يراد بالخطب القضائية ما يلقيه المحامون في دور القضاء دفاعا عن الحق، ودفعا للمظالم وهذه الخطب تعتمد على الرسوخ في القانون، والتملي من مواده وأحكامه والقدرة على استخدامه في الدفاع كما تعتمد على بلاغة المنطق وقوة الحجة ووضوح الأسلوب، وحضور البديهة، وتدفق اللسان وحسن الموازنة بين حكم وحكم، وقضية وقضية، كما تتكئ على ترتيب الكلام ترتيبا يتضح به الغرض، ويسهل معه استخلاص النتيجة.
وقد بلغ الخطباء القضائيون في هذا العصر مبلغا عظيما من البراعة وقوة الدفاع، وإنك لتجد دور القضاء في القضايا الخطيرة أسواقا أبية في فيض بيانها، وقوة جدلها وشدة صيالها يتدفق الأدباء والمحامون والعلماء، والمتأدبون على شهودها حتى إن الحكومة ترصد رجالها لصد الناس عن التدافع على المحاكم، وقد تحظر شهودها إلا بترخيص لطبقة خاصة خشية التسابق، والزحام
[ ٢ / ١٦ ]
وتذيع الصحف هذه القضايا فيتلقفها الجمهور بشوق ورغبة، ويطبع الكثير من الخطب القضائية في كتب يجد الناس في مطالعتها متاعا ولذة.
ولقد كان تمرس الأزهر بين الجدل والمحاجة في طريقة تدريسهم بالأزهر، وقيامها على الحوار والمناقشة، وتناولهم القضايا العلمية بالبحث والتشقيق وقرع الحجة بالحجة، لقد كان لذلك أبلغ الأثر في تهيئة من يتفرغ منهم للمحاماة، أو القضاء إلى الرسوخ والمقدرة والنبوغ والتبريز، وذلك لما جبلوا عليه في حياتهم الدراسية من الصبر على البحث، والجلد على المحاجة والروية في طلب الحكم ودعمه.
وعسى أن يكون أبرع قضاة مصر ومحاميها في هذا العصر "سعد زغلول"، كما كان أبرع محاميها وأقدرهم على الدفاع المرحوم "إبراهيم الهلباوي بك".
[ ٢ / ١٧ ]