ثم أمر الله إبراهيم ﵇ أن يذبح ولده وفداه الله تعالى بكبش وقد اختلف في الذبيح هل هو إسحاق أم إسماعيل فالكنعانيون يقولون إنه إسحاق وهو قول علي وابن مسعود وكعب ومقاتل وقتادة وعكرمة والسدي.
وقال ابن عباس ﵄ هو إسماعيل وهو قول سعيد بن المسيب والشعبي والحسن ومجاهد وكلا القولين يروى عن رسول الله ﷺ فمن قال إن الذبيح إسحاق فقد احتج بقوله ﷿ (فبشرناه بغلام حليم) فلما بلغ معه السعي أمره بذبح من بشر به وليس في القران انه بشر بولد غير إسحاق.
ومن قال إن الذبيح إسماعيل احتج له بما قيل إن ذكر البشرى بإسحاق بعد الفراغ من قصة المذبوح فقال تعالى (وبشرناه بإسحاق نبيًا من الصالحين) فدل على أن المذبوح غيره.
[ ١ / ٣٩ ]
وأما قصة الذبيح فقال البغوي قال السدي لما دعا إبراهيم ﵇ وقال (رب هب لي من الصالحين) وبشر به فقال هو إذًا ذبيح فلما ولد وبلغ معه السعي قال له أوف بنذرك هذا هو السبب في أمر الله تعالى إياه بذبح ابنه فعند ذلك قال لابنه انطلق بنا لنقرب قربانًا لله ﷿ فأخذ سكينًا وحبلًا وانطلق معه حتى ذهب بين الجبال فقال له الغلام يا أبت أين قربانك فقال (يا بني إني آري في المنام إني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر فلما أسلما - أي انقادا لأمر الله تعالى وخضعا وتله للجبين) أي صرعه على الأرض فقال له ابنه الذي أراد ذبحه يا أبت اشدد رباطي حتى لا اضطرب واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن علي واستحد شفرتك وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون علي فان الموت شديد وإذا أتيت أمي فاقرئ ﵍ مني وان رأيت أن ترد قميصي على أمي فعسى أنه يكون اسلاء لها عني فقال له إبراهيم نعم العون أنت يا بني على أمر الله تعالى.
قال ففعل إبراهيم ما أمره الغلام وقبله بين عينيه وقد ربطه وهو يبكي ثم وضع السكين على حلقه وجعل يجرها على حلقه فلا تقطع فقال الابن عند ذلك يا أبت كبني على وجهي فإنك إذا نظرت إلى وجهي رحمتني وأدركتك الرأفة فتحول بيني وبينك وبين أمر الله تعالى وأنا لا انظر الشفرة فأجزع ففعل إبراهيم ذلك ثم وضع السكين على قفاه فانقلبت ونودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا فنظر إبراهيم فإذا هو بجبريل ﵇ ومعه كبش أملح أقرن وقال هذا فداء ابنك فاذبحه دونه فكبر جبريل ﵇ وكبر الكبش وكبر إبراهيم ﵇ وكبر ابنه فأخذ إبراهيم الكبش وأتى به المنحز من منى فذبحه وكان ذلك الذبيح كبشًا رعى في الجنة أربعين خريفًا.
قال القرطبي سئل عمر بن عبد العزيز ﵁ رجلا كان من علماء اليهود اسلم وحسن إسلامه أي ابني إبراهيم أمر بذبحه فقال إسماعيل.
[ ١ / ٤٠ ]
ثم قال يا أمير المؤمنين ان اليهود لتعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم معاشر العرب على أن يكون أبوكم هو الذبيح ويزعمون انه إسحاق أبوهم.
وروى الثعلبي عن الصهاجي قال كنا عند معاوية فذكروا إسماعيل الذبيح أو إسحاق فقال على الخبير سقطتم كنت عند رسول الله ﷺ فجاء رجل وقال له ابن الذبيحين فضحك رسول الله ﷺ فقال له يا أمير المؤمنين وما الذبيحان فقال ان عبد المطلب لما حفر زمزم نذر لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد أولاده فخرج السهم على ولده عبد الله فمنعه أخواله من ذلك وقالوا له بل أفد ولدك بمائة من الإبل ففداه والثاني إسماعيل ﵇.
ومن زعم أن الذبيح إسحاق فيقول كان موضع الذبح بالشام على ميلين من إيليا وهي بيت المقدس وزعمت اليهود انه كان على صخرة بيت المقدس ومن يقول إن الذبيح إسماعيل فيقول ان ذلك كان بمكة المشرفة.
وأرسل الله إسماعيل إلى قبائل اليمن والى العماليق وزوج إسماعيل ابنته من ابن أخيه العيص بن إسحاق وعاش إسماعيل مائة وسبعًا وثلاثين سنة ومات بمكة ودفن عند قبر أمه هاجر بالحجر فكانت وفاته بعد وفاة أبيه إبراهيم ﵇ بثمان وأربعين سنة.
ولما ماتت سارة بعد وفاة هاجر تزوج إبراهيم الخليل ﵇ امرأة من الكنعانيين وولدت منه ستة وهم يقشان وزمران ومدان ومديان ويشق وشرخ.
ثم تزوج امرأة أخري فولدت له خمسة بنين فكان جميع أولاد إبراهيم ثلاثة عشر ولد مع إسماعيل وإسحاق فكان إسماعيل أكبر أولاده فآثر إسماعيل ارض الحجاز وإسحاق ارض الشام وفرق سائر ولده في البلاد والله أعلم.
[ ١ / ٤١ ]