هو يوسف الصديق بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فهو نبي الله بن ابن نبي الله وخليله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ولد يوسف ﵇ لما كان ليعقوب من العمر إحدى وتسعون سنة.
[ ١ / ٦٦ ]
ولما صار ليوسف ثمانية عشر سنة كان فراقه ليعقوب وبقيا متفرقين إحدى وعشرين سنة ثم أجتمع يعقوب بيوسف في مصر وليعقوب من العمر مائة وثلاثون سنة وبقيا مجتمعين سبعة سنة وقيل غير ذلك.
وسبب فراق يوسف عن أبيه حسد أخوته فألقوه في الجب كما أخبر الله تعالى في كتابه العزيز واختلف في الجب فقال قتادة هو بيت المقدس وقال وهب في أرض الأردن وقال مقاتل هو على ثلاثة فراسخ من منزل أبيه يعقوب وكان بالجب ماء وبه صخرة فأوى إليها وأقام بالجب ثلاثة أيام فمرت به السيارة فأخرجوه وأخذوه فجاء أخوه يهوذا بطعام غل الجب ليوسف فلم يجده في الجب ورآه عند تلك السيارة فأخبر يهوذا بقية أخوته بذلك فأتوا إلى السيارة وقالوا هذا عبدنا أبق منا فاشتروه من أخوته بثمن بخس قيل عشرون درهمًا قيل أربعون درهمًا ثم ذهبوا إلى مصر فباعوه لأستاذهم الذي خزائن مصر واسمه العزيز.
وكان فرعون مصر حين ذلك الريان بن الوليد رجلًا من العماليق والعماليق هم ولد عملاق بن سام بن نوح فهويته امرأته راعيل وراودته عن نفسها فأبى وهرب فلحقته وأمسكته بقميصه فانقد ووصل أمرهما غل زوجها العزيز وابن عمها بتحقيق وبيان وظهر لهما براءة يوسف ثم بعد ذلك ما زالت تشكو إلى زوجها وتقول له إنه يقول للناس إني راودته عن نفسه وفضحني فحبسه زوجها سبع سنين ثم أخرجه فرعون مصر بسبب تعبير الرؤيا التي رآها.
ثم مات العزيز جعل فرعون مصر موضعه يوسف على خزائنه وجعل القضاء إليه ثم دعا يوسف الريان فرعون مصر إلى الإيمان فأمن به وبقي كذلك إلى أن مات الريان فرعون مصر وملكها وملك مصر بعده قابوس بن مصعب من العمالقة أيضًا ولم يؤمن.
وكان يوسف إذا سار في أزقة مصر يتلألأ نوره على الجدران وكان
[ ١ / ٦٧ ]
من صفته ﵇ إنه أبيض اللون حسن الوجه جعد الشعر ضخم العينين مستوى غليظ الساعدين والعضدين والساقين أقني الأنف صغير السرة بخده الأيمن وكان ذلك الخال يزين وجهه وبين عينيه شامة تزيده حسنًا وجمالًا كأنه البدر وكان إذا تبسم رأيت النور من ضواحكه وإذا تكلم رأيت نور يثور من بين ثناياه ﷺ.
وصل إلى يوسف أبوه يعقوب وإخوته جميعهم من كنعان وهي أرض وقد ذكر الله تعالى قصته في القرآن مبسوطة مفصلة ومات يعقوب وأوصى ولده أن يدفنه عند أبيه إسحاق فسار به إلى حبرون ودفنه عند أبيه وقبره بحذاء الخليل ﵇ من جهة الشمال وهو مشهور.
كان عمر يوسف لما توفي والده يعقوب ستًا وخمسين سنة ولما دفنه عاد وعاش يوسف مائة وعشرين سنة وبينه وبين سيدنا موسى ﵇ سنة ونزل عليه جبريل أربع مرات وتوفي بمصر ودفن بها حتى كان موسى ﵇ وفرعون.
وما سار موسى من مصر ببني إسرائيل إلى النية نبش على يوسف وحمله معه حتى مات موسى فلما قدم يوشع بن نون ببني إسرائيل إلى الشام دفنه في نابلس وقيل عند الخليل وهو المشهور عند الناس فإن قبره عند ممر مشهور وقد استفاض عند الناس فلم ينكر.
روي أن الله تعالى أوحي إلى موسى ﵇ إن أحمل يوسف إلى عند آبائه فلم يدر أين هو فسأل نبي إسرائيل فلم يعرف أحد منهم فقال له شيخ - عمره ثلاثمائة سنة - يا نبي الله ما يعرف قبر يوسف إلا فقال له موسى ﵇: قم معي إلى أمك.
قام معه إلى منزله فدخلا المنزل وأتاه بقفة وفيها والدته فقال لها موسى ﵇ بقبر يوسف؟ قالت نعم قال فدلني عليه قالت أدلك على قبره
[ ١ / ٦٨ ]
بشرط أن تدعو الله أن يرد على شبابي إلى سبعة عشر سنة وأن يزيد لي في عمري مثل ما مض قال فدعا فقال لها موسى ﵇ كم عشت؟ فقالت تسعمائة سنة فعاشت ألفًا وثمانمائة سنة وأرت موسى ﵇ قبر يوسف ﵇ وكان في وسط نيل مصر في صندوق من رخام وذلك إنه لما مات تشاجر عليه الناس وكل أراد أن يدفن في محلته لما يرجو من بركته ﵇ فاختلف رأيهم في ذلك حتى أرادوا أن يقتتلوا فرأوا أن يدفن في النيل ليمر عليه الماء فتصل بركته إلى جميع مصر وما حولها فيكونون كلهم في بركته مشتركين ففعلوا ذلك.
ولما علم مكانه أخرجه وهو في التابوت وحمله على عجل من حديد إلى بيت المقدس وقبره في البقيع خلف الحير السليماني حذاء قبر يعقوب وجوار جديه إبراهيم وإسحاق ﵉.
وعن إبراهيم بن أحمد الخليجي إنه لما سألته جارية المقتدر - وكانت تعرف بالعجوز وكانت مقيمة ببيت المقدس - الخروج إلى موضع الذي روي أن قبر يوسف فيه إظهاره والبناء عليه قال فخرجت والعمال معي فكشف البقيع الذي روي إنه فيه خارج الحير حذاء قبر أبيه يعقوب ﵉.
قال فاشترى البقيع من صاحبه وأخذ في كشفه فخرج في الموضع الذي روي إنه فيه حجر عظيم فأمر بكسره فكسر منه قطعة قال وكنت معهم في الحفر فلما شالوا القطعة من الحجر وإذا هو يوسف ﵇ على الصفة بحسنه وجماله وصارت روائح الموضع مسكًا ثم جاء ريح عظيم فأطبق العمال الحجر على ما كان سابقًا ثم بني عليه القبة التي هي عليه الآن على صحة من رؤيته ﷺ وهو خارج السور السليماني من جهة الغرب بداخل مدرسة منسوبة للسلطان الملك الناصر حسن وتمسي الآن بالقلعة ويدخل إليه من عند باب المسجد الذي عند السوق تجاه عين الطواشي وهو موضع مأنوس وفيه الضريح.
ثم أن بعض النظار على وقف سيدنا الخليل ﵊ وهو
[ ١ / ٦٩ ]
شهاب الدين أحمد اليغموري فتح بابًا في السور السليماني من جهة الغرب بحذاء القبر المنسوب لسيدنا يوسف الصديق ﵇ وجعل فوق القبر السفلي إشارة تدل عليه كبقية الأضرحة الكائنة بمسجد سيدنا الخليل ﵇ وذلك في سلطنة السلطان الملك الظاهر برقوق.
وروي عن أبي هريرة ﵁ إنه قال قال رسول الله ﷺ إن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم جاءني الداعي لأجبته.
وسئل رسول الله ﷺ من أكرم الناس؟ قال أتقاهم لله فقالوا ليس عن هذا نسألك قال فأكرم الناس يوسف الصديق نبي الله بن نبي الله بن نبي الله بن خليل الله.
فهؤلاء الأنبياء الأربعة وهم إبراهيم الخليل وولده إسحاق وولده يعقوب وولده يوسف قبورهم في محل واحد وعليهم من الوقار والجلال ما لا يكاد يوصف صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.