ولما رأى المشركون أن الإسلام ينمو ويزيد ائتمروا أن يكتبوا بينهم كتابًا يتعاقدون فيه على أن لا ينكحوا بني هاشم وبني عبد المطلب ولا ينكحوا منهم ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم فكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة الشريفة وأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا هذا ورسول الله ﷺ يدعو الناس سرًا وجهرًا والوحي يتتابع.
ثم قام نفر من قريش وتعاهدوا على نقض الصحيفة ووقع بينهم خلاف فقام مطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ما كان (باسمك اللهم) كانت قريش تستفتح بها كتابها وأكلت الأرض ما فيها من ظلم وقطع رحم وتركت ما فيها من اسم الله تعالى.
وكان النبي ﷺ أخبر بذلك فاجتمع قريش وأحضروا الصحيفة فوجدوا الأمر كما قاله فنكسوا رؤسهم واتفق جماعة من قريش ونقضوا
[ ١ / ١٨٠ ]
ما تعاهدوا عليه في الصحيفة من قطيعة بني هاشم وبني عبد المطلب والله أعلم.
(قصة المعراج وما وقع لنبينا محمد ﷺ ليلة الإسراء بالمسجد الأقصى)
لما بعث الله رسوله ﷺ وأنزل عليه الوحي وأمره بإظهار دينه وأيده بالمعجزات الظاهرات والآيات الباهرات أسرى به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى - وهو بيت المقدس من إيليا -.
وقد فشا الإسلام في قريش وفي القبائل كلها.
وكان الإسراء ليلة سبع عشرة من ربيع الأول قبل الهجر بسنة وقال ابن الجوزي وقد قيل كان في ليلة سبع وعشرين من شهر رجب.
واختلف الناس في الإسراء برسول الله ﷺ فقيل إنما كان جميع ذلك في المنام والحق الذي عليه الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين إنه أسرى بجسده ﷺ يقظه لأن قوله تعالى (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) تدل على ذلك ولو كانت رؤيا نوم ما افتتن بها الناس حتى ارتد كثير ممن كان أسلم.
وقال الكفار يزعم محمد إنه أتى بيت المقدس ورجع إلى مكة في ليلة واحدة والعير تطرد إليه شهرًا مقبلة وشهرًا مدبرة فلو كانت رؤيا نوم لم يستبعد ذلك منه.
قال ابن عباس ﵄ هي رؤيا عين رآها النبي ﷺ لا رؤيا منام قال الله تعالى (ما زاغ البصر وما طغى أضاف الأمر للبصر وقال تعالى (ما كذب الفؤاد ما رأى) أي لم يوهم القلب العين غير الحقيقة بل صدق رؤيتها.
واختلف السلف والخلف هل رأى نبينا ﷺ ربه ليلة الإسراء فأنكرته عائشة ﵂.
وروي عن ابن عباس ﵄ إنه قال رآه بعينيه ومثله عن أبي ذر
[ ١ / ١٨١ ]
وكعب والحسن وكان يحلف على ذلك وحكي مثله عن ابن مسعود وأبي هريرة والإمام أحمد بن حنبل.
وحك النقاش عن الإمام أحمد إنه قال أنا بحديث ابن عباس بعينيه رآه رآه رآه حتى انقطع نفس الإمام أحمد.
واختلفوا في أن نبينا محمد ﷺ هل كلم ربه ﷿ ليلة الإسراء فذكر عن جعفر بن محمد الصادق إنه قال أوحى الله إليه بلا واسطة وإلى هذا ذهب بعض المتكلمين وقال إن محمدًا كلم ربه في ليلة الإسراء وحكموه عن أبي عباس وابن مسعود.
واختلف في المكان الذي أسرى ربه منه فروي عنه ﷺ إنه قال بينا أنام في بيت أم هاني بنت أبي طالب - وفي رواية بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعًا ومنهم من قال بينما أنا بين النائم واليقظان وكانت ليلة الاثنين إذ هبط علي الأمين جبريل ﵇ وذكر القصة.
وكان من حديث المعراج الشريف ما ري عن النبي ﷺ إنه قال أتيت بالبراق - وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه - قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين.
وفي رواية فلما دخلت المسجد إذا أنا بالأنبياء والمرسلين قد حشروا إلي من قبورهم ومثلوا لي وقد قعدوا صفوفًا صفوفًا ينتظرونني فسلموا علي فقلت يا جبريل من هؤلاء القوم؟ قال إخوانك الأنبياء والمرسلين زعمت قريش إن الله شريكًا وزعمت النصارى إن لله ولدًا اسأل هؤلاء النبيين هل كان لله شريك؟ ثم قرأ (واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون).
قال أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر في كتاب النزيل له إن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ ببيت المقدس ليلة الإسراء وقد
[ ١ / ١٨٢ ]
عدها غيره من العلماء في الشامي والذي قاله أبو القاسم أخص مما ذكروه.
فلما نزلت وسمعها الأنبياء ﵈ أقروا لله ﷿ بالوحدانية.
قال ﵊ ثم جمعهم جبريل وقدمني فصليت بهم ركعتين.
قال ﷺ ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة.
ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل من أنت؟ قال جبريل قيل ومن معك؟ قال محمد ﷺ قيل وقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا بدم ﵇ فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل من أنت؟ قال جبريل قيل ومن معك؟ قال محمد ﷺ قيل وقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا ببني الخالة عيسى بن مريم ويحي بن زكريا (ع) فرحبا بي ودعوا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة - فذكر مثل الأول - ففتح لنا فإذا أنا بيوسف ﵇ وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة - وذكر مثله - فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة - فذكر مثله - فإذا أنا بهارون فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة - فذكر مثله - فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة - فذكر مثله - فإذا أنا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه.
ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها
[ ١ / ١٨٣ ]
كالقلال قال فلما غشيها الله من أمره ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها فأوحى الله إلى ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة.
فنزلت إلى موسى فقال ما فرض ربك عليك وعلى أمتك؟ قلت خمسين صلاة قال إرجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك فإني بلوت بني إسرائيل وخبرتهم قال فرجعت إلى ربي فقلت يا رب خفف عن أمتي فحط عني خمسًا فرجعت إلى موسى فقلت حط عني خمسًا قال إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.
قال فلم أزل أرجع بين ربي تعالى وبين موسى حتى صارت خمس صلوات قال إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فأسأله التخفيف قال يا محمد إنهن خمس صلوات في اليوم والليلة لكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة ومن هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرًا ومن هم بسيئة فلم يعلمها لم تكتب شيئًا فإن عملها كتبت سيئة واحدة.
قال فنزلت حتى انتهيت إلا موسى فأخبرته فقال إرجع إلى ربك فاسأله التخفيف فقال رسول الله ﷺ فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه وفي رواية يا موسى قد والله استحييت من ربي مما اختلف إليه قال بسم الله فاهبط.
قال ﷺ ثم حملني حتى أنزلني على جبل بيت المقدس وإذا أنا بالبراق واقف على حاله في موضعه فسميت الله واستويت على ظهره فما كان بأسرع من أن أشرفت على مكة ومعي جبريل.
قال ﷺ لما كان صبيحة ليلة الإسراء أصبحت بمكة متحيرًا في أمري وعملت أن الناس يكذبوني فقعدت معتزلًا حزينًا إلى ناحية من نواحي المسجد فمرر بي أبو جهل عدو الله فجاء حتى جلس إلي فقال - كالمستهزئ -
[ ١ / ١٨٤ ]
هل كان من شيء يا محمد؟ فقلت نعم قال وما هو؟ قلت إني أسري الليلة قال إلى أين؟ قلت إلى بيت القدس قال ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قلت نعم فقال أبو جهل يا معشر قريش يا معشر بني كعب يا معشر بني لؤي هلموا فانقضت المجالس وجاؤا حتى جلسوا إلى النبي ﷺ.
فقال أبو جهل حدث قومك يا محمد بما حدثني فقال رسول الله ﷺ إني أسري بي الليلة قالوا إلى أين؟ قال إلى بيت المقدس قالوا ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قال نعم فبقي منهم المتعجب ومنهم المصفق ومنهم الواضع يده على أم رأسه.
ثم قالوا هل تستطيع أن تنعت لنا بيت المقدس؟ قلت نعم قال فذهبت أنعته حتى التبس علي بعض النعت لكوني دخلته ليلًا فجيء بالمسجد انظر إليه حتى وضع دون دار عقيل فجعلت انظر إليه وأخبرهم عن آياته قال ﷺ وآية ذلك إني مررت بغير بني فلان بوادي كذا وكذا فنفرهم حس الدابة فندلهم بعير فدللتهم عليه ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بني فلان فوجدت القوم نيامًا ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء فكشفت غطاءه وشربت ما فيه ثم غطيت عليه كما كان وإن عيرهم الآن تصوب من البيضاء ثنية التنعيم يقدمها جمل أورق عليه غرارتان أحداهما سوداء والأخرى برقاء فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أولًا إلا الجمل الذي وصف لهم وسألوهم عن الإناء فأخبروهم إنهم وضعوه مملوء ماء ثم غطوه وإنهم افتقدوه من الليل فوجدوه كما غطوه ولم يجدوا فيه ماء وسألوا القوم الذين ندلهم البعير فقالوا صدق والله لقد ند لنا بعير بالوادي الذي ذكره فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه وإنه لأشبه الأصوات بصوت محمد بن عبد الله ﷺ فجئنا حتى أخذناه.
وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا هل لك يا أبا بكر في صاحبك إنه يزعم إنه د جاء هذه الليلة ببيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة.
[ ١ / ١٨٥ ]
فقال أبو بكر ﵁ والله لئن كان قال لكم ذلك لقد صدق فما تعجبكم من ذلك فوالله إنه ليخبرنا عن الوحي من الله يأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة واحدة من ليل أو نهار فنصدقه فهذا أبعد مما تعجبون منه ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فقال يا نبي الله أحدثت هؤلاء إنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال نعم قال صدقت فصفه لي يا نبي الله فإني جئته قال رسول الله ﷺ فرفع لي حتى نظرت إليه وجعل يصفه لأبي بكر وهو يقول صدقت أشهد أنك رسول الله حتى انتهى فقال رسول الله ﷺ وأنت يا أبي بكر الصديق فسمي من ذلك صديقًا قال الله تعالى (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون).
ثم أنزل الله سورة النجم تصديقًا له ﷺ.
ثم توفى أبو طالب عم رسول الله عليه وسلم وخديجة ﵄ قبل الهجرة الشريفة وماتت خديجة قبل الهجرة الشريفة بخمسة وثمانين يومًا وقيل بخمسة وعشرين يومًا وقيل بثلاثة أيام فعظمت المصيبة على رسول الله ﷺ بموتهما وقال ما نالتني قريش بشيء أكرهه حتى مات أبو طالب وذلك إن قريشًا وصلوا من إيذائه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته.
وتزوج بعد خديجة عائشة ﵂ ولها تسع سنين وتزوج بسودة.
وخرج رسول الله ﷺ إلى قبائل العرب يلتمس منهم نصرته والقيام معه على من يخالفه ويدعوهم إلى الله فلم يجيبوه.