أقول - بالله التوفيق - لما توفي سيدنا موسى الكليم ﵇ قال بعد وفاته بتدبير بني إسرائيل يوشع وهو من ذرية يوسف بن يعقوب ﵉ وبعثه الله نبيًا وأمره بقتل الجبابرة فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحا الغور وأحاط بها ست اشهر فلما كان السابع نفخوا في القرون وضج الشعب ضجة واحدة فسقط السور فدخلوا وقاتلوهم وهجموا على الجبابرة فهزموهم وقتلوهم وكان يوم الجمعة
[ ١ / ١٠٣ ]
فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليل السبت فقال اللهم أردد الشمس علي وسأل المس أن تقف حتى ينتقم من أعداء الله قبل دخول السبت فوقفت الشمس وزيد في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين وتتبع ملوك الشام وإستباحهم وملك يوشع الشام وفرق عماله واستمر يدبر بني إسرائيل ثمانية وعشرون سنة.
ثم توفي يوشع وله من العمر مائة وعشرون سنة ودفن في كفل حارث وهي قرية من أعمال نابلس وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين لوفاة موسى وقيل إنه مدفون في المعرة.
ثم ولي على بني إسرائيل جماعة من الملوك واحد بعد واحد ولا حاجة إلى ذكر أسمائهم لأن المراد هنا الاختصار.
ثم ولي عليهم شمويل ﵇ وكان مولده بقرية لها سيلوا وقيل إنها القرية المشتهرة الآن بالسيلة من أعمال جبل نابلس وتنبأ بعد أنصار له من العمر أربعون سنة فدبر شمويل بني إسرائيل إحدى عشرة سنة ومنتهى هذه الإحدى عشرة سنة هي آخر سني حكام بني إسرائيل وقضاتهم فيكون انقضاء سني حكمهم في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة لوفاة موسى ﵇.
ثم حضر بنو إسرائيل إلى شمويل وسألوه أن يقيم فيهم ملكًا فأقام فيهم شاول وهو طالوت بن قيس من سبط بنيامين ولم يكن طالوت من أعيانهم قيل إنه كان راعيًا وقيل كان سقاء وقيل دباغًا فملك طالوت سنتين واقتتل هو وجالوت وكان جالوت من جبابرة الكنعانيين وكان ملكه بجهات فلسطين وكان من الشدة وطول القامة بمكان عظيم.
فلما برزوا للقتال طلب طالوت داود ﵇ وكان أصغر بني أبيه - وأمره بمبارزة جالوت بعد أن رأى فيه العلائم التي يستدل بها على إنه هو الذي يقتل جالوت وهي دهن كان يستدير على رأس من يكون فيه السر وأحضر أيضًا تنورًا حديدًا وقال الشخص الذي يقتل جالوت يكون ملأ هذا التنور فلما اعتبر داود ملأ
[ ١ / ١٠٤ ]
التنور واستدار الدهن على رأسه ولما تحقق ذلك منه بالعلام أمره طالوت أن يبارز جالوت فبارزه وقتل داود جالوت وكان عمر داود إذ ذاك ثلاثين سنة.
ثم بعد ذلك مات شمويل فدفنه بنو إسرائيل في الليل وناحوا عليه وكان عمره اثنين وخمسين سنة.
وأحب الناس داود ومالوا إليه بالمحبة فحسده طالوت حسدًا عظيمًا وقصد قتله مرة بعد أخر فهرب داود منه وبقي متحرزًا على نفسه ثم ندم طالوت بعد ذلك على ما كان منه في حق داود على ما قصد من قتله ثم إن طالوت قصد فلسطين للغزاة وقاتلهم حتى قتل هو وأولاده في الغزاة فيكون موته في أواخر سنة خمس وتسعين وأربعمائة لوفاة موسى ﵇.
ثم ملك بعد ذلك ولده أشر يوشت وكان ملكه على أحد عشر سبطًا من بني إسرائيل وخرج من حكمه سبط يهوذا بين يعقوب فقط فملكوا عليهم سيدنا داود وهو من ذرية يهوذا المذكور.
ثم ملك عليهم جميعهم داود ﵇ وهو داود بن بيشي بن عوفيل بن يوعز بن سلمون بن مجشون بن عينارات بن ردم ابن حضرون بن يارض بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇ وكان مقام داود يجبرون فلما استوثق له الملك ودخلت جميع الأسباط تحت طاعته وذلك في سنة ثمان وثلاثين من عمره انتقل إلى القدس الشريف ثم فتح في الشام فتوحات كثيرة من أرض فلسطين وغيرها من الأقاليم.
وكان لقمان الحكيم على عهد داود ﵇ وكان قاضيًا في بني إسرائيل وآتاه الله الحكمة ولم يكن نبيًا وقبره بقري صرفند ظاهر مدينة الرملة وعليه مشهد وهو مقصود للزيارة.
وقال قتادة قبره بالرملة ما بين مسجدها وسوقها.
وهناك قبور سبعين نبيًا ماتوا بعد لقمان جوعًا في يوم واحد أخرجهم
[ ١ / ١٠٥ ]
بنو إسرائيل من القدس فألجاؤهم إلي الرملة ثم أحاطوا بهم هناك فتلك قبورهم.
ولقد آتى الله داود ما نص عليه في كتابه العزيز قال تعالى (ولقد تينا داود منا فضلًا) يعني النبوة والكتاب وقيل الملك وقيل جميع ما أوتي من حسن الصوت وتليين الحديد وغير ذلك مما حض به وقوله تعالى (يا جبال أوبي معه - أي سبحي معه وقيل نوحي معه - والطير) عطف على موضع الجبال وقيل معناه وسخرنا أي أمرنا لطير أن يسبح معه فكان داود إذا نادى بالنياحة وأجابته الجبال بصداها وعكفت عليه الطير من فوقه فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك وقيل كان داود إذا تخلل الجبال فسبح الله تعالى جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح.
وقوله تعالى (وألنا له الحديد) حتى كان الحديد في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة وكان السبب في ذلك أن داود لما ملك بني إسرائيل كان من دعاته أن يخرج للناس متنكرًا فإذا رأى رجلًا لا يعرفه تقدم إليه يسأله عن داود ويقول له ما تقول في داود وإليكم هذا أي رجل هو؟ فيثنون عليه ويقولون خيرًا فقيض الله له ملكًا على صورة آدمي فلما رآه داود تقدم إليه على عادته وسأله فقال له الملك نعم الرجل هو لولا خصلة واحد فيه فراع داود ذلك وقال له ما هي يا عبد الله؟ قال إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال ويتقوت به.
فتنبه لذلك وسأل الله أن يسبب له شيئًا يستغني به عن بيت المال فيتقوت منه ويطعم عياله فألان الله له الحديد وعلمه صنعه الدروع وهو أول من اتخذها وقيل إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف درهم فيأكل ويطعم منه عياله ويتصدق منها على فقراء والمساكين ويقال إنه كان يعمل في كل يوم درعًا يبيعه بستة آلاف درهم فينفق منها ألفين على عياله وعل نفسه ويتصدق بأربعة آلاف درهم على الفقراء والمساكين من بني إسرائيل.
[ ١ / ١٠٦ ]
قال رسول الله ﷺ كان داود يأكل إلا من عمل يده.