وسار ببني إسرائيل مستقبلين الأرض المقدسة فلما أتوا إلى جانب الطور أمره الله تعالى أن يقيم ببني إسرائيل في ذلك المكان وأن يستخلف عليهم هارون وظلل الغمام ذلك الجبل كله ثم دنا منه موسى فأمره الله أن يقطع الألواح من صخرة صماء فقطعها وكتب الله فيها التوراة بيد القدرة وكان موسى يسمع جريان القلم فحدث نفسه بالرؤية لله ﷿ (فقال رب أرني أنظر إليك) فأنت الحنان المنان ذو الفضل والإحسان متفضل على بكرمك فلا تحرمني النظر إلى وجهك الكريم يا ذا الجلال والإكرام فأوحى الله إليه يا موسى سألت شيئًا لم يسأله أحد من خلقي فهل تستطيع ذلك يا موسى فإنه لا يراني أحد من خلقي إلا خر صعقًا؟ فقال موسى يا رب أراك وأموت أحب إلي من أن لا أراك وأحيا.
فأوحى الله إليه (يا موسى إنك لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا وخر موسى صعقًا) لا يعقل من أمره شيئًا ثم أزال الله خوفه فذلك قوله (فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) معناه وأنا أول المصدقين بأنه لا يراك أحد في الدنيا ثم أوحى الله إليه (يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين) ثم أوحى الله إليه (إنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري بعباد العجل).
(فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا) واشتد غضبه عليهم (وقال بئسما خلفتموني من بعدي) ثم ألقى الألواح وعمد إلى أخيه هارون وأخذ بلحيته وقال له لم لا تبعتني لما رأيتهم ضلوا أفعصيت أمري؟ فبك هارون وقال (يا بن أمي لا تأخذ بلحيتي) ولا برأسي فارفق بي فإني أكب منك سنًا (إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم
[ ١ / ٩١ ]
الضالمين فاستحيا موسى منه ثم خلاه وضمه إلى صدره وسأل الله المغفرة ولرحمة له ولأخيه.
ثم اقبل موسى على بني إسرائيل يعاتبهم فأخبروه بقول السامري فأقبل على السامري وهو مغضب فسأله عن أمره فأخبره بما كان فهم بقتله فأوحى الله به لا تقتله فإنه سخي في قومه ولكن أخرجه عن عسكرك ثم عمد موسى إلى صخرة عظيمة ولم يزل يضرب بها العجل حتى تقطع ثم أحرقه بالنار حتى صار رمادًا وذراه في البحر وقال لو كان هذا إلهًا كان يدفع عن نفسه وسكت عن موسى الغضب فأقبل على بني إسرائيل وقال لهم (إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل) فقالوا يا موسى اسأل ربك لنتوب.
فأوحى الله إليه أن لا توبة لهم لأن في قلوبهم مرضًا من حب العجل وأخرج من رماد العجل وألقاه في الماء ثم أمرهم ليشربوا منه فإنه يظهر ما في قلوبهم على وجوههم فلما فعل ذلك لم يبقى أحد ممن في قلبه مرض أو غم من كسر العجل لا أصبح مصفرًا لونه فلما رأوا ذلك أيقنوا بالموت فقالوا يا موسى ما لنا والتوبة الخالصة وقد أخلصنا في توبتنا حتى إنك لو سألت ربك أن نقتل أنفسنا لقتلناها.
فأوحى الله إلى موسى إني رضيت عليهم بحكمهم في أنفسهم فذلك قوله إلى (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم) فقالوا كيف نقتل أنفسنا ونحن أهل وأقارب فأنزل الله عليهم ظلمة فلم يبصر بعضهم بعضًا حتى أن الرجل كان يأتي إلى أخيه وابن عمه فيقتله وهو لا يعرفه وكان السلاح لا يعمل فيمن لم يعبد العجل ولم يزالوا كذلك حتى خاضوا في الدماء فاستغاثوا يا موسى العفو العفو فبكى موسى ودعا إلى الله تعالى بالعفو عنهم فارتفعت عنهم الظلمة.
ثم أقبل عليهم موسى بالتوراة وقال هذا كتاب ربكم فيه الحلال والحرام وألا حكام الشرعية والسنن والفرائض والرجم للزاني والزانية المحصنين والقطع للسارق
[ ١ / ٩٢ ]
والقصاص من كل ذنب يكون منكم فضجوا من ذلك وقالوا لا حاجة لنا بهذه الأحكام وما كنا عليه من عبادة العجل كان أرفق بنا فلم يكن في عبادته علينا قطع ولا رجم ولا قصاص.