المساجد الجوامع:
كما عرفت مصر قبل قيام القاهرة المعزية ثلاث قواعد، أو عواصم إسلامية، هي فسطاط مصر التي أنشئت في سنة "٢١هـ-٦٤١م" عقب الفتح الإسلاميّ، ومدينةالعسكر التي أنشأها العباسيون الجند إلى جانب الفسطاط، عقب انتزاعهم مصر من يد الأمويين في سنة "١٢٣هـ-٧٥٠م" ومدينة القطائع التي أنشأها أحمد بن طولون، في سنة "٢٥٦-٨٧٠م" لتكون عاصمةً للدولة الجديدة.
كما عرفت مصر قبل القاهرة هذه العواصم الثلاث، عرفت كذلك قبل قيام الجامع الأزهر ثلاث مساجد جوامع، كانت مركز للحياة الإسلامية هي:
المسجد الجامع، أو جامع عمرو "وقد عرف جامع عمرو بعدة أسماء أخر، منها: الجامع العتيق، وجامع مصر، ومسجد أهل الراية" ثم جامع العسكر، ثم جامع ابن طولون.
وبمعنًى آخر، كانت كل قاعدة من هذه القواعد الإسلامية المتعاقبة تزود عند قيامها بمسجدها الجامع أو مسجدها الرسميّ الخاصّ.
ولم تكن هذه الظاهرة في خطط القواعد الإسلامية بدعًا ولا مصادفةً، وإنما كانت من وحي السياسة الموضوعة لإنشاء الأمصار الإسلامية فيما يفتح من البلاد، بل هي سياسة ترجع إلى عهد -عمر- ذاته، وكتب بها عمر إلى الولاة
[ ١ / ١٣ ]
ومنهم عمرو بن العاص، فاتح مصر، وأول ولاتها، بأن يتخذوا في كل مدينة مسجدًا للجماعة١
وقد اتبعت هذه السياسة في خطط القواعد الإسلامية الأولى -كالبصرة والكوفة والفسطاط ومدن الشام.
وكما أن العواصم الجديدة تعتبر رمزًا لظفر الإسلام، كذلك المساجد الجوامع، كانت تعتبر رمزًا لسياسة الإسلام الروحية، ومنبرًا للدعوة الجديدة والدين الجديد.
هكذا كان شأن الفسطاط، أول عاصمة للإسلام في مصر، قيامها يدل على ظفر الإسلام السياسيّ بافتتاح قطر جديد من أقطار الدولة الرومانية، وقيام مسجدها الجامع يدل على سيادة الإسلام الروحية حيث كانت تسود النصرانية.
وكان لهذا المسجد فوق ذلك صبغته الرسمية؛ إذ هو مركز للصلاة الجامعة، وقد لبث ذلك -عصرًا- خطة خاصَّة، إلى جانب خطط الحرب والقضاء والخراج.
وكان يلي إمامته في الصلوات الخمس، وفي صلاة الجمعة وخطبتها في عصر الفتح الأول أمير مصر ذاته؛ فكان الأمير يجمع بين الصلاة والخراج في كثير من الأحيان، وكان الأمير يستخلف عنه في الصلاة صاحب الشرطة إذا تعذر عليه إقامتها بنفسه٢.
كذلك كان المسجد الجامع مقرًّا للدعوات والخطب والمجالس الرسمية، وبه يعقد ديوان الخراج، كما كان مركز القضاء الأعلى، وتتُْلَى فيه الأوامر
_________________
(١) ١ خطط المقريزي الطبعة الأهلية جـ٤ ص٤، وحسن المحاضرة للسيوطي جـ٢ ص١٤٩. ٢ خطط المقريزي جـ٤ ص٢٨٣.
[ ١ / ١٤ ]
والمنشورات والسجلات، واستمرَّ ذلك عصورًا متوالية١.
ثم غدا المسجد الجامع بعض الزمن مقرًّا للحلقات العلمية والأدبية، وأصبحت هذه الصفة المدرسية من بعض سماته ومظاهره.
وكانت المساجد الجوامع تختص بهذه الصفة العلمية في عصرٍلم تعرف فيه معاهد الدراسة التي حفلت بها الأمصار الإسلامية فيما بعد.
وكانت حلقات المسجد الجامع إلى جانب الحلقات الخاصة، أشهر المجتمعات العلمية والأدبية العامة، وقد لبثت ساحاته ردحًا من الزمان ندوةً فكريةً أدبيةً جامعةً، ومنها كانت تشع أنوار الآداب والفكر في مصر الإسلامية.
بل هناك ما يدل على أن المسجد الجامع كان يقوم بمهمته الجامعية في دراسة الفقه بطريقة منتظمة٢، وقد استمرَّ المسجد الجامع قائمًا برسالته العلمية حتى قيل: إن حلقاته العلمية بلغت منتصف القرن الثالث زهاء خمسين٣.
ولما أنشئت مدينة العسكر إلى جانب مدينة الفسطاط، وأقيم جامع العسكر إلى جانب المسجد الجامع، كان ثمة في إقامة المدينة الجديدة معنًى لانتصار العباسيين السياسيِّ، وفي إقامة الجامع الجديد معنًى لظفر الدعوة العباسية.
وكانت العسكر وجامعها يمثلان ظفر الدولة الجديدة من الوجهتين السياسية والدينية معًا، ويتجلى ها المعنى في قيام مدينة -القطائع- عاصمة الدولة الطولونية الجديدة، وإن لم يكن ملحوظًا في إقامة مسجدها الجامع "جامع ابن طولون" لأن الدولة الطولونية لم يكن لها لون دينيٌّ خاصُّ٤.
غير أنه مما لا شك فيه أن إنشاء القطائع ومسجدها الجامع "جامع ابن طولون" يرجع إلى المغزى السياسيِّ والروحيِّ نفسه، وهو التنويه بسلطان الدولة الجديدة وسيادتها.
_________________
(١) ١ الخطط التوفيقية جـ١ ص١٣٢، وجـ٤ ص١٦، ٤٣، وصبح الأعشى جـ٣ ص٤٨٧. ٢ أنشئت به أوائل القرن الثالث عدة زوايا يدرس بها الفقه على مختلف المذاهب، ولكل زاوية أستاذ بحري عليه الرزق، وكان منها الزاوية الشهيرة التي تنسب للإمام الشافعيّ، واستمرت هذه الزوايا عصورًا -تاريخ الجامع الأزهر لمحمد عبد الله عنان ص١٥. ٣ الخطط التوفيقية ح٤ ص٢٠، ٢١. ٤ تاريخ الجامع الأزهر، لمحمد عبد الله عنان صـ١٥.
[ ١ / ١٥ ]