وهذا المقام الكريم الذي هو داخل السور السليماني طوله في سعته قبلة بشمال من صدر المحراب الذي عند المنبر إلى صدر المشهد الذي به ضريح سيدنا يعقوب عليه
[ ١ / ٥٩ ]
السلام ثمانون ذراعًا بذراع العمل ينقص يسيرًا نحو نصف ذراع أو ثلثي ذراع تقريبًا وعرضه شرقًا بغرب من السور الذي به باب الدخول إلى صدر الرواق الغربي الذي به شباك يتوصل منه إلى ضريح سيدنا يوسف ﵇ أحد وأربعون ذراعًا ويزيد على ذلك يسيرًا نحو ثلث ذراعه أو نصف ذراع تقريبًا بذراع العمل المذكور وهو الذراع الذي تذرع به الأنبية في عصرنا هذا وسمك السور ثلاثة أذرع ونصف من كل جانب وعدة مداميكة في البناء خمسة عشر مدماكا من أعل الأماكن وهو الذي عند باب القلعة من جهة الغرب إلى القبلة وارتفاع البناء عن الأرض من المكان المذكور ست وعشرون ذراعًا بذراع العمل غير البناء الرومي الذي فوق السليماني ومن جمل الأحجار بالبناء السليماني حجر عند مكان الطبلخانه طوله أحد عشر ذراعًا بالعمل وعرض كل مدماك من البناء السليماني نحو ذراع وثلثي ذراع بالعملي وعل الصور المذكور منارتان إحداهما من جهة الشرق مما يلي القبلة والثاني من الغرب مما يلي الشمال وبناؤهما في غاية اللطف.
وأما صفة البناء الموجود بداخل السور على ما هو عليه في عصرنا وقد صار مسجدً كما تقدم القول فه فهو يشتمل على بناء معقود من داخل السور على نحو النصف من جهة القبلة إلى جهة الشمال والبناء من عهد الروم وهو ثلاثة أكوار الأوسط منها مرتفع عن الكورين الملاصقين له من جهة المشرق والمغرب والسقف مرتفع على أربعة أسوار محكمة البناء وبصدر هذا البناء المعقود تحت الكور الأعلى المحراب وإلى جانبه المنبر وهو من الخشب في غاية الإتقان والحسن وهذا المنبر عمل في زمن المستنصر بالله أبي تميم معد الفاطمي خليفة مصر بأمر بدر الجمالي مدبر دولته برسم مشهد عسقلان الذي زعمت الفاطمية أن به رأس الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄.
وكان عمل المنبر في سنة أربع وثمانين وأربعمائة وعليه تاريخ عمله مكتوب بالكوفي والظاهر إن الذي نقله ووضعه بمسجد الخليل ﵇ الملك الناصر
[ ١ / ٦٠ ]
صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ لما هدم عسقلان وهذا المنبر وجود إلى عصرنا هذا ويقابل ذلك دكة المؤذنين على عمد من رخام في غاية الحسن والرخام مستدير على حيطان المسجد من الجهات الأربع وهو من عمارة تنكر نائب الشام في سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة.
والقبور الشريفة بداخل السور منها تحت البناء المذكور قبر سيدنا إسحاق ﵇ إلى جانب السارية التي عند المنبر ويقابله قبر زوجته ربقة إلى جانب الساري الشرقية وهذا البناء له ثلاثة أبواب تنتهي إلى صحن المسجد أحدهما وهو الأوسط ينتهي إلى الحضرة الشريفة الخليلية وهو مكان معقود والرخام مستدير على حيطانه الأربعة وبه إلى جهة الغرب الحجرة الشريفة التي بداخلها القبر المنسوب لسيدنا إبراهيم الخليل ويقابله من جهة الشرق قبر زوجته سارة والباب الثاني من جهة الشرق عند باب السور السليمان يخلف قبر سارة والباب الثالث من جهة الغرب خلف قبر إبراهيم ﵇.
وإلى جانب محراب المالكية وينتهي هذا الباب إلى الرواق وفتح هذا الباب وعمر محراب المالكية الأمير شهاب الدين اليغموري ناظر الحرمين الشريفين ونائب السلطنة في دولة الملك الظاهر برقوق وفتح الشباك بالسور السليماني المتوصل منه إلى مقام السيد يوسف الصديق وعمر الاورقة مكان القلال التي كانت هناك ورتب قراءة سبع وشيخًا لقراءة البخاري ومسلم في الأشهر الثلاثة وذلك في شهر رمضان سن ست وتسعين وسبعمائة وبآخر الساحة التي بداخل السور السليماني من جهة الشمال الضريح المنسوب لسيدنا يعقوب وهو من جهة الغرب بحذاء قبر إبراهيم الخليل ﵇ ويقابله مكن جهة الشرق قبر زوجته ليقا.
وصحن المسجد المكشوف تحت السماء بين مقام الخليل ومقام يعقوب ﵉ والقباب المبنية على الأضرحة المنسوبة للخليل وزوجته سارة ويعقوب وزوجته ليقا أخبرت إنها من بناء بني أمية وجميع الأرض التي بداخل السور مما هو تحت
[ ١ / ٦١ ]
السقف وبالساحة السماوية مفروشة بالبلاط السليماني الذي رؤيته من العجائب لكبره وهيئته وبجوار قبر الخليل ﵇ من داخل البناء المعقود سفل الأرض مغارة تعرف بالسرادب بداخلها باب لطيف ينتهي إلى المنبر وقد نزل إليه بعض الخدام من مدة قريبة نحو السنة لسبب أوجب ذلك وهو إن شخصًا معتوه من الفقراء سقط فيه فنزل إليه جماعة من الخدام ودخلوا من هذا الباب فانتهى بهم الحال إلى المنبر تحت القبة التي على عمد الرخام بجوار بيت الخطابة وأخبرني الذي نزل أنه عاين سلمًا من حجر عدته خمسة عشر درجة مبني عند آخر هذا المغارة من جهة القبلة وقد سد بالبناء من آخره فالظاهر إن هذا الباب كان عند المنبر منه يتوصل إلى السرداب.
وبظاهر السور السور السليماني من جهة الشرق مسجد في غاية الحسن وبين السور السليماني وهذا المسجد الدهليز وهو معقود مستطيل عليه الأبهة والوقار والذي عمر هذا الدهليز والمسجد الأمير أبو سعيد سنجر الجاولي ناظر الحرمين الشريفين ونائب السلطنة فعرف هذا المسجد بالجاولية وهو من العجائب قطع في جبل ويقال إنه كان مقبرة يهود على هذا الجبل فقطعه الجاولي وجوفه وبنى السقف عليه القبة وهو مرتفع على اثني عشر سارية قائمة فيوسطه وقرش أرض المسجد حيطانه وسواريه بالرخام وعمل شبابيك حديد على آخره من جهة الغرب وهذا لمسجد طوله من البلة بشام ثلاثة وأربعون ذراعًا وعرضه شرقًا بغرب خمسة وعشرون ذراعًا بذراع العمل وكان الابتداء في عمارة هذا المسجد في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وانتهت العمارة في ربيع الآخر سنة عشرين وسبعمائة في دولة الملك ناصر محمد بن قلاوون ومكتوب في حائطه أن سنجر عمر ذلك من خالص ماله ولم ينفق شيئًا من مال الحرمين الشريفين.
وبجوار المسجد الجاولي من جهة القبلة المطبخ الذي يعمل فيه الدشيشة
[ ١ / ٦٢ ]
للمجاورين والواردين وعلى باب المطبخ تدق الطبلخانة في كل يوم بعد صلاة العصر عند تفرقة السماط الكريم.
وهذا السماط من عجائب الدنيا يأكل منه أهل البلد والواردين وهو خبز يعمل في كل يوم ويفرق في ثلاثة أوقات بكرة النهار وبعد الظهر لأهل المدينة وبعد العصر تفرقة عامة لأهل البلد والواردين، ومقدار ما يعمل فيه من الخبز كل يوم أربعة عشر ألف رغيف ويبلغ إلى خمسة عشر ألف رغيف في بعض الأوقات إذا كان عندهم زائر.
وأما سعة وقفه: فلا تكاد تنضبط. وأما سماطة الكريم فإنه لا يمنع منه أحد لا من الأغنياء ولا من الفقراء. وأما السبب في دق الطبلخانة كل يوم عند تفرقة السماط بعد العصر فيقال: ان الأصل في ذلك أن سيدنا إبراهيم ﵇ لما كانت تأتيه الضيوف ويصنع لهم ما يأكلون ويكونون جماعة متفرقين في المنازل التي أنزلهم فيها فإذا قصد اطعامهم دق لهم البطل ليعلموا أنه هيأ لهم الطعام فإذا سمعوا بادروا واجتمعوا لأكل سماطه. فصارت سنة بعده تعمل في كل يوم عند تفرقة السماط بحضرته الشريفة. وعلى باب المسجد الذي تدق عنده الطبلخانة المكان الذي يصنع فيه خبز السماط من الأفران والطواحين وهو مكان متسع يشتمل على ثلاثة أفران وستة أحجار للطحن، وعلو هذا المكان الحواصل التي يوضع فيها القمح والشعير ورؤية هذا المكان علوا وسفلا من العجائب فإنه يدخل إليه بالقمح فلا يخرج منه إلا وقد صار خبزا.
وأمام الاهتمام بعمل السماط من كثرة الرجال في تعاطي أسبابه من طحن القمح وعجنه وخبزه وتجهيز آلاته من الحطب وغيره والاعتناء بأمره فذلك من العجائب لا يكاد يوجد مثل ذلك عند ملوك الأرض. ولا يستكثر مثل ذلك في معجزات هذا النبي الكريم ﵊.
[ ١ / ٦٣ ]