قال الله تعالى: (ولقد فتنا سليمان) أي اختبرناه وابتليناه بسلب ملكه وسبب ذلك ما روي عن وهب بن منبه قال سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صدوف ولها ملك عظيم الشأن لم يكن للناس عليه سبيل لمكانه بالبحر وكن الله ﷿ قد آتى سليمان في ملكه سلطانًا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر بما يركب إليه الريح.
فخرج سليمان إلى تلك المدين تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والأنس فقتل ملكها واستقام فيها فأصاب فيما أصاب ابنه الملك تسمى جرادة لم ير مثلها حسنًا وجمالًا فاصطفاها لنفسه ودعاها للإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة موافقة وأحبها لم يحبه أحدًا من نسائه فكانت على
[ ١ / ١٣٩ ]
منزلة عظيمة عنده فكانت لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها.
فشق ذلك على سليمان فقال لها ويلك ما هذا الحزن الذي لم يذهب والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت إني أذكر أبي وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيجزيني ذلك.
قال سليمان قد أبد لك الله ملكًا هو أعظم من ملك أبيك وسلطانًا هو كذلك ولكني إذا تذكرته أصابني ما ترى من الحزن فلو إنك أمرت الشياطين فيصوروا صورته في داري التي أنا فيها فأراها بكرة وعشية لرجوت أن يذهب ذلك حزني وأن يسلبني بعض ما أجد في نفسي.
فأمر سليمان الشياطين أن يمثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئًا فمثلوها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا إنه لا روح فيه فعمدت إليه حين وضعوه فأزرته وقمصته وعممته وردته بمثل ثيابه التي كانت عليه في حال حياته ثم إنها كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو إليه في ولائدها ومن يلوذ بها ثم تسجد له ويسجدون له كما كانت تصنع له في ملكه واستمرت تفعل ذلك بكرة وعشية وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك مدة أربعين صباحًا.
فبلغ ذلك آصف ابن برخيا - وكان صديقًا وكان لا يرد عن أبواب سليمان وأي ساعة أراد أن يدخل دار سليمان دخل حاضرًا كان سليمان أو غائبًا - فأتى سليمان وقال له يا نبي الله كبر سني ورق عظمي ونفذ عمري وقد حان مني ذهابه وقد أحببت أن أقوم مقامًا قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله تعالى واثني عليهم بعلمي فيهم وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير أمورهم فقال سليمان افعل.
فجمع له سليمان الناس فقام فيهم خطيبًا فحمد الله تعالى وذكر من مضى من أنبياء الله تعالى أثنى على كل نبي بما فيه وذكر ما فضله الله به حتى انتهى إلى
[ ١ / ١٤٠ ]
سليمان فقال ما كان أحلمك في صغرك وأورعك في صغرك وأفضلك في صغرك وأبعدك من كل ما يكره في صغرك ثم انصرف.
فوجد سليمان في نفسه من ذلك حتى امتلأ غيظًا فلما دخل سليمان داره أرسل إليه فقال يا آصف ذكرت من مضى من الأنبياء الله تعالى وأثنيت عليهم خيرًا في زمانهم وفي كل حال من أمورهم فلما أن ذكرتني جعلت تثني علي بخير في صغري وسكت عن ما سوى ذلك في أمري في كبري فما الذي أحدثت في خر أمري؟ فقال له إن غير الله يعبد في دارك مدة أربعين صباحًا في هوى امرأة فقال سليمان في داري؟ قال في دارك قال سليمان أنا لله وأنا إليه راجعون لقد عرفت إنك ما قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك.
ثم رجع سليمان إلى داره وكسر ذلك الصنم وعاقب تلك المرأة وولائدها ثم أمر بثياب الطهرة فأتي بها - وهي ثياب لا يغزلها إلا البنات الأبكار ولا يمسها امرأة قد رأت الدم ولا ينسجها إلا البنات الأبكار ولا يغسلها إلا الأبكار - فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده وأمر برماد ففرش له ثم أقبل تائبًا إلى الله تعالى حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك فيه بثيابه تذللا لله تعالى وتضرعًا إليه وجعل يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى ثم رجع إلى داره.
وكانت له أم ولد تسمى الأمينة كان إذا دخل مذهبه أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها ثم دخل حتى يتطهر وكان لا يلبس خاتمه إلا طاهرًا وكان ملكه في خاتمه فوضعه يومًا عندها ثم دخل إلى مذهبه فأتاها الشيطان صاحب البحر وكان اسمه صخر على صورة سليمان لم تنكر منه شيئًا فقال خاتمي يا أمينه فناولته إياه فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان فعكف عليه الطير والجن والأنس.
فخرج سليمان وأتى الأمينة وقد تغيرت حالته وهيئته عند كل من يراه،
[ ١ / ١٤١ ]
فقال خاتمي يا أمينة فقالت له من أنت؟ قال سليمان بن داود نبي الله قالت له كذبت قد جاء سليمان وأخذ خاتمه وهو جالس على سرير ملكه.
فعرف سليمان أن الخطيئة قد أدركه فخرج وجعل يقف على الدار من دور نبي إسرائيل فيقول أنا سليمان بن داود فيكذبوه ويحثون عليه التراب ويسبونه ويقولون انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم إنه سليمان.
فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر وكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق فيعطونه كل يوم سمكتين فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه برغيفين وشوى السمكة الأخرى وأكلها فمكث كذلك أربعين صباحًا بعدد ما كان عبد الوثن في داره.
فأنكر آصف وكبراء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين يومًا فقال آصف يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم سليمان ابن داود ما رأيت؟ قالوا نعم قال آصف أمهلوني حتى أدخل على نسائه واسألهن هل ينكرن منه شيئًا في خاصة أمره كما ذكرناه في عام أمر الناس فدخل على نسائه فقال ويحكن هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرناه؟ فقلن أشد ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من دمها ولا يغتسل من الجنابة فقال أنا لله وأنا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء المبين.
ثم خرج آصف على بني إسرائيل فقال ما في الخاص أعظم مما في العامة فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم فأقبلوا حتى أحدقوا به ونشروا التوراة فقرؤوها فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفه والخاتم معه ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر وابتلعه حوت فأخذه بعضه الصيادين.
وكان سليمان قد عمل لذلك الصياد من صدر النهار حتى إذا كانت العيشة أعطاه سمكتين فأعطى السمكة التي فيها الخاتم من جملة السمكتين فخرج سليمان بسمكتيه فباع التي ليس في بطنها الخاتم بالرغيفين ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها
[ ١ / ١٤٢ ]
فاستقبله خاتمه في جوفها فأخذه وجعله في يده فرد الله تعالى عليه ملكه وبهاءه فوقه ساجدًا شكرًا فعكفت عليه الطير والوحوش والأنس والجن وأقبل عليه الناس وعرف الذي كان دخل عليه لما أحدث في داره فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه.
وأمر الشياطين فقال أئتوني بصخر فطلبته الشياطين حت أخذته فأتي به فجاء له بصخرة فأدخله فيها ثم سد عليه بأخرى ثم أوثقها بالحديد والرصاص ثم أمر به فقذف به البحر هذا حديث وهب وحكي غير ذلك.
وأشهر الأقاويل إن الجسد الذي ألقى على كرسيه هو صخر الجني فذلك قوله ﷿ (وألقينا على كرسيه جسدًا ثم أناب) أي رجع إلى ملكه بعد أربعين يومًا (فلما رجع قال رب أغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي) يريد هب لي ملكًا لا تسلبنيه في باقي عمري وتعطيه غيري كما سلبتنيه فيما مضى (إنك أنت الوهاب) قيل سأل ذلك ليكون آية لنبوته ودلالة على رسالته ومعجزة له وقيل سأل ذلك ليكون علمًا على قبول توبته حيث أجاب الله دعاءه ورد إليه ملكه وزاد فيه.
وقال مقاتل كان سليمان ملكًا ولكنه أراد بقوله (لا ينبغي لأحد من بعدي) تسخير الرياح والطير والشياطين بدليل ما بعده.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال إن عفريتًا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت إن أربطه إلي سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان (رب أغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي فرددته خاسئًا).
ولما رد الله على سليمان ملكه وبهاءه وحامت عليه الطير وعرف الناس إنه سليمان قاموا يعتذرون إليه مما صنعوا فقال ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم هذا أمر كان لا بد منه.
[ ١ / ١٤٣ ]
ثم جاء حتى أتى ملكه وأطاعه جميع ملوك الأرض وحملوا إليه نفائس أموالهم واستمر سليمان على ذلك حتى توفي.