لما توفي سليمان ﵇ ملك بعده ابنه رحبعم - بضم الراء والحاء المهملتين وسكون الباء الموحدة وفتح العين المهملة ثم الميم - وفي أيامه اختل نظام الملك وخرج عن طاعته عشرة أسباط ولم يبق تحت طاعته سوى سبطين وصار الأسباط العشر ملوكًا تعرف بملوك الأسباط واستمر الحال على ذلك نحو مائتين وإحدى وستين سنة.
وكان ولد سليمان في بني إسرائيل بمنزلة الخلفاء للإسلام لأنهم أهل الولاية وكان الأسباط مثل ملوك الأطراف والخوارج وارتحل الأسباط إلى جهات
[ ١ / ١٤٥ ]
فلسطين وغيرها بالشام واستقر ولد داود بالبيت المقدس.
واستمر رحبعم على ما استقر له من الملك وزاد في عمارة بيت لحم وغزة وصور وغير ذلك وعمر آيلة وجددها وملك سبعة عشر سنة ومات.
ثم ملك بعده ابنه افيا - بفتح الهمزة وكسر الفاء التي هي بين الألف والياء على مقتض اللغة العبرانية وتشديد الياء المثناة من تحتها ثم ألف - وكان مدة ملكه ثلاث سنين ومات.
ثم ملك بعده ابنه يهوشافاط - بفتح المثناة من تحتها وضم الهاء وسكون الواو وفتح الشين المعجمة وبعدها ألف ثم فاء وألف وطاء مهملة - وكان رجلًا صالحًا كثير العناية بعلماء بني إسرائيل وكانت مدة ملكه خمسًا وعشرين سنة ومات.
ثم ملك بعده ابنه يهورام - بفتح الياء المثناة من تحتها وضم الهاء وسكون الواو ثم راء مهملة ثم ألف وميم - وكانت مدة ملكه ثماني سنين ومات.
ثم ملك بعده ابنه احزياهو - بفتح الهمزة والحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة ثم المثناة من تحتها ثم ألف وهاء ثم واو - وكانت مدة ملكه سنتين ومات.
ثم كان بعد أحزياهو فترة بغير ملك وحكمت في الفترة المذكورة امرأة ساحرة أصلها من جواري سليمان ﵇ وأسمها عثلياهو - بفتح العين المهملة والثاء المثلثة وسكون اللام وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها ألف ثم هاء مضمومة ثم واو - يقال عثليا بغير هاء ولا والو وتتبعت نبي داود فأفنتهم وسلم منها طفل أخفوه عنها وكان اسم ذلك الطفل يواش بن احزبوا واستولت عثلياهو سبع سنين فيكون آخر الفترة وعدم عثلياهو في أواخر سنة ثمان وسبعين وستمائة لوفاة موسى ﵇.
ثم ملك بعد عثلياهو يؤاش وهو ابن سبع سنين ويؤاش - بضم الياء المثناة
[ ١ / ١٤٦ ]
من تحتها ثم همزة وألف وشين معجمة - وفي السنة الثالثة والعشرين من رمم بيت المقدس وجدد عمارته وملك أربعين سنة ومات.
ثم ملك بعده ابنه امصياهو - بفتح الهمزة والميم وسكون الصاد المهملة ومثناة من تحتها ثم ألف وهاء ثم واو - وملك تسعًا وعشرين سنة وقيل خمسة عشر سنة وقتل.
ثم ملك بعده ابنه عزياهو - بضم العين المهملة وتشديد الزاي المعجمة ثم مثناة من تحتها ثم ألف وهاء ثم واو - وملك اثنتين وخمسين سنة ولحقه البرص وتنغصت عليه أيامه وضعف أمره في آخر وقته وتغلب عليه ولده يوثم ومات.
ثم ملك بعده ابنه يوثم - بضم المثناة من تحتها وسكون الواو وفتح الثاء المثلثة ثم ميم - وفي أيامه كان يونس النبي ﵇ وملك ستة عشر سنة ومات.
ثم ملك بعده ابنه آخر - بهمزة ممدودة ممالة أيضًا وحاء مهملة مفتوح ثم زاي معجمة - ملك ستة عشر سنة ومات.
ثم ملك ابنه حزقيا - بكسر الحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة وكسر القاف وتشديد الياء المثناة من تحتها ثم ألف - وكان رجلًا صالحًا مظفرًا.
ولما دخلت السنة السادسة من ملكه انقرضت دولة الخوارج ملوك الأسباط - الذين نبهنا عليهم عند ذكر رحبعم بن سليمان - وانضم من بقي من الأسباط إلى حزقيا ودخلوا تحت طاعته وكان من الصلحاء الكبار.
وكان قد خرج عليه سنحاريب ملك بابل والموصل ونزل حول بيت المقدس في ستمائة راية فنصره الله وأهلك عسكر سنحاريب ووقع سنحاريب في أسره ثم أطلقه وسيره إلى بلاده.
وكان قد فرغ عمر حزقيًا موته بخمسة عشر سن فزاد الله في عمره خمسة عشر سنة وأمره أن يتزوج وأخبره بذلك نبي كان في زمانه وهو أشعيا ﵇ واشعيا هو الذي بشر بالنبي ﷺ وبشر بعيسى ﵇
[ ١ / ١٤٧ ]
وملك حزقيا تسعًا وعشرين سنة ومات.
ثم ملك بعده ابنه منشا - بميم ونون مفتوحتين وشين معجم مشددة وألف - وملك خمسًا وخمسين سنة ومات.
ثم ملك بعده ابنه يوشيا - بضم المثناة من تحتها وسكون الواو وكسر الشين المعجمة وتشديد المثناة من تحتها ثم ألف - ولما ملك أظهر الطاعة والعبادة وجدد عمارة بيت المقدس وأصلحه وملك يوشيا إحدى وثلاثين سنة ومات.
ثم ملك بعده ابنه يهوياخين - بياء مثناة من تحتها مفتوحة وهاء مضمومة وبعدها واو ثم ياء مثناة من تحتها مفتوح وبعدها ألف ثم خاء معجم مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة ثم نون - ولما ملك غزاه فرعون مصر - وهو الأعرج - فأخذ يهوياخين أسيرًا إلى مصر فمات بها وكانت مدة ملكه ثلاثة أشهر.
ولما أسر يهوياخين ملك بعده أخوه يهوياقيم - بفتح المثناة من تحتها وضم الهاء ثم واو ساكنة وياء مثناة من تحتها وألف وقاف مكسورة وياء مثناة من تحتها ساكنة وميم - وفي السنة الرابعة من ملكه تولى بخت نصر على بابل وكان ابتداء ولايته في سنة تسع وسبعين وتسعمائة لوفاة موسى ﵇.
وتفسير بخت نصر بالعبرانية عطا دوهو سطو سمي بذلك لتقريبه العلماء والحكماء وحبه أهل العلم.
واختلف المؤرخون فيه هل كان ملكًا مستقلًا بنفسه أم كان نائبًا للفرس والأصح عند الأكثر إنه كان نائبًا لملك اسمه لهراسف.
وبين ولاية بخت نصر والهجرة الشريفة ألف وثلاثمائة وتسع وستون سنة ومائة وسبعة عشر يومًا وقد مضى من الهجرة الشريفة إلى عصرنا تسعمائة سنة فيكون الماضي من ولاية بخت نصر إلى آخر سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة ألفين ومائتين وتسعًا وستين سنة وأيامًا.
وفي السنة الرابعة من ملكه - وهي السابعة من ملك يهوياقيم - سار بخت نصر
[ ١ / ١٤٨ ]
بالجيوش إلى الشام وغزا بني إسرائيل لما حصل منهم من التغيير والتبديل وفعل القبيح فلم يحاربه يهوياقيم ودخل تحت طاعته فأبقاه بخت نصر على ملكه.
ورجع بنو إسرائيل إلى الله تعالى وتابوا عن المعاصي فرد الله عنهم بخت نصر وبقى يهوياقيم تحت طاعته بخت نصر ثلاث سنين ثم خرج عن طاعته وعصاه فأرسل بخت نصر وأمسك يهوياقيم وأمر بإحضاره إليه فمات يهوياقيم في الطريق من الخوف فكانت مدته نحو إحدى عشرة سنة وانقضى ملكه في أوائل سنة ثمان لابتداء ملك بخت نصر.
ولما أخذ يهوياقيم المذكور إلى العراق استخلف مكانه ابنه يخنيو - بفتح المثناة من تحتها والخاء المعجمة وسكون النون وضم المثناة من تحتها ثم واو - فأقام موضع أبيه مائة يوم ثم أرسل بخت نصر من أخذه إلى بابل وأخذ معه أيضًا جماعة من علماء بني إسرائيل من جملتهم دانيال النبي وحزقيل النبي وهو من نسل هارون ﵇ وحال وصول يخينو سجنه بخت نصر،
ولم يبرح مسجونًا حتى مات بخت نصر.
ولما أمسك بخت نصر يخينو نصب مكانه على بني إسرائيل يخينو المذكور وهو صدقيا - بكسر الصاد المهملة وسكون الدال المهملة وكسر القاف وفتح الياء المثناة من تحتها مع التشديد وبعدها ألف - واستمر صدقيا تحت طاعة بخت نصر.
وكان أرميا النبي ﵇ في أيام صدقيا فبقى يعظه ويعظ بنى إسرائيل لما أحدثوا من المعاصى والطغيان ونقض التوبة ويهددهم ببخت نصر وهم لا يلتفتون إى وعظه.
وفي السنة التاسعة من ملك صدقيا عصى على بخت نصر. وكان أرميا النبي ﵇ قد رأى بخت نصر قديمًا وهو صبي أقرع ورآه يأكل ويتغوط ويقتل القمل فقال له ما هذا؟ فقال أذى يخرج ومنفعة تدخل وعدو يقتل فقال له سيكون لك شأن فأخذ أرميا من بخت نصر أمانًا لبيت المقدس ومن فيها وكتب لها الأمان فيجلد فلما صار الملك إلى بخت نصر وعصى عليه صدقيا - كما تقدم
[ ١ / ١٤٩ ]
قصد بخت نصر بيت المقدس فلما بلغ سهول الرملة وأعلم ارميا بذلك سار إليه وأعطاه الأمان فنظر هو قال هو أماني ولكني مبعوث وقد أمرت أن أرمي سهمي فحيثما وقع سهمي طلبت الموضع فرم بسهمه فوقع في قبة بيت المقدس فرجعا ارميا أهل بيت المقدس وأخبرهم بذلك.
ثم سار بخت نصر بالجيوش وكان معه ستمائة راية ودخل بيت المقدس بجنوده ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس وجنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابًا ثم يقذفه في بيت المقدس ففعلوا حتى ملؤه هكذا نقل البغوي في تفسيره.
والذي نقله الملك المؤيد صاحب حماه إنه جهز العساكر وبعث الجيش مع وزيره واسمه نبوز رذان - بفتح النون وضم الباء الموحدة وسكون الواو وفتح الزاي والراء المهملة وسكون الألف وفتح الذال المعجمة وسكون الألف وبعدها نون - إلى حصار صدقيا بالقدس فسار الوزير بالجيش وحاصر صدقيا مدة سنتين ونصف أولها عاشر تموز من السنة التاسعة لملك صدقيا أسيرًا وأخذ معه جملة كثيرة من بني إسرائيل وأحرق القدس وخربه وطرح فيه الجيف وهدم البيت الذي بناه سليمان وأحرقه واحتمل منه ثمانين عجلة ذهبًا وفضة وطرحه يومية وأباد بني إسرائيل قتلًا وتشديدًا وأعانه على خرابه الروم بغضًا لبني إسرائيل.
فكانت مدة ملك صدقيا نحو إحدى عشرة سنة وهو آخر ملوك بني إسرائيل وأما من تول بعده من بني إسرائيل بعد إعادة عمارة بيت المقدس فإنما كان له الرياسة ببيت المقدس فقط فيكون انقضاء ملوك بني إسرائيل وخراب بيت المقدس على يد بخت نصر سنة عشرين من ولايته تقريبًا وهي السنة التاسعة والتسعون وتسعمائة لوفاة موسى ﵇ وهي أيضًا سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة مضت من عمارة بيت المقدس وهي مدة لبثه على العمارة.
[ ١ / ١٥٠ ]
وهذه المرة التي ذكرها الله تعالى فقال (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوًا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادًا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولا) أي قضاء كائنًا لا خلف فيه.
وبين خراب بيت المقدس والهجرة الشريفة ألف وثلاثمائة وخمسون سنة وقد مض من الهجرة الشريفة تسعمائة سنة فيكون الماضي من خراب بيت المقدس إلى عصرنا هذا - وهو آخر سنة تسعمائة - ألفين ومائتين وخمسين سنة.
ولما غزا بخت نصر القدس وخربه وفعل ما تقدم ذكره هرب من بني إسرائيل جماعة وأقاموا بمصر عند فرعون الأعرج وأرسل بخت نصر إليه يطلبهم منه وقال هؤلاء عبيدي هربوا إليك فلم يسلمهم فرعون مصر وقال ليس هم بعبيدك وإنما هم أحرار وكان هذا هو السبب لقصد بخت نصر غزو مصر وقتل فرعون الأعرج وهرب منه جماعة إلى الحجاز وأقاموا مع العرب.
واستمر بيت المقدس خرابًا سبعين سنة.
وعن قتادة في قوله ﷿ (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسع في خرابها) قال هو بخت نصر وأصحابه خربوا بيت المقدس وأعانهم على ذلك الروم قال الله تعالى (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) قال وهو نصار لا يدخلون المسجد إلا مسارقة أن قدر عليهم عوقبوا (ولهم في الدنيا خزي) قال يعطون الجزية عن يد (وهم صاغرون).