واسمه عبد الغفار ولد بعد أن مضى ألف وستمائة وثنتان وأربعون سنة من هبوط آدم ﵇ وكان بعد رفع إدريس إلى السماء بمائة وخمس وسبعين سنة ويقال أن دمشق كانت دار نوح ﵇ وأرسله الله تعالى إلى قومه وكانوا أهل أوثان فصار يدعوهم إلى طاعة الله وهم لا يلتفتون إليه وكانوا يخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون وكانوا يضربونه حتى يظنوا إنه مات فإذا أفاق اغتسل وأقبل عليهم وهو يدعوهم إلى الله تعالى.
فلما طال ذلك شكاهم إلى الله تعالى فأوحى الله إليه إنه لن يؤمن من قومك
[ ١ / ١٩ ]
إلا قد آمن فلما آيس منهم دعا عليهم فقال (رب لا تذر على الأرض من بن ديارًا) فأوحى الله إليه أن اصنع السفينة فصنعها من خشب الساج.
فلما أقبل على عمل الفلك جعل يقطع الخشب ويضرب الحديد وكان قومه عليه وهو في عمله فيسخرون منه ويقولون يا نوح قد صرت نجارًا بعد النبوة ويضحكون عليه فقال لهم (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم إذا عاينتم عذاب الله كما تسخرون) واتخذ السفينة وكان طولها ثلاثمائة ذراعًا وعرضها خمسين ذراعًا وطولها ثلاثين ذراعًا وقيل غير ذلك.
فلما فار التنور وكان هو الآية بين نوح وبين ربه حمل نوح من أمره الله من أهله وغيرهم سوى ولده كنعان فإنه كان كافرًا ثم ادخل في السفينة ما أمره من الدواب واختلف في موضع التنور فقيل كان بالكوفة وقيل بالشام غير ذلك.
فلما دخل نوح ومن معه السفينة فتح الله ﷿ عيون الماء ففارت الأرض من البحار وأمطر الله من السماء ماء فارتفع الماء وجعلت الفلك تجري بهم كموج كالجبال وعلا الماء على رؤوس الجبال أربعين ذراعًا فهلك كل من على وجه الأرض من حيوان ونبات سوى عوج ابن عناق - نسبة لأمه عناق بنت آدم - وهي أول نبت على وجه الأرض وعمت الفجور وعملت السحر وجاهرت بالمعاصي وولدت الجبار ولم يغرقه الطوفان ولا بلغ بعض جسده وطلب السفينة ليغرقها وكان ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعًا وثلث ذراع بالهاشمي وكان بالسحاب ويشرب منه وبتناول الحوت من قرار البحر ويشويه في عين حتى يرفعه إليها ثم يأكله.
وعاش ثلاثة آلاف سنة وعمر إلى زمان فرعون وقطع صخرة على قدر عسكر ﵇ ليطرحها عليهم وكان المعسكر فرسخًا في فرسخ فأرسل الله فنقر الصخرة فنزلت من رأسه إلى عنقه ومنعته الحركة فوثب موسى وكانت
[ ١ / ٢٠ ]
وثبته عشرة أذرع وطوله مثل ذلك وطول عصاه مثل ذلك ولم يلحق سوى عرقوبه فقتله وتركه بموضعه وردم عليه بالصخر والرمل فكان كالجبل العظيم في صحراء مصر وقيل غير ذلك.
وكان بين أن أرسل الله ماء الطوفان وبين أن غاض ستة أشهر وعشر ليال وكان ركوب نوح في السفينة في مستهل شهر رجب وقيل لعشر ليال مضت من رجب وكان أيضًا لعشر ليال خلت من آب وخرج من السفينة يوم عاشوراء من المحرم وكان استقرار السفينة على الجودي وهو جبل من أرض الموصل.
وقد ورد حديث أن السفينة طافت بالبيت الحرام أسبوعًا ثم طافت ببيت المقدس أسبوعًا ولسنوات على الجودي وروي أن السفينة سارت حتى بلغت بيت المقدس فوقفت ونطقت بإذن الله تعالى وقالت يا نوح هذا موضع بيت المقدس الذي يسكنه الأنبياء من أولادك وكان الطوفان بعد هبوط آدم بألفي سنة ومائتين واثنين وأربعين سنة وكان لستمائة سنة مضت من عمر نوح وبين الطوفان والهجرة الشريفة ثلاثة آلاف وتسعمائة وأربع وسبعون سنة وقد مضي من الهجرة إلى عصرنا تسعمائة سنة كاملة فيكون الماضي من الطوفان إلى سنة تسعمائة من الهجرة أربعة آلاف وثمانمائة وأربعًا وسبعين سنة والله أعلم.
ولما مضت ثلاثمائة وخمسون سنة للطوفان توفى نوح ﵇ وله من العمر تسعمائة وخمسون سنة هكذا وقع في كلام المؤرخين أن نوحًا عاش القدر المذكور فقط وظاهر الآية الشريفة يخالفه لأنه يدل على أنه لبث القدر المذكور في قومه بعد إرساله إليهم ينذرهم وأن الطوفان وقع بعد ذلك وقيل أن عمر نوح ألف وأربعمائة وخمسون سنة وهو موافق للآية قال الله تعالى (ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا فأخذهم الطوفان وهو ظالمون) وظاهر الآية الشريفة أنه عاش أكثر مما ذكره المؤرخون والله أعلم.
ونزل عليه جبريل ﵇ خمسين مرة وقبره بكرك نوح ومن أولاده
[ ١ / ٢١ ]
سام ولد قبل الطوفان بمائة سنة وعاش ستمائة سنة ووفاته بعد الطوفان بخمسمائة سنة العرب وفارس والروم وكان هو القيم بعد نوح في الأرض ومن ذريته كلهم عربهم وعجمهم وجعل الله في ذريته النبوة والكتاب ونزل بنوه سرة وهو الذي اختط مدينة القدس وأسس مسجدها وكان ملكًا عليها كما زحام أبو السودان ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج والإفرنج والقبط فوط بن حام.
ولما خرج نوح من السفينة قسم الأرض بين أولاده الثلاث فأعطى سام اليمن والشام والجزيرة وأعطى حام الغرب وأعطى يافث الشرق وولد ولد سماه أرفخشد عاش أربعمائة وخمسًا وستين سنة ثم ولد لأرفخشد ولد لقمان عاش أربعمائة وثلاثين سنة وولد لقيان شالح عاش أربعمائة وستين وولد لشالح غابر عاش أربعمائة وأربعًا وستين سنة ثم ولد لغابر فالغ عاش تسعًا وثلاثين سنة ثم ولد لفالغ رعون عاش ثلاثمائة وتسعًا وثلاثين سنة ولد رعون تبلبلت الألسن وتقسمت الأرض وتفرق بنو نوح وذلك لمضي سبعين سنة للطوفان ثم ولد لرعون شاروع واسمه في التوراة سرور عاش مائتين وثلاثين سنة ثم ولد لشاروع ناحور عاش مائتين وثماني وستين سنة ثم حور ولد اسمه تارخ وهو آزر عاش مائتين وخمس سنين وهو أبو إبراهيم ﵇.