ثم قرب أجل موسى ﵇ قام في بني إسرائيل خطيبًا فخطب لهم ووعظهم وخوفهم وأنذرهم وحذرهم وأشهدهم على أنفسهم وأشهد الله عليهم إنه بلغهم الرسالة وأمرهم بالطاعة والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستخلف يوشع بن نون على بني إسرائيل.
[ ١ / ١٠٠ ]
ولما فرغ من وصيته أوحي الله إليه إني قابض روحك وذكره بما أنعم عليه من النبوة والرسالة والتكليم فاعترف بنعمة الله وحمده وأثنى عليه ثم نزل عليه ملك الموت وهو جالس يتلو التوراة فسلم عليه وقبض روحه الشريف ﷺ.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال أرسل الله ملك الموت إلى موسى ﵇ فلما جاءه صكه ففقأ عينه فرجع إلى ربه ﷿ وقال يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت قال فرد الله إليه عينه وقال له ارجع إليه وقل له يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت يده بكل شعرة سنة فجاءه وقال له ذلك فقال يا رب ثم وما بعد ذلك؟ قال ثم الموت فقال الآن فسأل الله أن يدينه من الأرض المقدسة برمية حجر قال رسول الله ﷺ فلو كنت لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر.
وكانت وفاته في التيه في السابع شهر آذار لمضي ألف وستمائة وست وعشرين سنة من الطوفان وكان موته بعد أخيه هارون بإحدى عشرة سنة وقيل غير ذلك وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين وعاش موسى مائة وعشرين سن ونزل عليه جبريل ﵇ أربعمائة مرة.
وكان جملة مقام بني إسرائيل بمصر حين أخرجهم موسى مائتين وخمسة عشر سنة وبين وفاة موسى ﵇ والهجرة الشريف النبوية ألفان وثلاثمائة وثمان وأربعون سنة على اختيار المؤرخين وقد مض من الهجرة الشريفة إلى عصرنا تسعمائة سنة كاملة فيكون الماضي من وفاة موسى إلى آخر سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة ثلاثة آلاف ومائتين وثمانيًا وأربعين سنة.
ومات موسى ولم يعرف أحد من بني إسرائيل أين قبره ولا أين توجه فماج الناس في أمره ولبثوا كذلك ثلاثة أيام لا ينامون الليل فلما كان ثالث ليلة غشيتهم سحابة على قدر بني إسرائيل فسمعوا منها مناديًا يقول بأعلى صوته مات موسى وأي نفس لا تموت ولم يزل يكرر ذلك القول حتى فهمه الناس كلهم
[ ١ / ١٠١ ]
وعلموا أنه قد مات فلم يعرف أحد من بني إسرائيل أين قبره ونقل إنه دفن في الوادي من الأرض التي مات فيها.
واختلف الناس في محل قبره فقيل - وهو المشهور عند الناس - إنه شرقي بيت المقدس بينه وبين بيت المقدس مرحلة ودربه عسر لكثرة الوعر وعليه بناء وداخله مسجد وعن يمينه قبة معقودة بالحجارة وفيها ضريحه ويضع على قبره في أيام موسم زيارته ستر من حرير أسود وعل الستر طراز أحمر مزركش دائر على جميع أطرافه بالذهب والأكثر ون على أن هذا قبره وفي الصحيح أن النبي ﷺ مر به ليلة الإسراء وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر.
والذي بني القبة المذكورة الملك الظاهر بيبرس ﵀ عند عوده من الحج وزيارته بيت المقدس في سنة ثمان وستين وستمائة ثم بنى بعده أهل الخير وزادوا زيادات في المسجد وحوله فحصل النفع بذلك للزائر ثم في سنة خمس وسبعين وثمانمائة وسع داخل المسجد من جهة القبلة ولم تكمل عمارته إلى سنة خمس وثمانين وثمانمائة ثم بنى به منار بعد الثمانين والثمانمائة وهذا المكان بالقرب من أريحا الغور من أعمال بيت المقدس وأهل بيت المقدس يقصدون زيارته في كل سنة عقب الشتاء ويقيمون عنده سبعة أيام.
وقد ظهر في هذا المكان أشياء من أنواع المعجزات منا إنه عند الضريح الذي بداخل القبة لا يزال يرى فوق المحراب خيال أشباح ألوانهم مختلفة منهم صفة الراكب ومنهم صفة الماشي ومنهم من على كتفه رمح ومنهم لابس أبيض ومنهم لابس أخضر ويصافح بعضهم بعضًا وغير ذلك ممن الصفات وللناس في ذلك أقوال مختلفة فيقال إنهم الملائكة ويقال إنهم الصالحون وينظرهم كل الناس من الرجال والنساء والأطفال ولا يخفون على أحد.
وإذا دخل المسجد امرأة من النساء يكون عليها حيض أو جناب أو فعل أحد حول المسجد منكرًا من المعاصي يثور هواء في تلك البرية حتى لا يقدر الرجل على
[ ١ / ١٠٢ ]