لما نجى الله تعالى خليله من نار النمروذ الجبار استجاب له رجال وآمن معه قوم على خوف من نمروذ وملأه ثم أن إبراهيم ومن كان آمن معه من أصحابه اجمعوا على فراق نمروذ وقومهم (فقالوا لقومهم أنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده) ورحل هو وأهله ومن معه من قومه ونزلوا بالرها ثم سار إلى مصر ويقال إلى بعلبك وصاحبها يومئذ فرعون فذكر لفرعون حسن سارة وجمالها زوجة الخليل ﵇ وهي ابنة عمه هاران فسئل إبراهيم عنها فقال هذه أختي يعني في الإسلام خوفًا أن يقتله فقال له زينها وأرسلها إلى.
فأقبلت سارة إلى الجبار وقام إبراهيم يصلي فلما دخلت عليه وراها أهوى إليها أراد أن تناولها بيده فأيبس الله يده وجله فلما تخلى عنها أطلق الله يده ورجله فعاد إليها فصار له كالأولى حتى صار له ذلك مرارًا وكان هذا تكرمة منه تعالى قال فأطلقها ووهبها هاجر.
وفي بعض الأخبار أن الله تعالى رفع الحجاب بين إبراهيم وبين سارة حتى ينظر إليها من وقت خروجها من عنده إلى وقت انصرافها كرامة لها وتطييبًا لقلب إبراهيم ﵇.
[ ١ / ٣٤ ]
ثم سار إبراهيم من مصر إلى شام، وأقام بين الرملة وإيليا فهو أول من هاجر من وطنه في ذات الله تعالى حفظا لايمانه. ولما نزل بالموضع الذي يعرف بوادي السبع وهو شاب لا مال له، فأقام حتى كثر ماله وشاخ وضاق على أهل البلد مواضعهم من كثرة ماله ومواشيه. فقالوا له: يا شيخ ارحل عنا فقد آذيتنا بمالك أيها الشيخ الصالح - وكانوا يسمونه بذلك -. فقال لهم: نعم ارحل عنكم.
فلما هم بالرحيل قال بعضهم لبعض: انه جاء عندنا وهو فقير وقد جمع عندنا هذا المال كله فلو قلنا له أعطنا شطر مالك وخذ الشطر. فقالوا له ذلك، فقال لهم: يا قوم صدقتم جئتكم وكنت شابا واليوم صرت شيخنا فردوا علي شبابي وخذوا ما شئتم من مالي. فضصمهم ورحل عنهم.
فلما كان وقت ورد الغنم الماء جاؤوا يستقون فإذا الآبار قد جفت، فقال بعضهم لبعض: ألحقوا الشيخ الصالح الذي كنتم في بركته واسألوه الرجوع فإنه إن لم يرجع هلكنا وهلكت مواشينا. فلحقوه فوجدوه في الموضع المسمى بالغار وسألوه الرجوع، فقال: إني لست براجع ودفع لهم سبع شياه من غنمه وقال لهم: اذهبوا بها معكم فإنكم إذا أوردتموها البئر ظهر لكم الماء حتى يكون عينا تجري فاملؤا واشربوا واسقوا مواشيكم ولا يقربها امرأة حائض.
فرجعوا بالأغنام، فلما وقفت على البئر ظهر لهم الماء فكانوا يشربون منها وهي على حالها لم تنقص أبدا، واستمرت على تلك الحالة حتى أتت امرأة حائض واغترفت منها فغاض ماؤها.
ورحل إبراهيم ﵇ ونزل اللجون وأقام بها ما شاء الله تعالى. ثم أوحى الله إليه أن أنزل حبرى. فنزل بها، ونزل عليه جبريل وميكائيل ﵉ بحبرى وهما يريدان قوم لوط ﵇. فخرج إبراهيم عليهم ليذبح لهم عجلا فانفلت العجل منه ولم يزل حتى دخل مغارة حبرون فنودي يا إبراهيم سلم على عظام أبيك آدم ﵇. فوقع ذلك في نفس إبراهيم ﵇ ثم إنه ذبح العجل
[ ١ / ٣٥ ]
وقربه إليهم وكان من شأنه ما نص الله ﷿ في كتابه العزيز وسنذكر ملخص القصة عند ذكر سيدنا إسحاق ﵇.
فمضى إبراهيم معهم إلى قرب ديار قوم لوط فقالوا له أقعدها هنا فقعد وسمع صوت الديكة في السماء فقال هذا هو الحق اليقين فأيقن بهلاك القوم فسمى ذلك الموضع مسجد اليقين وهو على نحو فرسخ من بلد سيدنا إبراهيم الخليل ثم رجع إبراهيم الخليل ﵇.
وسيأتي ذكر القصة عند سيدنا لوط ﵇.