لما جر ما ذكر من تخريب بيت المقدس ولبثه على التخريب سبعين سنة عمره بعد ذلك بعض ملوك الفرس واسمه عند اليهود كورش وقد اختلف فيه فقيل هو دارا بن يهمن وقيل هو بهمن المذكور وهو الأصح.
[ ١ / ١٥١ ]
وكان كريمًا متواضعًا علامته على كتبه من ازدشير بهمن عبد الله وخادم الله والسائس لأموركم وتفسير بهمن بالعبرانية الحسن النية.
وكان قد أمره الله على لسان عبده أرميا النبي ﷺ أن يبني بيت المقدس ففعل ذلك واصعد إليها من بني إسرائيل أربعين ألفًا وقربوا القرابين على رسومهم الأولى ورجعت إليهم دولتهم وعظم محلهم عند الأمم قال الله تعالى (ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددنا كم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرًا إن أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) وعاد البلد أحسن مما كان.
وحكي بعض المؤرخين إن الله أوحى إلى أشعيا النبي ﵇ أن كورش يعمر بيت المقدس وذكر لفظ أشعيا الذي ذكره في الفصل الثاني والعشرين من كتابه حكاية عن الله ﷿ وهو أن القائل لكورش راعيًا الذي يتمم جميع محياي ويقول لاورشلم عودي مبينة ولهيكلها كن زخرفًا مزينًا هكذا قال الرب لمسبحة كورش الذي أخذ بيمينه لتدبير الأمم وينحي ظهور الملوك سائرًا بفتح الأبواب أمامه ولا تغلق وأسهل لك الوعر وأكسر أبواب النحاس وأحبوك بالذخائر التي في الظلمات انتهى.
ولما عادت بيت المقدس تراجع إليه بنو إسرائيل من العراق وغيره وكانت عمرته في أول سنة تسعين لابتداء ولاية بخت نصر.
ولما رجع بنو إسرائيل إلى المقدس كان من جملتهم عزير ﵇ وكان بالعراق وقدم معه من بني إسرائيل ما يزيد على ألفين من العلماء وغيرهم ورتب مع عزير في القدس مائة وعشرين شيخًا من علماء بني إسرائيل وكانت التوراة قد عدمت منهم إذ ذاك فمثلها الله في صدر العزير ووضعها لبني إسرائيل يعرفونها بحلالها وحرامها فأخبره حبًا شديدًا وأصلح العزير أمرهم وأقام بينهم على ذلك.
ولبث مع بني إسرائيل في القدس يدبر أمرهم حتى توفي بعد مضي أربعين
[ ١ / ١٥٢ ]
سنة لعمارة بيت المقدس فتكون وفاته سن ثلاثين ومائة لابتداء ولاية بخت نصر واسم العزير بالعبرانية عزرا وهو من ذرية هارون بن عمران.
ثم تولى رياسة بني إسرائيل ببيت المقدس بعد العزير شمعون الصديق وهو أيضًا من نسل هارون.
ولما تراجع بنو إسرائيل إلى القدس بعد عمارته صار لهم حكام منهم وكانوا تحت حكم ملوك الفرس واستمروا كذلك حتى ظهر الإسكندر ملك اليونان في سنة خمس وثلاثين وأربعمائة لولاية بخت نصر وغلب اليونان على الفرس ودخل حينئذ بنو إسرائيل تحت حكم اليونان.
وبين غلبة الإسكندر على ملك الفرس وبين الهجرة الشريفة النبوية تسعمائة وأربع وثلاثون سنة ومات الإسكندر بعد غلبته لقريب سبع سنين فيكون بين موته وبين الهجرة الشريفة تسعمائة وقريب ثمان وعشرين سنة وقد مضى من لهجرة الشريفة إلى عصرنا تسعمائة سنة فيكون الماضي من وفاة الإسكندر الآخر سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة ألفًا وثمانمائة وقريب ثمان وعشرين سنة.
وهذا الإسكندر ليس هو ذو القرنين الذي ذكره الله تعالى في القرآن فإن ذاك ملك قديم كان على زمن إبراهيم الخليل ﵇ وتقدم ذكره.
ولما دخل بنو إسرائيل تحت حكم اليونان أقام اليونان من بني إسرائيل ولاة عليهم وكان يقال للمتولي عليهم هردوس.
واستمر بنو إسرائيل على ذلك حتى خرب بيت المقدس الخراب الثاني وتشتت منه بنو إسرائيل على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.