ولعل الأسباب والدوافع التي تحدث عنها المؤلف نفسه في تأليف هذا الكتاب معطيًا هذا الجانب الهام فهو يقول:
«وإنما دعاني لذلك أن غالب بلاد الإسلام قد اعتنى بها الحفاظ وكتبوا بتاريخها مما يفيد أخبارها الواقع في الزمن السابق وبيت المقدس على شيء من ذلك الذي يختص به وإنما ذكروا في التواريخ أشياء في أماكن ورأيت الأنفس متشوق إلى شيء من هذا النمط الذي قصدت فعله العلماء كتب شيئًا يتعلق بالفضائل فقط وبعضهم تعرض لذكر الفتح وعمار بني أمي وبعضهم ذكر الفتح الصلاحي واقتصر عليه ولم يذكر بعده وبعضهم كتب تاريخًا تعرض فيه لذكر بعض جماع من أعيان مما ليس فيه كبير فائدة فأحببت ن أجمع بين ذكر البناء والفضائل وتراجم الأعيان وذكر بعض الحوادث المشهور ليكون تاريخًا كاملًا ﷾ المسؤول وهو المسؤول أن يمن علي بتيسير إتمامه» (^١).
ومع ضخامة الكتاب وتوسعه في تنوع مواضيعه فقد صرح المؤلف كتابه بأنه كان قد ابتدأ في جمعه في الخامس عشر من شهر ذي الحج ٩ هـ وفرغ من ترتبه وجمعه في دون أربع أشهر رغم العوارض التي صرفت عن الاستمرار في مشروعه مد شهر لم يكتب فيها شيئًا (^٢).
_________________
(١) هذا الكتاب ٥/ ١.
(٢) نفس المصدر ٣٨٣/ ٢.
[ المقدمة / ٢٥ ]
وكان من المنتظر أن يكون الكتاب بهذه السرعة مرتجلًا خفيف الوزن ولكنه برغم ذلك كله فإنه كتاب قيم ممتع يدل على سع اطلاع وبعد في التاريخ ولذا فلا نخشى إن ادعينا أنه من المصادر القيمة في بابه.
ويؤكد هذا المعنى ما قاله بعض الكتاب عنه «وظني إنه لم يصنف في مثله مثله ولم يوجد في بابه نظيره» (^١).
ورغم أن الكتاب طبع مرة واحدة في المطبعة الوهبية بمصر في عام ١٢٨٣ هـ في مجلدين عدد صفحاته ٧١٢ صفح بقطع الوسط فقد ترجم إلى الفرنسي - نظرًا لأهميته - قام بترجمته الأستاذ هنري سوفار وطبع في باريس عام ١٨٧٦ م (^٢).
وصرحت بعض المصادر بوجود نسخ مخطوط من هذا الكتاب في أكثر مكاتب أوروبا وكذلك توجد منه نسخ مخطوطة في دار الكتب المصرية تقع في ٤٤٠ صفح (^٣).
ولقد مر على طبع الكتاب قرن واحد ونفذ من الأسواق في ظرف هذه المد الطويلة لهذا فكر الأخ الفاضل الشيخ محمد كاظم الكتبي أن يعيد طبعه ثاني في سلسل مطبوعات (مكتبة الحيدرية) وبصورة بسيطة ليوفره لدى المسلمين نظرًا لما للكتاب من أهمية خاصة بالنسبة لمدينة القدس في الوقت الحاضر وهي تمر بدون خطير قد وضع الصهاينة الغاصبون يد الاحتلال على معالم هذه المدينة المقدسة قبلة المسلمين الأولى ومهبط الوحي ومثوى الأنبياء.
_________________
(١) الفوائد البهية في تراجم الحنفية: ١٦٨/ هامش ١.
(٢) معجم المطبوعات: ٣٥٨.
(٣) تاريخ آداب اللغة العربية: ١٩٨/ ٣.
[ المقدمة / ٢٦ ]
لقد شاء الأخ الناشر أن يعيد للأذهان المسلمة تاريخ هذه المدينة المقدسة بطبعه هذا الكتاب، وتداوله بين الناس، ويشعر الضمير الإنساني المسلم بأن المسلمين الذين يسكنون هذه البقعة الطاهرة هم الآن يرزحون تحت كابوس الاحتلال الصهيوني الغادر، فلا بد من أن يستيقظ العالم الإسلامي من غفوته، ويعمل على محو العار من عاتقه، وذلك بتحرير هذه البقعة الطاهرة من براثن اليهودية التي تضمر الحقد الأسود للإسلام والمسلمين من يوم «خيبر».
وليس من السهل على أمة تشعر بالكرامة أن تتناسي ماضيها الزاهر، وتتغاضى عن مجدها العظيم، وهي في قوتها وعزتها، فلا بد لها من جوله حاسمة لتطهر المدينة المقدسة من الأرجاس الصهاينة، لترابط حاضرها بماضيها، وتتم سجل التاريخ بالدم والتضحية، وما النصر إلا من عند الله.
وأخيرا أرجو أن يكون حسن الاختيار في طبع هذا الكتاب حليف الأخ الناشر، والله ولي التوفيق.
النجف الأشرف ١٤/ ١/ ١٣٨٨ - ١٢/ ٤/ ١٩٦٨ م
السيد محمد علي بحر العلوم
[ المقدمة / ٢٧ ]