روي عن وهب قال خلق الله نار السموم وهي نار لا حر لها ولا دخان ثم خلق الله منها الجان فذلك قوله تعالى (والجان خلقناه من قبل من نار السموم) وخلق الله خلقًا عظيمًا وسماه مارجًا وخلق منه زوجه وسماها مرجة فواقعها ولدت الجان وولد للجان ولد فسماه الجن فمنه تفرغت قبائل الجن ومنهم إبليس جن وكان يلد من الجان الذكر والأنثى ومن الجن كذلك توأمين فصاروا سبعين
[ ١ / ١٤ ]
ألفًا وتوالدوا حتى بلغوا عدد الرمل فتزوج إبليس امرأة من ولد الجان فكثر أولاده وانتشروا حتى امتلأت الأقطار منهم ثم أسكن الله الجان في الهواء وإبليس وأولاده في سماء الدنيا وأمرهم بالعباد والطاعة فكانت السماء تفتخر على الأرض بأن الله رفعها وجعل فيها ما لم يكن في الأرض.
فشكت الأرض إلى خالقها الوحشة إذ ليس على ظهرها خلق يذكرون الله فنوديت الأرض اسكني فإني خالق من أديمك صورة لا مثل لها في الجن وأرزقها العقل واللسان وأعلمها من علمي وأنزل عليها من كلامي فأملأ منها بطنك وظهرك وشرقك وغربك على مزاج ترتبك في الألوان والخيرية والشرية فافتخري يا أرض على السماء بذلك فاستقرت الأرض وهي مع ذلك بيضاء نقية كأنها الفضة البيضاء فأشرفت الجان على الأرض وقالت ربنا أهبطنا إلى الأرض فأذن الله لهم بذلك على أن يعبدون ولا يعصوه فأعطوه العهود على ذلك ونزلوا وهم ألوف فعبدوا الله حق عبادته دهرًا طويلًا.
ثم أخذوا في المعاصي وسفك الدماء حتى استغاثت الأرض منهم وقالت إن خلوي يا رب أحب إلي من أن يكون على ظهري من يعصيك فأوحى الله إليها أن اسكني فإني باعث إليهم رسلي.
قال كعب الأحبار فأول نبي بعثه الله من الجان نبيًا منهم يقال له عامر بن عمير بن الجان فقتلوه ثم بعث لهم من بعد عامر صاعق بن ماعق بن مارد بن الجان فقتلوه حتى بعث الله إليهم ثمانمائة نبي في ثمانمائة سنة في كل سنة نبيًا وهم يقتلونهم فلما كذبوا الرسل أوحى الله إلى أولاد الجن في السماء أن أنزلوا إلى الأرض وقاتلوا من فيها من أولاد الجان وعليهم إبليس اللعين فقاتلهم إبليس اللعين هو ومن كان معه حتى أدخلهم إلى بقعة من الأرض فاجتمعوا فيها فأرسل الله عليهم نارًا فأحرقهم وسكن إبليس الأرض مع الجن وعبد الله حق عبادته فكانت عبادته أكثر من عباداتهم كلهم ثم رفعه الله تعالى إلى سماء الدنيا لكثرة عبادته فعبد الله فيها ألف سنة حتى سمي فيها
[ ١ / ١٥ ]
العابد، ثم رفعه الله تعالى إلى السماء الثانية فعبد الله فيها ألف سنة ثم رفعه إلى مائة فعبد الله كذلك حتى رفعه إلى السماء السابعة فيقال إنه في يوم السبت يكون الأولى ويوم الأحد في الثانية حتى إذا كان يوم الجمعة يكون في السماء السابعة الله في كل سماء يومًا.
وكان إبليس لعنة الله بمنزلة عظيمة بحيث إذا مر به جبريل أو ميكائيل أو أحدهما من الملائكة يقول بعضهم لبعض لقد أعطى الله هذا العابد من القوة على طاعة ما لم يعط أحدًا من الملائكة فلما كان بعد ذلك بدهر طويل أمر الله تعالى جبريل ﵇ أن يهبط إلى الأرض ويقبض قبضة من شرقها وغربها ووعرها وسهلها ليخلق منها خلقًا جديدًا ليجعله أفضل الخلائق فعرف ذلك إبليس فهبط الأرض حتى وقف في وسطها وقال لها إني جئتك ناصحًا فقالت وما نصحك بابن العابدين وإمام الزاهدين؟ فقال لها إن الله يريد أن يخلق منك خلقًا يفضله من جميع خلقه وأخاف منه أن يعصيه فيعذبه وقد أرسل الله إليك جبريل فإذا جاءك فسمى عليه أن لا يقبض منك شيئًا.
فلما هبط جبريل ﵇ نادته الأرض وقالت يا جبريل بحق من أرسلك أَّلا تقبض مني شيئًا فإني أخاف أن يخلق الله مني خلقًا فيعصيه ذلك الخلق عذبه بالنار فارتعد جبريل من هذا القسم فرجع ولم يأخذ منها شيئًا فأخبر جبريل ربه بذلك فبعث الله ميكائيل ليأتيه بالقبضة فكانت حالته كحال جبريل بعث الله ملك الموت فلما هم أن يقبض ما أمره ربه أقسمت عليه أيضًا فقال ملك الموت ﵇ وعزة ربي لا أعصي له أمرًا فقبض منها قبضة من جميع أنواعها عذبها ومالحها وحلوها ومرها وطيبها وخبثها وكل ابن آدم مخلوق من تلك قبضة فلما رجع ملك الموت بالقبضة وقف في موقفه أربعين عامًا لا ينطق.
ثم أتاه النداء يا ملك الموت ما الذي صنعته؟ - وهو أعلم - فأخبره بقسمه
[ ١ / ١٦ ]