ومتى أبو يونس وقيل أمه والذي عليه أكثر العلماء إنه أبوه وقد ورد في الحديث الشريف أن رسول الله عليه وسلم قال لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ونسبه إلى أبيه ولكن نقل الملك المؤيد صاحب حماة في تاريخه إن مت أمه قال ولم يشتهر بني بأمه غير عيسى ويونس ﵉.
وقيل إن يونس من نبي إسرائيل وإنه من سبط بنيامين وتزوج بنت رجل من الأولياء اسمه زكريا وكان زكريا مقيمًا بالرملة فأقام يونس عنده ثم بعد وفاة زكريا توجه إلى بيت المقدس يعبد الله وكانت بعثته في أيام يوثم بن عذياهو أحد ملوك بني إسرائيل وتقدم ذكره عند ذكر يوثم المذكور.
وبعث الله يونس إلى أهل نينوى - وهي قبالة الموصل بينهما دجلة - وكانوا يعبدون الأصنام فنهاهم وأوعدهم العذاب في يوم معلوم إن لم يتوبوا وضمن ذلك عن ربه ﷿ فلما أظلهم العذاب آمنوا فكشف الله عنهم.
وجاء يونس ذلك اليوم فلم ير العذاب حل ولا علم بإيمانهم فذهب مغاضبًا ودخل في سفينة من سفن دجلة فوقفت السفينة ولم تتحرك فقال رئيسها فيكم من له ذنب فتساهموا على من يلقونه في البحر فوقعت المساهم على يونس
[ ١ / ١٥٦ ]
فرموه في البحر (فالتقمه الحوت وهو مليم وسار به) الآية.
وكان من شأنه ما أخبر الله عنه في كتابه العزيز وملخص قصته إن الحوت التقمه وكان يونس يسبح على قلب الحوت والحوت يقول يا يونس إسمعني تسبيح المغمومين وهو يقول (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فتقول الملائكة إلهنا وسيدنا إنا نسمع تسبيح مكروب كان لك شاكرًا اللهم فارحمه في غربته وكربته قال الله تعالى (وذا النون إذ ذهب مغاضبًا فظن إن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات إن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) يعني ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت قال الله تعالى (فلولا إنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون).
وروي إنه ما أقرأ هذه الآية مكروب إلا زال كربة وهي في سورة الأنبياء واختلفوا في مد لبثه فمنهم من قال أربعين يومًا وقيل ثلاثة أيام.
فلما انقضت المدة التي قدرها الله له أمر الحوت إن يرده إلى الموضع الذي أخذه منه فشق ذلك على الحوت لاستئناسه بذكر الله تعالى قيل له أقذفه فقذفه في الساحل فذلك قوله تعالى (فنبذناه بالعراء وهو سقيم) واسم الحوت النون.
وخرج يونس مثل الفرخ المنتوف وقد ذهب بصره وهو لا يقدر على القيام فأنبت الله شجرة من يقطين لها أربعة لاف غصن فكانت فراشه وغطاءه وأمر الله الظبية فجاءته وأرضعته حتى قوى وهبط عليه جبريل ﵇ فسلم عليه وأمر يده على رأسه وجسده فأنبت الله لحيته ورد عليه بصره وأوحى الله إليه بإيمان قومه حين رأوا العذاب ثم هبط إليه ملك ودفع إليه حلتين وقال سر إلى قومك فإنهم يتمنونك.
فاتزر بواحدة وارتد الأخر وسار يونس ﵇ واجتمع بزوجته وولديه قبل وصوله إلى قومه ثم وصل الخبر إلى قومه بوصوله له فوثب الملك
[ ١ / ١٥٧ ]
عن سريره وخرجوا كلهم إلى يونس ﵇ وسلموا عليه وفرحوا به وحملوه إلى المدينة فأقام فيهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر فمات الملك وماتت زوجته وأولاده.
وكانت وفاة يونس في سنة خمسة عشر وثمانمائة لوفاة موسى ﵇ وقبره في قرية بالقرب من بلد سيدنا الخليل ﵇ وهذه القرية تسمى حلحول وهي على طريق بيت المقدس وصار على قبره مسجد ومنارة والذي بنى المنار الملك المعظم عيسى بولاية الأمير رشيد الدين فرج بن عبد الله المعظم في شهر رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة وقد اشتهر أمره والناس يقصدونه للزيارة ﷺ ومتى مدفون بالقرب منه بقري يقال لها بيت أمر وكان رجلًا صالحًا من أهل بيت النبوة.