أقول وبالله التوفيق إبراهيم خليل الرحمن وهو أبو الأنبياء الكرام من أولي العزم من المرسلين روي أنه أنزل الله عليه عشر صحف وكانت كلها أمثالًا وجعل له لسان صدق في الآخرين أي ثناء حسنًا فليس أحد من الأمم إلا يحبه وأكرمه الله تعالى بالخلة وجعل أكثر الأنبياء من ذريته وختم ذلك بسيد المرسلين محمد المصطفى ﷺ وشرف وكرم وإبراهيم هو ابن تارخ وهو آزر.
ولما أراد الله ﷿ أن يبعث السيد إبراهيم ﵇ حجة على قومه
[ ١ / ٢٣ ]
ورسولا إلى عباده رأى النمرود في منامه كأن كوكبًا قد طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع لذلك فزعًا شديدًا وجمع السحرة والكهنة وسألهم عن ذلك فقالوا له هو مولود يولد في ناحيتك هذه السنة ويكون هلاكك وذهاب ملكك على يده ويقال إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء ﵈ وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض أربعة مؤمنان وهما سليمان بن داود وذو القرنين وكافران وهما نمروذ وبخت نصر.
فنمروذ هو ابن كنعان بن كوش بن سام بن نوح وهو أول من وضع التاج على رأسه وتجبر في الأرض ودعا الناس إلى عبادته فلما أخبر نمروذ بذلك أمر بذبح كل غلام بولد في تلك الناحية تلك السنة وأمر بعزل الرجال عن النساء وجعل على كل حامل أمينًا فكانت الحامل إذا وضعت حملها فإن كان ذكرًا ذبحه وقيل إنه حبس جميع الحوامل إلا ما كان من أم إبراهيم فإنه لم يعلم حملها وعميت عنها الأبصار وخرج نمروذ يجمع الرجال إلى المعسكر ونحاهم عن النساء كل ذلك تخوفًا من ذلك المولود الذي أخبر به.
وقيل أن نمروذ لما خرج بعسكره بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها أحدًا من قومه سوى آزر وذلك قبل حمل أم إبراهيم به فبعث إلى آزر وأسر له حاجته وقال له أما إني لم أبعثك إلا لثقتي بك فأقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك فقال آزر أنا أشح على ديني منك ثم دخل آزر المدينة وقضى حاجته ثم بدا له الدخول على أهله لرؤية حالهم واصلاح شانهم فلما دخل الدار واجتمع بأهله حكم عليه نفوذ القدر فنسي ما التزم به للنمروذ فواقع زوجته وأسمها نونا وقيل غير ذلك فحملت بإبراهيم ﵇ فلما استقر في بطنها تنكست الأصنام وظهر نجم إبراهيم ﵇ وله طرفان أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب فلما رأى نمروذ ذلك النجم تحير وازداد خوفه.
ولما تم حمل إبراهيم وجاء لأمه الطلق أرسل الله تعالى إليها ملكًا على أحسن
[ ١ / ٢٤ ]
صورة وأجمل وجه من بني آدم فآنسها وسكن روعها وبشرها بولد يكون له شأن عظيم وهو خليل رب العالمين فلما ثقل عليها الحال قال لها انهضي معي فقامت معه وتبعته فتوجه بها حتى أدخلها غارًا هناك معمي عن الخلق فلما دخلت الغار وجدت فيه جميع ما تحتاجه وخفف الله تعالى عنها الطلق فوضعت إبراهيم الخليل عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ليلة الجمعة وكانت ليلة عاشوراء.
وكان مولده لمضي ألف وإحدى وثمانين سنة من الطوفان وكان الطوفان بعد هبوط آدم ﵇ بألفين ومائتين واثنين وأربعين سنة وبين مولد إبراهيم الخليل ﵇ والهجرة الشريفة النبوية ألفان وثمانمائة وثلاث وتسعون سنة على اختيار المؤرخين وقد مضى من الهجرة الشريفة إلى عامنا هذا تسعمائة سنة كاملة فيكون الماضي من مولد سيدنا إبراهيم الخليل إلى آخر تسعمائة من الهجرة الشريفة ثلاثة آلاف وسبعمائة وثلاث وتسعون سنة والاختلاف في ذلك كثير.
فلما سقط إلى الأرض نزل جبريل ﵇ وقطع سرته وأذن في أذنه وكساه ثوبًا أبيض ثم عاد بأمه الملك إلى مكانها وتركت ولدها في الغار.
ولما طالت غيبة نمروذ عن أرضه وبلاده عاد إلى تدبير ما كان قد أهمه فبينما هو جالس ذات يوم على سريره وإذا هو بالسرير قد انتفض من تحته انتفاضًا شديدًا فسمع نمروذ هاتفًا يقول تعس من كفر بآله إبراهيم فقال لآزر هل سمعت ما سمعت؟ قال نعم قال فمن هو إبراهيم؟ قال آزر إني لا أعرفه فأرسل للسحرة والكهنة يدلوك عليه فأرسل نمروذ خلف السحرة والكهنة وسألهم عن ذلك فلم يخبروه بشيء مع علمهم به وكان ذلك في يوم ولادته ثم توالت على نمروذ الهواتف حتى نطقت الوحوش والطيور بمثل ذلك فكان نمروذ لا يمر بمكان إلا ويسمع قائلًا يقول تعس من كفر بآله إبراهيم فازداد همه ورأى رؤيا هائلة في منامه وذلك إنه رأى القمر قد طلع من ضلع آزر وبقى نوره كالعمود الممدود بين السماء والأرض وسمع قائلًا يقول قد جاء الحق وزهق الباطل فنظر إلى الأصنام فوجدها كلها منكسة
[ ١ / ٢٥ ]
على رؤسها فاستيقظ النمروذ من منامه فزعا خائفا مرعوبا فقص رؤياه على آزر فخاف آزر على نفسه منه وقال إنما ذلك لكثرة عبادتي لها.
وكان نمروذ بليدا جبانا فرضى بقول آزر وسكت ثم بدا له الدخول إلى البلد فلما دخلها دخل آزر على الأصنام وكان هو القيم لها فلما وقع نظره عليها تساقطت عن كراسيها فسجد آزر حين رأى ذلك وأنطقها الله تعالى وقالت يا آزر جاء الحق وزهق الباطل ووافي نمروذ ما كان يحذره فدخل آزر بيته وكان قد توهم في زوجته إنها حامل فلما رآها وهي نشطة سألها عن حالها فقالت إن الذي كان ببطني لم يكن ولدا وإنما كان ريحا وقد تصرف عني فصدقها على ذلك وألقى الله تعالى على نمروذ النسيان لأمر إبراهيم فكانت أمه تتوجه إلى الغار في كل ثلاثة أيام مرة لترى حال ولدها فتراه في أحسن هيئة فتوجهت إليه مرة فرأت الوحوش والطيور على باب المغارة فخافت واضطربت وظنت أن ولدها قد هلك فلما دخلت عليه وجدته بخير وعافية وهو جالس على فراش من السندس وهو مدهون مكحول بأحسن حال فلما رأت ذلك منه ازدادت فيه محبة وعظمته وعلمت إن له شانا عظيما وان له ربا يحرسه ويتولاه فنظرت إليه فوجدته يمص في أصابعه فوجدت يخرج له من إصبع لبن ومن إصبع عسل ومن إصبع سمن ومن إصبع ماء صلوات الله وسلامه عليه وكان يشب شبا لا يشبه أحدا من الغلمان يومه كالشهر وشهره كالسنة.
ولم يمكث في الغار سوى خمسة عشر شهرا وتكلم فقال لامه يوما يا أماه من ربي؟ قالت أنا فقال لها ومن ربك؟ فقالت له أبوك قال فمن رب أبى؟ قالت نمروذ قال فمن رب نمروذ؟ فلطمته لطمة وقالت له اسكت فسكت ورجعت إلى زوجها وقالت له يا آزر أرأيت الغلام الذي يتحدث به أنه يغير دين أهل الأرض؟ قال لا قالت أنه هو ابنك ثم أخبرته بأمره وبمكانه فاتاه أبوه ونظره وفرح به وقال له أنت ولدي؟ فقال إبراهيم نعم يا أبت ثم قال إبراهيم يا أبتاه من ربي؟ قال أمك قال فمن رب أمي؟ قال أنا قال فمن ربك؟ قال نمروذ
[ ١ / ٢٦ ]
قال فمن رب نمرود؟ فلطمه لطمة كادت أن تخرج عينيه وقال له اسكت وذلك قوله تعالى (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين).
ثم إن إبراهيم قال لامه يوما أخرجيني من الغار فأخرجته عشاء فلما خرج نظر وتفكر في خلق السماوات والأرض ثم قال إن الذي خلقني ورزقني ويطعمني ويسقيني لربي ما لي إله غيره ثم نظر إلى السماء فرأى كواكبها ورأى كوكبا فقال هذا ربي ثم اتبعه بصره حتى غاب وهو ينظر إليه فلما غاب قال لا أحب الآفلين وهذا يدل على كمال عقله وعلمه إذ الآفل لا يجوز أن يكون إلهًا ثم رأى القمر بازغا قال هذا ربي فاتبعه بصره حتى غاب فسئمه وقال أن لا أحب الآفلين ورجع بفكره متوجها إلى ربه وقال (لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين) ومعنى قوله ﷺ لئن لم يهدني ربي أن الهداية والتوفيق بيده سبحانه ثم طلعت الشمس فقال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت سئمها وتوجه إلى ربه بقلب سليم ووجه وجهه للحق بالصدق واليقين ونادى على قومه بالشرك المبين (وقال يا قوم إني بري مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين) فنقله الله تعالى من علم اليقين إلى عين اليقين.
ثم إن أباه ضمه إليه فشب شبابا حسنا ولم يزل ﷺ مجملا في جميع أحواله حتى أكرمه الله تعالى بما أكرمه من الآيات البينات والكرامات الباهرات ثم ألبسه خلعة الخلة وجعله من أولي العزم من الرسل وجعله أبا الأنبياء وتاج الأصفياء ونصرة أهل الأرض وشرف أهل السماء.
وكان مولده ﵇ بكوثا من إقليم بابل من ارض العراق على أرجح الأقوال وكان آزر أبو إبراهيم يصنع الأصنام ويغطيها لإبراهيم لبيعها فكان إبراهيم يقول من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها أحد فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر فصوب فيه رؤسها وقال لها اشربي استهزاء بقومه وبما هم فيه من الضلالة حتى فشا استهزاؤه بها في قومه وأهل قريته فحاجه قومه في دينه فقال لهم:
[ ١ / ٢٧ ]
أتحاجوني في الله وقد هداني للتوحيد والحق ولا أخاف ما تشركون به وذلك أنهم قالوا له احذر الأصنام فأنا نخاف إن تمسك بسوء من خبل أو جنون لسبك إياها فقال لهم لا أخاف ما تشركون به إلا إن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أي أحاط علمه بكل شيء أفلا تتذكرون.
ثم لما أمر الله تعالى إبراهيم ﵇ إن يدعو قومه إلى التوحيد دعا أباه فلم يجبه ودعا قومه وفشا أمره واتصلت أخباره بنمروذ وهو ملك تلك البلاد ثم جاهد إبراهيم قومه بالبراءة مما كانوا يعبدون واظهر دينه وقال (أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العلمين) فقالوا له فمن تعبد أنت قال رب العالمين قالوا نحن ربنا نمروذ قال (أنا عبد الله الذي خلقني فهو يهديني والذي هو يطعمني ويسقيني وإذا مرضت فهو يشفيني والذي يميتني ثم يحييني والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حكما والحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبى إنه كان من الضالمين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم).
قال ففشا ذلك الخبر في الناس حتى بلغ النمروذ فدعاه إليه وقال يا إبراهيم أرأيت الملك الذي بعثك وتدعو الناس إلى عبادته وتذكر عظيم قدرته ما هو فقال له إبراهيم هو ربي الذي يحيي ويميت فقال نمروذ أنا أحيي وأميت قال إبراهيم كيف تحيي وتميت قال أخذ رجلين قد استوجبا القتل في حكمي فاقتل أحدهما فأكون قد أمته ثم أعفو عن الأخر فاتركه فأكون قد أحييته قال فانتقل إبراهيم إلى حجة أخرى أعجز فان حجته كانت لازمة لأنه أراد بالإحياء أحياء الميت فكان له إن يقول فأحي من أمت إن كنت صادقا فانتقل إلى حجة أخري أوضح من الأولي (فقال إبراهيم إن الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب فبهت الذي كفر) أي تحير واندهش وانقطعت حجته.
[ ١ / ٢٨ ]
ولما أراد إبراهيم ﵇ ان يرى قومه ضعف الذي كانوا عليه وضعف الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى وعجزها إلزاما للحجة عليهم فجعل ينتظر لذلك فرصة إلى أن حضر عيد لهم وكان لهم في كل سنة عيد يخرجون إليه ويجتمعون فيه وكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فيسجدون لها ثم يعودون إلى منازلهم.
فلما كان ذلك العيد قال آزر أبو إبراهيم لإبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا فخرج معهم فلما كان في بعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم فقعد ومضوا وهو صريع فلما مضوا نادى في أخرهم وقد بقي ضعفاء الناس (تالله لأكيدن أصنامكم بعد إن تولوا مدبرين) فسمعوا كلامه ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة فإذا هم قد جعلوا طعاما فوضعوه بين أيدي الآلهة وقالوا إذا رجعنا تكون قد باركت الآلهة في طعامنا فنأكله.
فلما نظر إبراهيم ﵇ إلى الأصنام والى ما بين أيديهم من الطعام قال لهم على طريق الاستهزاء (ألا تأكلون)؟ فلم يجبه أحد منهم فقال لهم (مالكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين) وجعل يكسرهم بفاس في يده حتى لم يبق منهم إلا الصنم الكبير فعلق الفأس في عنقه ثم خرج فذلك قوله تعالى (فجعلهم جذاذًا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون).
فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتم ورأوا أصنامهم جذاذا إلا كبيرا لهم (قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين) أي المجرمين قال الذين سمعوا كلام إبراهيم حيث قال وتالله لأكيدن أصنامكم بعد إن تولوا مدبرين سمعنا فتى يذكرهم يعيبهم ويسبهم يقال له إبراهيم وهو الذي نظن أنه فعل هذا بآلهتنا فبلغ ذلك نمروذ الجبار وأشراف قومه قالوا (فأتوا به على أعين الناس أي ظاهرا لعلهم يشهدون) عليه انه الذي فعله كرهوا أن يأخذوه بغير بينة فلما أتوا به (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا)
[ ١ / ٢٩ ]
غضب من أن تعبدوا معه هؤلاء الصغار وهو أكبر منهم فكسرهم وأراد إبراهيم ﵇ بذلك إقامة الحجة عليهم فذلك قوله تعالى (فاسألوهم إن كانوا ينطقون) حتى يخبروا من فعل بهم ذلك.
روى أبو هريرة ﵁ ان رسول الله ﷺ قال لم يكذب إبراهيم ﷺ إلا ثلاث كاذبات ثنتان منهن في ذات الله ﷿ قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وقوله لسارة هذه أختي وليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله وإنما إطلاق الكذب علي هذا تجوز ويجوز أن يكون الله تعالى قد أذن له في ذلك لقصد الصلاح وتوبخهم والاحتجاج عليم كما إذن ليوسف ﵇ حيث أمر مناديه فقال لأخوته (أيتها العير إنكم لسارقون) ولم يكونوا سرقوا فرجعوا إلى أنفسهم أي تفكروا بقلوبهم ورجعوا إلى عقولهم فقالوا ما نراه إلا كما قال إنكم أنتم الظالمون يعني بعبادتكم من لا يتكلم ثم نكسوا على رؤسهم أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم (وقالوا لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) فكيف نسألهم؟.
فلما اتجهت الحجة عليهم لإبراهيم ﵇ قال (أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا) إن عبد تموه ولا يضركم أن تركتم عبادته (أف لكم أي نتنًا لكم وقذرا لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب (قالوا احرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين) أي إن كنتم ناصرين لها.
فلما جمع نمروذ قومه لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا بنيانا كالحضيرة قيل طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وملؤه من الحطب وأوقدوا فيه النار ليطرحوه فيه فلم يطيقوا لشدة حر النار ان يقربوها ولا علموا كيف يلقوه فيها فجاء إبليس وعلمهم عمل المنجنيق فعملوه ثم عمدوا إلى إبراهيم الخليل ﵊ فرفعوه على رأس البنيان وقيدوه ثم وضعوه في المنجنيق
[ ١ / ٣٠ ]
مقيدًا مغلولا والقوة في النار فكانت عليه بردا وسلاما.
ولما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه وقال يا إبراهيم أن أردت أن أخمد لك النار أخمدتها فقال لا ثم أتاه خازن الرياح وقال له إن شئت طيرت لك النار في الهواء فقال إبراهيم ﵇ لا حاجة لي بكم حسبي الله ونعم الوكيل.
ولما القي في النار كان ابن ستة عشر سنة وقد مدحه الله في كتابه العزيز بقوله تعالى (وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) والكلمات التي ابتلاه الله بها من أجل شرائع الإسلام وأعز ما امتحن به أهل الإيمان ولذلك مدحه الله تعالى بقوله (وإبراهيم الذي وفى) ومعنى النوفية هو الإتمام لما طلب به في دينه وماله ونفسه وولده فأتم الجميع على الوجه المطلوب ولما صنع له نمروذ المنجنيق وألقاه في النار ظهر تحقيق الابتلاء وصدق الولاء وذلك أنه لما نزل به من عدوه ما نزل ووضع في المنجنيق استغاثت الملائكة قائلة يا رب هذا خليلك قد نزل به من عدوك ما أنت اعلم به فقال الله تعالى لجبريل اذهب إليه فان استغاث بك فأغثه وإلا فاتركني وخليلي فتعرض له جبريل وهو يقذف به في لجة الهواء إلى النار وقال له هل لك من حاجة فقال أما إليك فلا وأما إلى الله فبلي قال جبريل فسل ربك فقال إبراهيم حسبي من سؤالي علمه بحالي.
ولم يستعن بغير الله ولا جنحت همته لما سوى الله تعالى بل استسلم لحكمه مكتفيًا بتدبيره عن تدبير نفسه فأثنى الله تعالى عليه بقوله (وإبراهيم الذي وفى) فقال الله تعالى للنار كوني بردا وسلامًا على إبراهيم ونجاه من النار.
قال كعب الأحبار ﵁ فجعل كل شي يطفئ عنه النار إلا الوزغ فإنه كان ينفخ في النار قال الثعلبي رضي الله فلذلك أمر النبي ﷺ بقتلها وسماها فويسقة.
وعن علي ﵁ أنه قال: أن البغال كانت تتناسل وكانت
[ ١ / ٣١ ]
أسرع الدواب في نقل الحطب لنار إبراهيم فدعا عليها إبراهيم فقطع الله نسلها وقال بعض العلماء لو لم يقل الله سبحانه «وسلامًا» لأهلكه بردها انه لم يبق في ذلك الوقت نار تشتعل بمشارق الأرض ولا بمغاربها إلا خمدت إنها المعنية بالخطاب.
وكان إبراهيم حين وضع في المنجنيق ورمي به جردت عنه ثيابه ولم يترك روى السراويل فقصد بعض السفهاء أن ينزع السراويل عنه فشلت يداه وكان بقيود فتلقاه جبريل ﵇ ولم يضره ألم الهوى فلما استقر علي الأرض إذ ذاك جمر احمر تتلهب وتتوقد فلم يؤثر فيه شي من حرارتها وظهر للناظرين الأرض التي سقط عليها مخضرة مونقة وجليسه جليس صالح حسن الوجه كأحسن ما رآه راء ثم ألبسه قميصًا من ثياب الجنة وفك قيده وآنسه جليسه ربك يقرئك السلام ويقول لك أما علمت إن النار لا تضر أحبابي؟ لخليل ﵇ حسبي الله ونعم الوكيل.
وكان ﵇ أول من جرد ثيابه في سبيل الله تعالى فلذلك كساه الله المحل قميصًا من الجنة وادخر له كسوة يكتسي بها أول الخلق يوم القيامة لك وهو بمشهد من الخلق ينظرون إليه فلما رآه قومه وقد أكرمه الله بما به آمن بالله جمع كثير في السر خوفًا من نمروذ.
وخرج إبراهيم من مكانه وهو يمشي وفارقه جبريل ﵇ فأقبل نحو فأرسل إليه نمروذ يسأله عن كسوته وعن رفيقه فقال له انه ملك أرسله في وقص عليه قصته فقال له نمروذ إن إلهك الذي تعبده لا له عظيم مقرب قربانا إليه وذلك لما رأيت من عزته وقدرته فيما صنع بك حين أبيت عبادته فقرب أربعة آلاف بقرة ثم احترم إبراهيم بعد ذلك وكف عنه.
وقد عذب الله النمروذ بإرسال البعوض عليه وعلى حاشيته وجيوشه فأكلت ولم وشربت دماءهم وتركتهم عظامًا ودخلت واحدة منها في منخر الملك نمروذ
[ ١ / ٣٢ ]
فلبثت في منخره أربعمائة سنة عذب الله تعالى فكان رأسه بالمرازب في تلك المدة كلها حتى أهلكه الله تعالى بها وسلط الله على مدينة كوثا الزلازل حتى خربت.
قال الثعلبي ﵁ لما حاجة إبراهيم في قال نمروذ إن كان ما تقوله حقًا فلا انتهي حتى اعلم ما في السماوات فبني صرحًا عظيماَ ببابل ورام الصعود منه إلى السماء لينظر إلى إله إبراهيم ﵇.
واختلف في طول الصرح في السماء فقيل خمسة آلاف ذراع وقيل فرسخان.
ثم عمد إلى أربعة أفراخ من النسور فأطعمها اللحم والخبز حتى كبرت ثم قعد في تابوت ومعه غلام له قد حمل القوس والنشاب معه وجعل لذلك التابوت بابًا من أعلاه وبابًا من أسفله ثم ربط التابوت بأرجل النسور وغلق اللحم علي عصى فوق التابوت ثم خلى عن النسور فطارت النسور طمعًا في اللحم حتى أبعدت في الهواء وحالت الريح بينها وبين الطيران فقال لغلامه افتح الباب الأعلى فانظر ففتحه فإذا السماء كهيئتها وفتح الباب الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة ونودي أيها الطاغي أين تريد فعند ذلك أمر غلامه فرمى سهمًا فعاد السهم إليه وهو ملطخ بالدم فقال كفيت شر إله السماء.
واختلف في ذلك السهم بأي شي تلطخ فقيل سمكة في السماء من بحر معلق في الهواء وقيل أصاب طيرا من الطيور فتلطخ بدمه.
ثم أمر نمروذ غلامه إن يصوب العصي وينكس اللحم ففعل ذلك فهبطت النسور بالتابوت فسمعت الجبال خفقان هبوط التابوت والنسور ففزعت وظنت انه قد حدث في السماء حادث أو إن الساعة قد قامت فذلك قوله تعالى (وان كان مكرهم لتزول منه الجبال).
ثم أرسل الله تعالى على صرح نمروذ ريحًا فألقت رأسه في البحر وانكفأت بيوتهم وأخذت نمروذ الرجفة وتبلبلت ألسن الناس حين سقط الصرح من الفزع فتكلموا بثلاث وسبعين لسانًا فلذلك سميت بابل لتبلبل الألسنة بها.
[ ١ / ٣٣ ]
واستجاب لإبراهيم ﵇ جماعة من قومه حين رأوا صنع الله ﷿ من برد النار وغير ذلك من المعجزات فآمن به لوط وهو ابن أخيه وآمنت به سارة زوجته وقد ذكر المؤرخون والمفسرون قصة إبراهيم ﵇ مع نمروذ وأخباره وما وقع له بأبسط من هذا والغرض في هذا الكتاب الاختصار والله المستعان.