(وقع لسيدنا عيسى بن مريم ﵇ وصعوده إلى السلام وملخص ما وقع لزكريا ويحيى ﵉
أقول - وبالله التوفيق - إن سيدنا زكريا من ولد سليمان بن داود ﵉ وكان نبيًا وقد ذكره الله في القرآن وكان نجارًا وهو الذي كفل مريم بنت عمران بن ماثان من ولد سليمان بن داود وكانت أم مريم اسمها حنة وكان زكريا متزوجًا بأخت حنة واسمها ايساع وكانت زوجة زكريا خالة مريم ولذلك كفل زكريا مريم وسنذكر ذلك.
وأرسل الله جبريل ﵇ فبشر زكريا بيحيى مصدقًا بكلمة من الله يعني عيسى ابن مريم ثم أرسل الله تعالى جبريل ﵇ فنفخ في جيب مريم
[ ١ / ١٥٨ ]
فحملت بعيسى ﵇ وكانت قد حملت خالتها ايساع بيحيى وولد يحي قبل عيسى بستة أشهر ثم ولدت مريم عيسى.
فلما علمت اليهود أن مريم ولدت من غير بعل اتهموا زكريا بها وطلبوه فهرب واختفى في شجرة عظيمة فقطعوا الشجرة وقطعوا زكريا معها وكان عمر زكريا حينئذ نحو مائة سنة وكان قتله بعد ولادة المسيح وكانت ولادة المسيح لمضي ثلاثمائة وثلاث سنين للإسكندر ويأتي تحرير تاريخ مولده قريبًا فيكون مقتل زكريا بعد ذلك بيسير.
وأما يحي ابنه فإنه نبئ وهو صغير ودعا الناس إلى عباد الله تعالى ولبس الشعر واجتهد في العبادة حتى نحل جسمه.
وكان عيس ابن مريم قد حرم نكاح بنت الأخ وكان لهردوس - وهو الحاكم على بني إسرائيل - بنت أخ وأراد أن يتزوجها كما هو جائز في ملة اليهود فنهاه يحيى عن ذلك فطلبت أم البنت من هردوس أن يقتل يحيى فلم يجبها إلى ذلك فعاودته وسألته البنت أيضًا وألحت عليه فأجابهما إلى ذلك وأمر بيحيى فذبح ووضع رأسه بين يدي هردوس.
فكان الرأس يتكلم ويقول لا تحل لك.
واستمر غليان دمه فأمر بتراب فألقي عليه فما ازداد إلا انبعاثًا فبعث الله عليهم ملكًا من جهة المشرق يقال خردوس فقتل منهم على دم يحيى سبعين ألفًا إلى أن سكن دمه.
وزعم قوم أن بخت نصر هو الذي غزاهم وقتلهم على دم يحي، وليس بصحيح لأن بخت نصر خرب بيت المقدس من قبل ولادة يحيى بنحو خمسمائة سنة وكتان قتل يحي قبل رفع المسيح بمدة يسيرة لأن عيسى ﵇ إنما ابتدأ بالدعوة لما صار له ثلاثون سنة ولما أمره الله تعالى أن يدعو الناس إلى دين النصارى غمسه يحي في نهر الأردن ولعيسى نحو ثلاثين سنة فخرج من نهر الأردن
[ ١ / ١٥٩ ]
وابتدأ بالدعوة وجميع ما لبث عيسى بعد ذلك ثلاث سنين فذبح يحيى كان قبل رفع المسيح بنحو سنة ونصف.
قال قتادة وكان رفعه بعد نبوته بثلاث سنين.
والنصارى تسم سيدنا يحي يوحنا المعمدان لكونه عمد المسيح كما ذكر وكان يحيى ﵇ لا يأتي النساء لأنه لم يكن له ما للرجال فلذلك سماه الله تعالى (سيدًا وحصورًا) كذا قيل وهو غير مرضي وقد تكلم القاضي عياض في الشفاء على معنى ككون يحيى حصورًا بما حاصله إن هذا الذي قيل نقيضه وعيب لا يليق بالأنبياء وإنما معناه إنه معصوم عن الذنوب لا يأتيها كأنه حصر عنها أو إنه حصر نفسه عن الشهوات فمنعها.
ويأتي ذكر الخلاف في محل قبره وقبر والده زكريا عند ذكر قبر مريم ﵇ وأما مريم فاسم أمها حنة زوجة عمران وكانت حنة لا تلد واشتهت الولد فدعت بذلك ونذرت إن رزقها الله ولدًا جعلته من خدمة بيت المقدس.
فحملت حنة وهلك زوجها عمران وهي حاملة فولدت بنتًا وسمتها مريم ومعناها العابدة قال الله تعالى - مخبرًا عن أمها - (وليس الذكر كالأنثى) أي لخدمة بيت المقدس ولما يلحقها من الحيض والنفاس وعدم الصيانة عن التبرج للناس ثم حملتها وأتت بها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار وقالت دونكم هذه المنذورة.
فتنافسوا فيها لأنها بنت عمران - وكان من أئمتهم - فقال زكريا أنا أحق بها لأن خالتها زوجتي فأخذها زكريا وضمها إلى ايساع خالتها.
ولما كبرت مريم بن لها زكريا غرفة في المسجد وانقطعت في تلك الغرفة للعبادة وكان لا يدخل على مريم غير زكريا فقط قال الله تعالى (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا - فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف قال يا مريم من أين لك هذا هو من عند الله يرزق من يشاء بغير حساب).
[ ١ / ١٦٠ ]
وأرسل الله جبريل فنفخ في جيب مريم فحملت بعيسى وولدته في بيت لحم وهي قري قريبة من بيت المقدس سنة أربع وثمانمائة لغلبة الإسكندر وبين مولد سيدنا عيس ﵇ والهجرة الشريفة النبوية المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ستمائة وإحدى وثلاثون سنة وقد مض من الهجرة الشريفة إلى عصرنا هذا تسعمائة سنة فيكون الماضي من مولد المسيح إلى خر سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة ألفًا وخمسمائة وإحدى وثلاثين سنة.
ولما جاءت مريم بعيسى تحمله قال لها قومها (لقد جئت شيئًا فريا) وأخذوا الحجارة ليرجموها فتكلم عيسى وهو في المهد معلقًا في منكبها (قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركًا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة) فلما سمعوا كلام ابنها تركوها.
ثم إن مريم أخذت عيس وسارت به إلى مصر وسار معها البن عمها يوسف ابن يعقوب ابن ماثان النجار وكان حكيمًا ويزعم بعضهم إن يوسف المذكور قد تزوج بمريم لكنه لم يقربها وهو أول من أنكر حملها ثم علم وتحقق براءتها وسار معها إلى مصر وأقاما هناك اثني عشر سنة.
ثم عاد عيس وأمه إلى الشام ونزلا الناصرة وبها سميت النصارى وأقام بها عيسى حتى بلغ ثلاثين سنة.
فأوحى الله إليه وأرسله للناس وسار إلى الأردن وهو نهر الغور المسمى بالشريعة فاعتمد وابتدأ بالدعوة - وكان يحي بن زكريا هو الذي عمده كما تقدم - وكان ذلك لستة أيام مضت من كانون الثاني لمضي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة للإسكندر.
وأظهر عيسى ﵇ المعجزات وأحيا ميتًا يقال له عازر بعد ثلاثة أيام من موته وجعل من الطين طائرًا قيل هو الخفاش وأبرأ الأكمه والأبرص وكان يمشي على الماء ﷺ.
[ ١ / ١٦١ ]