ثم أوحى الله إليه أن يسير بهم إلى الأرض المقدسة فإذا أردتم دخولها فلا تدخلوها إلا ساجدين شاكرين لربكم على تبليغكم إياها فقاتلوا الجبارين وجاهدوهم وستثقلوا ذلك واستبعدوا الأرض المقدسة واختاروا أيام فرعون على هذه الأيام.
فأوحى الله إلى موسى إني ممطر عليهم المن وآمر الريح أن تأتيهم بالسلوى والحجر أن ينفجر لهم بماء عذب وأمرت الغمام أن يسير معهم واخفافهم لا تنقب ثيابهم تكون بقدر صغارهم وكبارهم فلما سمعوا ذلك طابت نفوسهم وساروا الأمر على ذلك.
ثم اختار موسى اثني عشر رجلًا بإذن الله تعالى ووجههم إلى أريحا مدينة الجبارين فيأتوه بخبرها وصفة أهلها فخرجوا ومعهم يوشع بن نون فلما قربوا من المدينة استقبلهم رجل من الجبارين فساقهم بين يديه إلى أريحا فاجتمعوا عليهم يتعجبون من ضعف أبدانهم وقالوا هؤلاء الذين يزعمون إنهم يخرجوننا من مدينتنا وهموا بقتلهم ثم اقتضى رأيهم أن يدعوهم ليكونوا عبيدًا لهم فلما أقبل الليل هربوا على وجوههم ولم يزالوا حتى وصلوا إلى معسكر بني إسرائيل وأخبروهم بذلك.
[ ١ / ٩٤ ]
فبلغ موسى ما صنعوا فدعاهم وقال لهم ألم أقل لكم اكتموا ما ترون فلم تقبلوا حتى هولتم عليهم وأرعبتم قلوبهم ثم دعا عليهم فمات منهم عشر وبقى رجلان يوشع وكالب فإنهما كانا كتماه.
ثم وقع الخوف في بني إسرائيل من الجبارين وقالوا يا موسى إن مملك فرعون كانت أخف علينا مما نحن فيه ودخول مدين الجبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون واختلفوا عليه وهو يقول لهم (يا قوم لا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) فقال عند ذلك يوشع ابن نون وكالب (أدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون) فلم يلتفت إلى قولهما (فقال موسى رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) فأوحى الله تعالى إليه يقول (فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين).
ولم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن ولد بمصر.
وسلط الله عليهم التيهان فكان كلما حرج واحد منهم يتيه في الأرض فلا يهتدي أن يرجع حتى يموت وأما المؤمنين فلا يموتون وإن تاهوا فلم يزالوا كذلك حتى انقرض آخرهم على رأس أربعين سنة.
وسار موسى إلى باب حطة وعليه مكتوب اسم الله الأعظم واقبل المؤمنين فسجدوا عند الباب ودخل أولاد الفاسقين وهم يقولون حنطة حمراء فذلك قوله تعالى (فبدل الذين ظلموا قولًا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزًا من السماء بما كانوا يفسقون) يعني أخذهم الطاعون حتى ماتوا جميعًا ثم غلب موسى ﵇ على أهل مدين أريحا واسر من كان فيها من الجبارين وتفرقوا على البلاد حتى أهلكهم الله تعالى.
وسار موسى ﵇ ببني إسرائيل يريد مدينة بلقا فجاءها وقتل ملكها
[ ١ / ٩٥ ]
وغنم بنو إسرائيل من أرض البلقا من النساء والولدان شيئًا كثيرًا.
ثم إن بني إسرائيل ملوا من أكل المن والسلوى (فقالوا يا موسى ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها فأنا لن نصبر على طعام واحد فقال لهم موسى أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) فأبدلهم الله بالمن والسلوى ما سألوا ورفع عنهم ذلك وذلك قوله تعالى (اهبطوا مصرًا لكم ما سألتم) وهم يزيدون على أربعين ألفًا.