ولما أعلم الله ﷾ المسيح إنه خارج من الدنيا جزع من ذلك فدعا الحواريين ووضعهم طعامًا وقال أحضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة فلما اجتمعوا بالليل عشاهم وقام يخدمهم فلما فرغ من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويمسحها بثيابه فتعاظموا ذلك فقال من رد علي شيئًا مما اصنع فليس مني فتركوه فلما فرغ قال لهم إنما فعلت هذا ليكون لكم أسوة بي في خدمة بعضكم بعضًا وأما حاجتي إليكم فإن تجتهدوا في الدعاء إلى الله تعالى إن يؤخر أجلي.
فلما أرادوا ذلك ألقي الله عليهم النوم حتى لم يستطيعوا الدعاء وجعل المسيح
[ ١ / ١٦٥ ]
يوقظهم وينبههم فلا يزدادون إلا نومًا وتكاسلًا وأعلموه إنهم مغلوبون على ذلك.
فقال المسيح سبحان الله يذهب بالراعي وتتفرق الغنم ثم قال لهم الحق أقول لكم ليكفرون بي أحدكم قبل أن يصيح الديك وليبغي أحدكم بدارهم يسيرة ويأكل ثمني.
وكان اليهود قد جدوا في طلبه فحضر إلى اليهود وقال ما تجعلون لي إذا دللتكم على المسيح فجعلوا له ثلاثين درهمًا فأخذها ودلهم عليه فرفع الله إليه وألقى شبهه على الذي دلهم عليه فإن اليهود لما قصدوه أظلمت الدنيا حتى صارت كالليل وأظلمت الشمس وأظهرت الكواكب وانشقت الصخور فلذلك لم يتحققوا المشبه به من شدة الظلمة وحصول الارجاف.
وقد اختلف العلماء في موته قبل رفعه فقيل رفع ولم يمت وقيل بل توفاه الله ثلاث ساعات وقيل سبع ساعات ثم أحياه الله وتأول قائل هذا قوله تعالى (إني متوفيك ورافعك إلي).
ولما امسك اليهود الشخص المشبه به ربطوه وجعلوا يقودونه بحبل ويقولون له أنت كنت تحي الموتى أفلا تخلص نفسك من هذا الحبل ويقبضون يديه ويبصقون في وجهه ويلفون عليه الشوك وصلبوه على الخشب فمكث عليه ست ساعات ثم استوهبه يوسف النجار من الحاكم الذي على اليهود وكان اسمه فيلاطوس ولقبه هردوس ودفنا في قبر كان يوسف المذكور قد أعده لنفسه.
وأنزل الله المسيح من السماء إلى أمه مريم وهي تبكي عليه فقال لها إن الله رفعني إليه ولم يصبني إلا الخير وأمرها فجمعت له الحواريين فبثهم في الأرض رسلا عن الله وأمرهم أن يبلغوا عنه ما أمره الله به ثم رفعه الله إليه وتفرق الحواريون حيث أمرهم.
وكان رفع المسيح لمضي ثلاثمائة وست وثلاثين سنة من غلب الإسكندر على دارهم.
[ ١ / ١٦٦ ]
ثم أن أربعة من الحواريين وهم متى وثلاث معه اجتمعوا وجمع كل واحد منهم إنجيلا وخاتمة إنجيل متى أن المسيح قال إني أرسلتكم إلى الأمم كما أرسلني ربي إليكم فاذهبوا وادعوا الأمم باسم الأب والابن وروح القدس.
وكان بين رفع المسيح ومولد النبي ﷺ خمسمائة وخمس وأربعون سنة تقريبًا.
وعاش المسيح إلى أن رفع ثلاثًا وثلاثين سنة.
وبين رفعه والهجرة الشريفة خمسمائة وثمان وتسعون سنة وقد مضى من الهجرة الشريفة إلى عصرنا تسعمائة سنة فيكون الماضي من رفعه إلى آخر سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة ألفًا وأربعمائة وثماني وتسعين سنة.
ونزل عليه جبريل ﵇ عشر مرات أمته النصارى على اختلافهم وأما أمه مريم فإنها عاشت نحو ثلاث وخمسين سنة لأنها حملت به لما صار لها من العمر ثلاثة عشر سنة وعاشت معه مجتمعة ثلاثًا وثلاثين سنة ورفع وبقيت بعد رفعه ست سنين والله أعلم ويأتي ذكر قبرها فيما بعد أن شاء الله تعالى.
وكان رفع المسيح من طور زيتا - جبل شرقي بيت المقدس -.
وروي إنه دعا الله وقت رفعه تعالى بهذا الدعاء - وهو دعاء مستجاب - اللهم أنت القريب في علوك والمتعالي في دنوك الرفيع على كل شيء من خلقك وأنت الذي نفذ بصرك في خلقك وحسرت الأبصار دون النظر إليك وغشيت دونك وسبح لك الفلق في النور أنت الذي جليت الظلم بنورك فتباركت اللهم أنت خالق الخلق بقدرتك مقدر الأمور بحكمتك مبدع الخلق بعظمتك القاضي في كل شيء بعلمك الذي خلقت سبعًا طباقًا في الهواء بكلماتك مستويات الطباق مذعنات لطاعتك سماعين لعلو سلطانك فأجبن وهن دخان من خوفهن فأتين طائعين بأمرك فيهن الملائكة يسبحونك ويقدسونك وجعلت فيهن نورًا يجلو الظلام وضياء أضوء من الشمس وجعلت فيهن مصابيح يهتدي بها في الظلمات
[ ١ / ١٦٧ ]
البر والبحر ورجومًا للشياطين فتباركت اللهم في مفطور سماواتك وفيما دحيت من الأرض ودحوتها على الماء فأذللت لها الماء الطاهر فذل لطاعتك وأذعن لأمرك وخضع لقوتك أمواج البحار ففجرت فيها بعد البحار الأنهار وبعد الأنهار العيون الغزار والينابيع ثم أخرجت منها الأشجار بالثمار ثم جعلت على ظهرها الجبال أوتادًا فأطاعتك أطوادها فتباركت اللهم صفاتك ومن يبلغ صفة قدرتك ومن ينعت بنعتك وتنشئ السحاب وتفك الرقاب وتقضي الحق وأنت خير الفاصلين لا إله إلا أنت إنما يخشاك من عبادك العلماء واشهد أنك لست بإله استحدثناك ولا رب لنا سواك نذكره ولا كان لك شركاء يقضون معك فندعوهم وندعك ولا أعانك أحد على خلقك فنشك فيك أشهد إنك أحد صمد لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفوًا أحد ولم تتخذ صاحبة ولا ولدًا اجعل لي من أمري فرجًا ومخرجًا.
فلما أتم دعاءه رفعه الله إليه.
ولما ماتت أمه مريم ﵍ دفنت بالكنيسة المعروفة بالجيسمانية خارج باب الأسباط في ذبل جبل طور زيتا وهو مكان مشهور يقصده الناس للزيارة من المسلمين والنصارى.
واستمر بيت المقدس عامرًا بعد رفع عيسى أربعين سنة فيكون لبثه على عمارته الثانية التي عمرها كورش سبعمائة وإحدى وعشرين سنة والله ﷾ أعلم.