عن رافع بن عميرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول قال الله ﵎ لداود يا داود ابن لي بيتًا في الأرض فبنى داود بيتًا لنفسه قبل البيت الذي أمره الله تعالى به فأوحى الله تعالى إليه يا داود بنيت بيتك قبل بيتي؟ قال أي رب هكذا قلت فيما قضيت من ملك استأثر ثم أخذ في بناء المسجد - يعني بيت المقدس -.
وعن وهب لما تاب الله ﷿ على داود ﵇ وكان قد بنى مدائن كثيرة وصلحت أمور بني إسرائيل أحب أن يبني بيت المقدس وعلى الصخرة قبة في الموضع الذي قدسه الله تعالى في إيليا وكان قد حسنت حال نبي إسرائيل
[ ١ / ١١٣ ]
وملؤا الشام وضاقت بهم فلسطين وما حولها فأحب داود ﵇ أن يعلم عددهم فأمر بإحصائهم على أنسابهم وقبائلهم فكثر عليهم فلم يطيقوا إحصاءهم.
وروى أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵇ لما كثر طغيان نبي إسرائيل إني أقسمت بعزتي لأبتلينهم بالقحط سنتين أو أسلط عليهم العدو شهرين أو الطاعون ثلاثة أيام فجمعهم داود وخيرهم بين إحدى الثلاث فقالوا أنت نبينا وأنت أنظر إلينا من أنفسنا فاختر لنا فقال أما الجوع فإنه بلاء فاضح لا يصبر عليه أحد وأما العدو والموت فإني أخبركم أن اخترتم تسليط العدو فإنه لا بقية لكم والموت بيد الله تعالى تموتون بآجالكم ففوضوا ذلك إلى الله تعالى فهو أرحم بكم.
فاختار لهم الطاعون وأمرهم أن يتجهزوا له ويلبسوا أكفانهم ويخرجوا نساءهم وإماءهم وأولادهم أمامهم وهم خلفهم على الصخرة والصعيد الذيبني عليه مسجد بيت المقدس وهو يومئذ صعيد واحد ففعلوا ثم نادوا يا رب اللهم إنك أمرتنا بالصدقة وأنت تحب المتصدقين فتصدق علينا برحمتك اللهم وقد أمرتنا أن لا نرد السائل إذا وقف على أبوابنا وقد جئناك سائلين فلا تردنا ثم خروا سجدًا من حين طلوع الصبح.
فسلط الله عليهم الطاعون من ذلك الوقت إلى أن زالت الشمس ثم رفعه عنهم ثم أوحى الله إلى داود ﵇ أن ارفعوا رؤوسكم فقد شفعتك فيهم فرفع داود رأسه ثم ناد إن ارفعوا رؤوسكم فرفعوا رؤوسهم وقد مات منهم مائة ألف وسبعون ألف أصابهم الطاعون وهم سجود فنظروا إلى الملائكة يمشون بينهم بأيديهم الخناجر.
ثم عمد داود ﵇ وارتقى الصخرة رافعًا يديه يحدث لله شكرًا ثم إنه جمع بني إسرائيل بعد ذلك وقال إن الله ﷾ قد رحمكم وعفا
[ ١ / ١١٤ ]
عنكم فأحدثوا الله شكرًا بقدر ما ابتلاكم فقالوا له مرنا بما شئت قال إني لا أعلم أمرًا أبلغ في شكركم من بناء مسجد على هذا الصعيد الذي رجمكم الله عليه فنبنيه مسجدًا تعبدوا الله فيه وتقدسوه أنتم ومن بعدكم قالوا نفعل سأل داود ربه فأذن له وأقبلوا على بنائه.
وروي أن الله تعالى لما أمر داود ﵇ أن يبني مسجد بيت المقدس قال يا رب وأين أبنيه؟ قال حيث ترى الملك شاهرًا سيفه قال فرآه داود في ذلك المكان فأسس قواعده ورفع حائطه فلما ارتفع انهدم فقال داود يا رب أمرتني أن أبني لك بيتًا فلما ارتفع هدمته فقال يا داود إنما جعلتك خليفتي في خلقي فلم أخذت المكان من صاحبه بغير ثمن؟ إنه سيبنيه رجل من ولدك.
وحكي في معنى هذا الأثر أن المكان كان لجماع من بني إسرائيل ولكل واحد منهم فيه حق فطلبه داود منهم فأنعم به البعض باللفظ والبعض بالسكوت ففهم داود من الساكتين الرضا وكان بعضهم غير راض في الباطن فحمل داود الأمر على ظاهره فبناه.
فجاء بعض أصحاب الحق إلى بني إسرائيل وقال لهم إنكم تريدون أن تبنوا على حقي وأنا مسكين وإنه موضع بيدري أجمع فيه طعامي فأرتفق بحمله إلى منزلي لقربه فإن بنيتم عليه أضررتم بي فانظروا في أمري فقالوا له كل من بني إسرائيل له مثل حقك وأنت ابخلهم فإن أعطيته طوعًا وإلا أخذناه على كره منك فقال أتجدون هذا في حكم داود؟ ثم انطلق وشكاهم إليه فدعاهم وقال لهم تريدون أن تبنوا بيت الله بالظلم ما أراكم يا يني إسرائيل تستكينون لله ﷿ ولا أرى إلا أن البلاء يضغطكم.
ثم قال داود أتطيب نفسك على حقك فتبيعه بحكمك؟ فقال ما تعطيني؟ قال أملأه لك إن شئت غنما وإن شئت بقرًا وإن شئت إبلا فقال يا نبي الله
[ ١ / ١١٥ ]
زدني فإنما تشتريه لله ﷿ فلا تبخل علي فقال داود احتكم فإنك لا تسألني شيئًا إلا أعطيتك فقال ابن لي حائطًا قدر قامتي ثم أملأه لي ذهبًا فقال له داود ﵇ نعم وهو في الله قليل.
فالتفت الرجل إلى نبي إسرائيل فقال هذا والله التائب الصادق المخلص ثم قال يا نبي الله قد علم الله ﷿ مني لمغفرة ذنب من ذنوبي وذنوب هؤلاء أحب إلي من ملء الأرض ذهبًا فكيف يظن هؤلاء إني أبخل عليهم وعل نفسي بما أرجو به المغفرة لذنوبي وذنوبهم ولكني جربتهم رحم لهم وشفقة عليهم وقد جعلته لله.
فاقبلوا على عمل مسجد بيت المقدس وباشر داود العمل بنفسه وجعل ينقل الحجر على عاتقه ويضعه بيده في موضعه ومعه أخبار بني إسرائيل.
وروى أن داود لما ابتدأه ورفعه قامة رجل أوحى الله إليه غني لم أقض ذلك على يديك ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه سليمان اقضي إتمامه على يديه وتوفي داود ﵇ قبل إتمامه وله سبعون سنة وقيل غير ذلك.
وأنزل الله عليه الزبور وهو مائة وخمسون سورة بالعبرانية في خمسين منها ما يلقونه من بخت نصر وفي خمسين منها ما يلقونه من الروم وفي خمسين مواعظ وحكم ولم يكن فيه حلال ولا حرام ولا حدود ولا أحكام.
وكانت وفاته في يوم السبت أواخر سنة خمس وثلاثين وخمسمائة لوفاة موسى ﵇ وملك داود أربعين سنة وأوصى قبل موته بالملك إلي سليمان ولده وأوصاه بعمارة بيت المقدس وعين لذلك عدة بيوت أموال تحتوي على جمل كثيرة من الذهب.
وعن كعب ووهب إن داود ﵇ أعد لبناء بيت المقدس مائة ألف بدرة ذهبًا وألف ألف بدرة ورقًا وثلاثمائة ألف دينار لطلاء البيت وذكر أن هذا مال لا تفي به المعادن.
قال وهب دفن داود بالكنيسة المعروف بالجيسمانية شرقي بيت المقدس
[ ١ / ١١٦ ]