وكان في زمن بني إسرائيل وأيام موسى عبد صالح فمات وترك امرأته حاملًا فولدت بعده غلامًا فسمته أمه ميشا فكبر وكان صالحًا بارًا بأمه فأعلمته أمه أن أباه خلف عجلة وإنها دفعتها للراعي وهي عنده وأمرته بأخذها منه فتوجه إلى الراعي وأخذها منه.
فلما عاد قالت له أمه هذه بقرتك بارك الله لك فيها فانطلق بها إلى السوق فتعرض له ملك من ملائكة وقال له أيها الفتى البار لامه بكم تبيعها؟ فقال الفت بثلاثة دنانير بشرط أن أستأذن أمي فقال له خذ لك خمسة دنانير ولا تستأذن أمك فأب وعاد إلى أمه فأخبرها فقالت له يا بني ارجع وبعها بخمسة دنانير
[ ١ / ٩٧ ]
فعاد بها إلى السوق فجاءه الملك وقال بكم تبيعها؟ فقال بخمسة دنانير على أن استأذن أمي فقال له الملك خذ لك عشرة دنانير ولا تستأذن أمك فلم يفعل وعاد إلى أمه وأخبرها فقالت له يا بني في غد بعها بعشرة دنانير على أذني وأعلم يا بني إنها تساوي عشرة دنانير غير أن الذي يتعرض لك في شرائها ملك يستخبرك كيف برك لامك وطاعتك إياها فإذا جاءك فقل له أيها الملك المقرب فبكم أبيعها وافعل ما يقول لك.
فلما كان من الغد جاءه الملك وقال له قد جئتك اطلب بقرتك ثلاث مرات فلم تبعني إياها فقال له إن أمي أخبرتني إنك لست بآدمي وإنما أنت ملك من الملائكة فأخبرني ما أصنع ببقرتي؟ فقال له الملك ردها إلى منزلك فإنه سيقتل في بني إسرائيل قتيل ولا يعرفون قاتله فيشترون بقرتك ليحيي القتيل بها فتبيعها بما تريد فانصرف الفت إلى أمه وأخبرها بذلك.
ثم قتل في بني إسرائيل قتيل دعوه أقاربه إلى ضيافة لهم فقتلوه ثم حملوه إلى قرية أخرى وألقوه على باب من أبواب أهل القرية واستعدوا إلى موسى وادعوا على الذي وجدوا القتيل على بابه فحلف الذي وجد على بابه بين يدي موسى ﵇ أربعين يمينًا أنه ما قتله وشهد من بني إسرائيل أربعون شاهدًا بصلاح المتهم فتحير موسى من ذلك فأوحى الله إليه أن قل لأولياء المقتول يشتروا بقرة ويذبحوها ويضربوا ببعضها بدن المقتول حتى يحييه الله تعالى لهم ويخبرهم بالذي قتله فقال لهم موسى ذلك (فقالوا أتتخذنا هزوًا) فقال لهم (أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) قالوا يا موسى ادع لنا ربك يبين لنا ما صفة البقرة فأوح الله إليه (إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك) يعني لا كبيرة ولا صغيرة فقال لهم موسى ذلك (فقالوا ادع لنا ربك أن يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقر صفراء فاقع لونها تسر الناظرين).
فلما قال لهم ذلك (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا
[ ١ / ٩٨ ]
إن شاء الله لمهتدون) فأوح الله إليه (إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث) أي مذللة للعمل تثير الأرض تقبلها للزراعة ولا تسقي الحرث أي إنساني (مسلمة - بريئة من العيوب - لا شية فيها) وإنما لونها واحد.
فلما سمعوا ذلك من موسى اجتهدوا في طلبها فلم يجدوا هذه الصفة إلا عند ميشا البار بأمه ولو كانوا في ابتداء الأمر ذبحوا بقرة سواها كانت أغنت عنها بظاهر الأمر الأول غير إنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
فجاؤوا إلى ميشا ليبعهم البقرة فامتنع وقال إنا أبيعها لموسى فرضوا بذلك وأخرج ميشا بقرته وسار بها إلى موسى فقال له موسى بكم هذه؟ فقال ميشا البار بأمه أبيعها بملأ جلدها ذهبًا لا يزيد ولا ينقص فقالوا له هذا شيء كثير لا قدر لنا عليه فقال لهم موسى ﵇ إن ذلك من أجل تشديدكم في الأمر فضمن موسى ثمن البقرة على بني إسرائيل وسلم إليهم البقر، قال الله تعالى (فذبحوها وما كادوا يفعلون) يعني ما كادوا معتقدين بوفاء ثمنها فلما ذبحوها قطعوا ذنبها وضربوا به القتيل فاستوى قاعدًا فسألوه عن الذي قتله فقال لهم قتلني فلان وفلان ثم خر ميتًا فقتلهما موسى ﵇ بذلك القتيل ثم أمرهم بسلخ البقرة فسلخوها وملئوا جلدها ذهبًا ودفعه موسى لصاحبها ميشا وذلك قوله تعالى (فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون).