حظا يسيرا، ولم يتوفر على دراسة خاصة حينا من الزمان تكفل له اللحاق بالزعماء الواسعي الثقافة والإدراك، فقد حفظ القرآن في صغره، وأخذ عن أخيه الأكبر مبادئ الحساب وتحسين الخط ثم تلقى بعض اللغة والعلوم الشرعية في الأزهر، على أنه لم يكمل علوم الأزهر فإن مدة تحصيله فيه لم تزد على أربع سنين٢.
ذلك هو حظ عرابي من الثقافة في صغره، ولم يلتحق بعد هذه الفترة بمعهد أو بمدرسة ولم يتوفر على دراسة خاصة يكون لها أثر في نفسه بل انقطع عن التعليم إلى أن اقترع، ومضى في مراتب الجندية فكل ما تقف به إنما هو من ثقافة الأزهر، فإذا نسبت الثورة إلى زعيمها، واقترنت باسمه وأضيف إليه ما خلفته من آثار فكرية وأدبية، فإن الثورة العرابية المنسوبة إلى عرابي الأزهري، أزهرية في قيادتها ونتائجها الأدبية.
_________________
(١) ١ الثورة العرابية لعبد الرحمن الرافعي بك ص٧٧. ٢ الثورة العرابية لعبد الرحمن بك الرافعي ص٨١.
[ ٢ / ١٠ ]
وقد وصف الأستاذ الإمام أحمد عرابي بقوله: "أجرأ إخوانه على القول، وأقدرهم على إقامة الحجة١".
ومما أمتاز به "لسان ذلق وصوت جهوري وترسل في الحديث، واستشهاد بالآيات والأحاديث النبوية والحكم المأثورة، وبعبارة أخرى أنه كان خطيبا لبقا فصيحا٢".
على أن الثورة العرابية أزهرية في معان أخرى فقد وجدت من الأزهريين أعوانا وجندا، ولقيت منهم أنصارا بالقلب والجنان، والفكر والبيان، والجهد والتوجيه والإرشاد.
كان جل الصحافة القائمة إذ ذاك والتي تتجه متجه الثورة، وتذود عنها صحفا أزهرية في تحريرها أو الإشراف عليها، فتلك هو الوقائع المصرية في رعاية الشيخ محمد عبده، وأعوانه الأزهريين وصحف النديم وغيره تؤيد ما ذهبنا إليه.
ووجدت الثورة العرابية من الأزهر شعراء ينظمون في إذكائها روائع، ومحكمات والأزهريون يومئذ عمود الشعر وقوامه، ووجدت منهم خطباء يلهبون الإحساس ويضرمون الشعور، فهذا هو السيد عبد الله نديم الذي عرف "بخطيب الثورة" كانت نفسه ثائرة متطلعة إلى المجد وحياة الحرية، وكان أكبر عضد الثورة العرابية وكان فيضا من الخطابة متدفقا لا يكل لسانه، ولا يغبض بيانه حتى إنه ليخطب في المجلس الواحد خطبا قد تبلغ خمسا، وهو في أخراها كأولاها لا يكرر قولا ولا يعيد حديثا، وكان مثار العجب من تدفقه، فقد يكون في رحلة مع عرابي فيلقى على كل محط خطبة في المستقبلين.
أما الأستاذ الإمام فقد كان له في الإعلان عن رغبات الأمة مسلك يخالف مسلك الثائرين، فلم يكن من زعماء الثورة في طورها الأول، ولكن
_________________
(١) ١ الثورة العرابية لعبد الرحمن الرافعي بك ص٨٢. ٢ تاريخ الإمام ج١ ص١٩١.
[ ٢ / ١١ ]
لما تألفت وزارة البارودي انضم إليهم بكل قواه، وقد أصبح من ذلك الحين من زعماء الثورة١.
وكان زعماء الحزب الذين التفوا حول عرابي باشا ينظرون إلى "الشيخ محمد عبده" نظرهم إلى معلمهم وقائدهم، ويحلفون يمين الطاعة للوطن وما فيه نفعه بين يديه، حتى إنه اعتبر زعيما من زعماء الثورة كعبد الله نديم وغيره من الزعماء المشهورين٢، كما وجدت هذه الثورة أكبر عضد من فحول الأزهر إذ ذاك أمثال الشيخ عبد الكريم سلمان، وإبراهيم الهلباوي، وعبد الله فكري على تفاوت في الأسلوب، ومن نجا من المحاكمة فلبراءته في الظاهر على رغم اشتراكه في الثورة٣.
وقد أودع السجن للمحاكمة فريق من الأزهريين الثائرين الذين أمدوا الثورة -العرابية ببيانهم، ورأيهم، وجهدهم من أمثال "الشيخ محمد عليش"، ونجلهما "الشيخ عبد الرحمن عليش" والشيخ حسن العدوي" "والشيخ محمد أبو العلا الخلفاوي" العضو الأول بالمحكمة إذ ذاك، والشيخ "أحمد المنصوري" والشيخ "أحمد عبد الغني" المدرسين في الأزهر، والشيخ "محمد جبر"، والشيخ "أحمد البصري"، والشيخ "أحمد السملوطي"، وكثير غيرهم.
هؤلاء أججوا جمرات الفكر في الثورة العرابية، وألهبوا الشعور بآيات من البيان فخطبوا الخب الحماسية، وأذاعوا النداءات الثائرة، ونظموا الشعر الصوال، فلا عجب أن يكون كل ما أنتجته الثورة العرابية من أدب خصب إنما هو من ثمرات الأزهريين، ونتائج قرائحهم وفيض بيانهم.
_________________
(١) ١ الثورة العرابية لعبد الرحمن الرافعي بك ص٥٤٠. ٢ الإسلام والتجديد ص٥١. ٣ الهلباوي وعبد الله فكري كل منهما أزهري النشأة والثقافة، وسنبين ذلك في موضعه.
[ ٢ / ١٢ ]
الثورة الوطنية سنة ١٩١٩:
وهذه هي الثورة الوطنية التي قامت سنة ١٩١٩ لتحرير البلاد من رق الاستعباد كان الأزهر نارها ونورها، وكان خطباؤه أعلام الجهاد ومشاعل الفكر، ففي جنبات الأزهر كان صيال بالخطاب يعتلي المنبر شاب الأزهر وشيوخه، فيقولون ما شاءت لهم البلاغة، وما تفجرت منهم الفصاحة حتى غدا الأزهر، وهو كما يصفه شوقي بك.
عين من الفرقان فاض نميرها وحيا من الفصحى جرى وتحدرا
كان الجموع تفد إليهم تستشرف لخطبهم، وتتلع الأعناق لرأيهم، ويستمعون إلى بيانهم المقنع ويلتقون عند رأيهم المؤمن، فإذا هم أمضى من السيف عزما لا يبالون في جهادهم بقوة في الأرض، ولا يضعف من نضالهم ما يتراءى لهم من الموت، ولا يتلمظ لهم من أفواه الردى.
تخرج في ثورة الأزهر فحول من الخطباء الأفذاذ الذين امتازوا بفصاحة اللسان، ومتانة الأسلوب وقوة الحجة وغزارة البيان، وكانوا زعماء الفكر وعنوان الجهاد وقادة الرأي، وأبطال السياسة من أمثال سعد والهلباوي ومصطفى القاياتي، وعبد الباقي سرور ومحمود أبي العيون وزكي مبارك، وعلي الزنكلوني ﵏ ومن هؤلاء كذلك الأستاذ محمد عبد الطيف دراز، ولا يزال الأزهر إلى اليوم كلمة الأمة، وكعبتها التي تحج في الأحداث والمحن، وكلما حزب البلاد أمر نهض أبناؤه المقابل يدفعون الغوائل، ويذودون عن حمى الوطن يعينهم بيانهم الغزير، وتمدهم فصاحتهم الدافقة.
[ ٢ / ١٣ ]