وفي السنة الخامسة والعشرين من ملكه جاءته بلقيس ملكة اليمن ومن معها وقصتها معه مشهورة وملخصها عن سيدنا سليمان ﵇ لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى مكة فتجهز للسير واستصحب من الجن والأنس
[ ١ / ١٢٦ ]
والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ فحملتهم الريح.
فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم وكان ينحر كل يوم - طول مقامه بمكة - خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة وقال لمن حضره من أشراف قومه هذا مكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا وكذا يعطي النصر على من عاداه وتبلغ هيبته مسيرة شهر القريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم.
قالوا فبأي دين يدين يا نبي الله؟ قال بدين الحنيفية فطوبي لمن آمن به وأدركه فقالوا كم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال مقدار ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل.
فأقام بمكة حتى قضي نسكه ثم خرج من مكة صباحًا وسار حتى لحق اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى أرضًا حسنا تزهو خضرتها فأحب النزول بها ليتغذى ويصلي.
وكان الهدهد دليل سليمان على الماء فإنه كان يعرف موضع الماء ويراه تحت الأرض كما يرى في الزجاجة فيعرف قربه من بعده فينقر الأرض حتى تجيء الشياطين فيسلخونها ويستخرجون الماء فلما نزل سليمان قال الهدهد سليمان قد اشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء حتى نظر إلى طول الدنيا وعرضها فنظر يمينًا وشمالًا فرأى بستانًا لبلقيس فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه وكان اسم الهدهد سليمان يعفو واسم هدهد اليمن عنيفر.
فقال عنيفر اليمن ليعفور سليمان من أين أقبلت وأين تريد؟ قال أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود فقال ومن سليمان؟ قال ملك الأنس والجن والشياطين والوحوش والطيور والرياح فقال يعفور لعنيفر فمن أين أنت؟ قال أنا من هذه البلاد قال ومن ملكها؟ قال امرأة يقال لها بلقيس وأن لصاحبكم ملكًا عظيمًا ولكن ليس ملك بلقيس دونه فإنها ملكة اليمن كلها
[ ١ / ١٢٧ ]
وتحت يدها اثنا عشر ألف قائد تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج الماء قال الهدهد اليماني إن صاحبكم يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة فانطلق مهم حتى نظر إلى بلقيس وملكها وما رجع إلى سليمان إلا وقت العصر فلما نزل ودخل عليه وقت الصلاة - وكان نزل على غير ماء - فسأل الجن والأنس والشياطين عن الماء فلم يعلموا.
فتفقد الطير الهدهد فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال أصلح الله الملك ما أدري أين هو وما أرسلته مكانًا فغضب عند ذلك سليمان وقال (لأعذبنه عذابًا شديدًا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين).
واختلف في العذاب الذي توعده به فأظهر الأقوال أن عذابه أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس ممعطًا لا يمتنع من النحل ولا من هوام الأرض أو لأذبحنه أي لأقطعن حلقه أو ليأتيني بسلطان مبين بحجة بينة وعذر ظاهر.
ثم دعا العقاب سيد الطيور فقال علي بالهدهد الساعة.
فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى التصق بالهواء إلى الدنيا كالقصعة بي يدي أحدكم ثم التفت يمينًا وشمالًا فإذا هو بالهدهد مقبلا من ناحية اليمن فانقض العقاب نحوه يريده فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده فقال بالذي قواك وأقدرك علي إلا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء فولى العقاب وقال ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله حلف أن يعذبك أو يذبحك ثم طارا متوجهين نحو سليمان.
فلما انتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير فقالوا له ويلك أين غبت في يومك هذا القدر توعدك سليمان نبي الله وأخبروه بما قال فقال الهدهد وما استثنى رسول الله ﷺ؟ قالوا بلى قال (أو ليأتيني بسلطان مبين) قال نجوت إذًا.
[ ١ / ١٢٨ ]
ثم انطلق العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان - وكان قاعدًا على كرسيه - فقال العقاب قد أتيتك به يا نبي الله فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه أرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعًا لسليمان فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه فقال أين كنت؟ لأعذبنك عذابًا شديدًا فقال له الهدهد يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله ﷿ فلما سمع سليمان ذلك ارتعد وعفا عنه.
ثم سأله ما الذي أبطأك عني؟ فقال الهدهد ما أخبر به الله تعالى في قوله (فمكث غير بعيد - أي غير طويل - فقال أحطت بما لم تحط به) والإحاطة العلم بالشيء من جميع جهاته يقول علمت ما لم تعلمه وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك (وجئتك من سبأ بنبأ يقين).
واختلف في سبأ: فقيل: اسم البلد - وقيل: اسم رجل.
فقال سليمان وما ذاك؟ قال إني وجدت امرأة تملكهم اسمها بلقيس بنت شراحيل من نسل يعرب بن قحطان وكان أبوها ملكًا عظيم الشأن وقد ولد له أربعون ملكًا وهي آخرهم وكان يملك أرض اليمن كلها وكان يقول الملوك الأطراف ليس أحد منكم كفؤًا لي وأبي أن يتزوج منهم فزوجوه امرأة من الجن يقال لها ريحانه بنت اليسكن فولدت له بلقيس ولم يكن له ولد غيرها.
وجاء في الحديث إن أحد أبوي بلقيس كان جنيًا فلما مات أبو بلقيس طمعت في الملك فطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها آخرون فملكوا عليهم رجلًا فافترقوا فرقتين كل فرقة استولت على طرف من أرض اليمن ثم إن الرجل الذي ملكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حريم رعيته فيفجر بهن فأراد قومه خلعه فلم يقدروا عليه.
فلما رأت بلقيس ذلك أدركها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه فأجابها الملك وقال ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلا الأياس منك فقالت لا أرغب عنك كفؤ كريم فاجمع رجال قومي وأخطبني إليهم فجمعهم وخطبها إليهم فقالوا:
[ ١ / ١٢٩ ]
لا نراها تفعل هذا فقال لهم إنها طلبت ذلك أحب أن تسمعوا قولها.
فجاؤها فذكروا لها ذلك فقالت نعم أحببت الولد فزوجوها منه.
فلما زفت إليه خرجت بأناس كثيرة من حشمها فلما جاءته سقته الخمر حنى سكر ثم حزت رأسه وانصرفت من الليل إلى منزلها.
فلما أصبحوا ورأوا الملك قتيلًا ورأسه منصوب على باب دارها علموا أن تلك المناكحة كانت مكرًا وخديعة منها فاجتمعوا إليها وقالوا أنت بهذا الملك أحق من غيرك فملكوها.
وقد جاء في الحديث الشريف أن رسول الله ﷺ لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال لا أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.
قال الله تعالى (وأوتيت من كل شيء - أي تحتاج إليه الملوك من الآلة والعدة - ولها عرش عظيم) سرير ضخم كان مضروبًا رمن الذهب مكللًا بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر وقوائمه من الياقوت ومن الزمرد وعليه سبعة بيات على كل بيت باب يغلق قال ابن عباس كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعًا في ثلاثين ذراعًا وطوله في السماء ثلاثون ذراعًا وقيل غير ذلك.
(وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يعتدون ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض - فخبء السماء المطر وخبء الأرض النبات - ويعلم ما يخفون وما يعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) أي هو المستحق للعبادة والسجود لا غيره وعرش ملكة سبأ وإن كان عظيمًا فهو صغير حقير في جنب عرشه ﷿.
فلما فرغ الهدهد من كلامه قال له سليمان (سننظر أصدقت فيما أخبرت أم كنت من الكاذبين) فدلهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدواب ثم كتب سليمان كتابًا:
من عند سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ بسم الله الرحمن الرحيم
[ ١ / ١٣٠ ]
سلام من اتبع الهدى أما بعد (فلا تعلوا علي ائتوني مسلمين).
ولم يزد سليمان على ما قص الله في كتابه وكذلك الأنبياء كانت تكتب جملالًا لا يطيلون ولا يكثرون.
فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك وختمه بخاتمة وقال للهدهد (اذهب بكتابي هذا فالقه إليهم ثم تول - تنح عنهم وكن قريبًا منهم - فانظر ماذا يرجعون) يردون من جواب.
فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به إلى بلقيس - وكانت بأرض اليمن بأرض يقال لها مأرب بأرض صنعاء على ثلاثة أيام - فوافوها في القصر وقد أغلقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها فأتاها وهي نائمة مستلقية على قفاها فألق الكتاب على نحوها فأخذت بلقيس الكتاب - وكانت قارئة - فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان كان في خاتمه وعرفت أن الذي أرسل الكتاب أعظم ملكًا منها فقرأت الكتاب وتأخر الهدهد غير بعيد.
فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد مع كل قائد مائة ألف مقاتل فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس (يا أيها الملأ - وهم أشراف الناس وكبراؤهم - إني القي إلي كتاب كريم) سمته كريمًا لأنه مختومًا.
وروى عن النبي ﷺ إنه قال كرامة الكتاب ختمه.
ثم بينت ممن الكتاب وقالت (إنه من سليمان) وبينت المكتوب فقالت (وإنه بسم الله الرحمن الرحيم إن لا تعلو علي) قال ابن عباس لا تتكبروا علي (وائتوني مسلمين) طائعين قيل هو من الإسلام قيل هو من الاستسلام (قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري - أشيروا علي فيما عرض لي وأجيبوني ما كنت قاطعة قاضية وفاصلة أمرًا - حتى تشهدون - أي تحضرون - قالوا - مجيبين لها - نحن أولوا قوة - في المال - وأولوا بأس شديد) - عند الحرب والقتال.
[ ١ / ١٣١ ]
ثم قالوا والأمر إليك أيتها الملكة في القتال وتركه فانظري من الرأي ماذا تأمرين تجدينا لأمرك مطيعين.
قالت بلقيس - مجيبة لهم عند التعريض بالقتال - إن الملوك إذا دخلوا قرية عنوة أفسدوها - خربوها - وجعلوا أعزة أهلها أذلة) أي أهانوا أشرافها وكبراءها كي يستقيم لهم الأمر تحذرهم مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدق الله قولها فقال (وكذلك يفعلون) أي كما قالت هي يفعلون ثم قالت (وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) والهدي هي العطية على ظهر الملاطفة.
وذلك أن بلقيس كانت امرأة لبيبة قد سيست وساست فقالت للملأ حولها من قومها إني مرسلة إلى سليمان وقومه بهدية أصانعه بها عن ملكي واختبره بها أملك هو أم نبي فإن يكن نبيًا لم يقبل الهدية ولم يرضه منا إلا أن نتبعه على دينه وذلك وله تعالى (وكذلك يفعلون) أي كما قالت هي يفعلون ثم قالت (وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون). والهدية هي العطية على ظهر الملاطفة.
فأهدت له وصفاء ووصائف وألبستهم لباسًا واحدًا كي لا يعرف ذكرهم من أثناهم قيل ألبست الغلمان لباس الجواري وعكسه وكان في لباسهم ما هو مرصع بأنواع الجواهر وأركبتهم الخيول بلجم الذهب مرصعة بالجواهر وجعلت الغواشي من الديباج الملون وبعثت إليه خمسمائة لبنة من الذهب وخمسمائة لبنة من الفضة مكللة بالدر واليواقيت وأرسلت إليه المسك والعنبر والعود اليلنجوج وعمدت إلى حقة فجعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة وخرزة جزعية صغيرة مثقوبة معوجة الثقب ودعت رجلًا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت إليه كتابًا بنسخة الهدية وقالت له إن كنت نبيًا فميز بين الوصفاء والوصائف وأخبر بما في الحقة من غير علاج أنس ولا جن.
[ ١ / ١٣٢ ]
وأمرت بلقيس الغلمان وقالت لهم إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام تأنيث وتخنث يشبه كلام النساء وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال ثم قالت لرسولها انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم إنه ملك ولا يهولنك منظره فإنا أعز منه وإن رأيت الرجل بشاشًا لطيفًا فاعلم إنه نبي مرسل فافهم قوله ورد الجواب فانطلق رسولها بالهدية.
وأتي الهدهد مسرعًا إلى سليمان فأخبره الخبر كله.
فأمر سليمان الجن أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة ففعلوا ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه - وكان تسع فراسخ - ميدانًا واحدًا بلبنات الذهب والفضة.
وأن يتركوا على طريقهم موضعًا على قدر اللبنات خاليًا وباقي الأرض مفروشة وإن يجعلوا حول الميدان حائطًا شرافاتها من الذهب والفضة ثم قال أي الدواب خير ما رأيتم في البر والبحر؟ قالوا يا نبي الله أنا رأينا دواب في بحر كذا وكذا منطقة مختلفة ألوانها على صفات الخيل ولها أجنحة وأعراف ونواصي فقال سليمان علي بها الساعة فأتوا بها فقال شدوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضة وألقوا لها علفها فيها.
ثم قال سليمان للجن علي بأولادكم فاجتمع عنده خلق كثير فأقامهم عن يمين الميدان ويساره ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره ووضع له أربعة آلاف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفًا فاصطفوا فراسخ عن يمينه ويساره وأمر الأنس أن يصطفوا مثلهم فاصطفوا فراسخ ثم أمر الطيور والوحوش والهوام أن يصطفوا فاصطفوا فراسخ عن يمين سليمان وعن يساره وهو جالس على كرسيه والجميع حوله وعن يمينه وشماله.
فلما دنا القوم من الميدان ورأوا سليمان ونظروا إلى مكة ونظروا الدواب البحرية التي لم تر أعينهم مثلها على وجه الأرض وهو يبولون على لبن الذهب والفضة
[ ١ / ١٣٣ ]
ويروثون عليها تقاصرت أنفسهم ورموا جميع ما معهم من الهدايا في ذلك المكان خوفًا من أن يتهموا بذلك.
ولما نظروا إلى الشياطين ورأوا منظرًا عجيبًا فزعوا وخافوا فقال لهم الشياطين جوزوا فلا بأس عليكم فكانوا يمرون على كردوس من الجن والأنس والوحوش والطير والسباع والهوام حتى وقفوا بين يدي سليمان ﵇ فنظر إليهم منظرًا حسنًا بوجه طلق وبشاشة وقال وما رواء كم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا له به أعطاه كتاب الملكة فنظر فيه ثم قال أين الحقة؟ فأتوه بها فحركها وجاءه جبرائيل ﵇ وأخبره بما فيها.
فقال سليمان إن فيها درة ثمينة غير مثقوبة وخرزة مثقوبة معوجة الثقب فقال له الرسول صدقت فاثقب لنا الدرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان من لي بثقبها وسأل سليمان الأنس والجن فلم يكن عندهم علم من ذلك ثم سأل الشياطين فقالوا أرسل إلي الأرضة فجاءت فأخذت شعرة في فمها ودخلت الخرزة بها حتى خرجت من الجانب الآخر.
فقال سليمان للأرضة ما حاجتك؟ وما الذي تريدين؟ قالت يا نبي الله أريد أن تصير رزقي في الشجر فقال لها لك ذلك.
ثم قال سليمان من لهذه الخرزة يسلكها الخيط؟
فقالت دودة بيضاء أنا لها يا رسول الله.
فأخذت الدودة الخيط في فمها ودخلت من جانب ثم خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان ما تريدين؟ قالت تجعل رزقي في فواكه فقال لها ذلك لك.
ثم ميز الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فجعلت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به الوجه؟ وجعل الغلام كلما أخذ من الآنية يضرب به وجهه وكانت الجارية تصب الماء صبا والغلام يحدر الماء على يديه حدرًا فميز بينهما بذلك.
[ ١ / ١٣٤ ]
ثم رد سليمان الهدية كما قال الله تعالى عنه تعالى قد مكنني فيها وأعطاني منها ما لم يعطه لأحد ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة ثم قال للمنذر بن عمرو - وهو أمير القوم - ارجع إليهم بالهدية (فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها - أي لا طاقة لهم بها - ولنخرجنهم منها - أي من أرضهم وبلادهم وهي سبأ - أذلة وهم صاغرون) أي ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
فلما رجع رسول بلقيس إليها قالت قد عرفت والله ما هذا بملك ولا لنا به من طاقة ثم بعثت إلى سليمان إني قادمة عليك بملوك قومي انظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك.
ثم أمرت بعرشها فجعلته في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض في آخر قصر من سبعة قصور ثم غلقت دونه الأبواب ووكلت به حراسًا يحفظونه ثم قالت لمن خلفت على سلطانها احتفظ بما قبلك وسرير ملكي لا تخلص إليه أحدًا ولا تدنيه حتى آتيك ثم أمرت مناديًا ينادي في أهل مملكتها تؤذنهم بالرحيل ثم شخصت إلي سليمان في اثنى عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يد كل قيل ألوف كثيرة.
وكان سليمان رجلًا مهابًا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه.
فخرج يومًا فجلس على سرير ملكه فرأى رهجًا قريبًا منه فقال ما هذا؟ قالوا له هذه بلقيس وقد نزلت بهذا المكان وكانت على مسيرة فرسخ من سليمان.
فأقبل سليمان حينئذ على جنوده وقال لهم يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين مؤمنين وقال ابن عباس مسلمين أي طائعين.
واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر سليمان باختصار عرشها:
[ ١ / ١٣٥ ]
فقال أكثرهم لأن سليمان علم إنها إن اسلم حرم عليه مالها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها وقيل أراد يريها قدرة الله ﷿ وعظيم سلطانه في معجزة يأتي بها عرشها قال قتادة لأنه أعجبه صفته حين وصفه الهدهد فأحب أن يراه.
وقال زيد أراد أن يبدأ بتنكيره وتغييره فيختبر بذلك عقلها.
(قال عفريت من الجن) - وهو المارد القوي قيل اسمه كودي وقيل اسمه دوكان وقيل هو صخر الجني وكان بمنزلة حبل يضع قدمه عند منتهى طرفه - (أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) - أي مجلسك الذي تحكم فيه - وكان له كل غداة مجلس يقضي فيه إلى فراغ النهار (وإني عليه - أي على حمله - لقوي أمين) على ما فيه من الجواهر والمعادن.
فقال سليمان أريد شيئًا يكون أسرع من ذلك.
(فقال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك).
واختلفوا فيه فقيل هو جبريل ﵇ وقيل هو ملك من الملائكة أيد الله به سليمان ﵇ وقال الأكثرون هو آصف بن برخيا وكان صديقًا يعرف اسم الله الأعظم الذي إذا ادعى به أجاب وإذا سئل به أعطى.
وروي عن ابن عباس إنه قال إن صف قال لسليمان - حين صلى - مد عينيك حتى ينتهي طرفك فمد عينيه - أي بصره - فنظر نحو اليمن فدعا آصف بين يدي سليمان فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض وهم يخدون خدًا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان وقيل غير ذلك وقيل كانت المسافة مقدار شهرين.
واختلف في الدعاء الذي دعا به صف فقيل إنه قال يا ذا الجلال والإكرام وقيل يا حي يا قيوم.
وعن الزهري قال الذي عنده علم من الكتاب يا إلهنا وإله كل شيء
[ ١ / ١٣٦ ]
إلها واحدًا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها وقيل إنما هو سليمان قال له عالم من بني إسرائيل - آتاه الله علمًا وفهمًا - (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) قال سليمان هات قال أنت النبي وليس أحد عند الله أوجه منك فإذا دعوت إليه وطلبته كان عندك قال صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت وقوله (قبل أن يرتد إليك طرفك) قال سعيد بن جبير يعني من قبل أن يرجع إليك أقصى من تر وهو أن يصل إليك من كان منك على مد بصرك وقيل غير ذلك.
(فلما رآه - يعني سليمان العرش - مستقرًا عنده - محمولًا إليه من هذه المسافة البعيدة في قدر ارتداد الطرف - قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر نعمته أم أكفر - فلأشكرها - ومن شكر فإنما يشكر لنفسه) أي يعود نفع شكره عليه وهو أن يستوجب به تمام النعمة ودوامها لأن الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة (ومن كفر فإن ربي غني) عن شكره وكريم بالا فضال على من يكفر نعمته (قال سليمان نكروا لها عرشها) أي سريرها إلى حال تنكره إذا رأته.
فقيل جعل أسفله أعلاه وعكسه وجعل مكان الجوهر الأحمر الأخضر وعكسه (ننظر أتهتدي - إلى عرشها فتعرفه - أم تكون من الجاهلين) الذين لا يهتدون إليه وإنما حمل سليمان على ذلك أن الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أمر الجن لأن أمها كانت جنية وإذا ولدت ولدًا لسليمان لا ينفكوا من تسخيرهم لسليمان وذريته من بعده فأساؤا الثناء عليها ليزهدوه فيها وقالوا له إن في عقلها شيئًا وإن برجليها شعرًا وإن رجليها كحوافر الحمار وإنها مشعرة الساقين.
فأراد سليمان أن يختبرها في عقلها فنكر عرشها وينظر إلى قدميها ببناء الصرح فلما جاءت لها أهكذا عرشك؟ قالت كأنه هو عرفته ولكن شبهت عليهم كما شبهوا عليها لم تقل نعم خوفًا من التكذيب فقالت كأنه هو.
فعرف سليمان كمال عقلها حيث لم تقر ولم تنكر وحكي غير ذلك.
[ ١ / ١٣٧ ]
(فقالت وأوتينا العلم) بصحة نبوة سليمان الآيات المتقدمة من أمر الهدية والرسل من قبلها ومن قبل الآية في العرش (وكن مسلمين) منقادين طائعين لأمر سليمان وقيل غير ذلك.
قال الله تعالى (وصدها ما كانت تعبد من دون الله) أيمنعها ما كانت تعبد من دون الله وهي الشمس (أن تعبد الله) أي صدها عبادة الشمس عن التوحيد وعن عبادة الله تعالى وقيل غير ذلك.
وقوله تعالى (قيل لها ادخلي الصرح) الآية وذلك أن سليمان ﵇ أراد أن ينظر قدميها وساقيها من غير أن يسلبها أثوابها وينظر ما قالت الشياطين عنها أن رجليها كحوافر الحمار وهي مشعرة الساقين فأمر سليمان الشياطين فبنوا له صرحًا أي قصرًا من زجاج وقيل الصرح صحن الدار أجرى تحته الماء والقى فيه كل شيء من دواب البحر حتى السمك والضفدع وغيرهما ثم وضع سريره في صدره وجلس عليه فعكف عليه الطير والجن والأنس وإنما بنى الصرح ليختبر فهمها كما فعلت هي بالوصائف والوصفاء.
فلما جلس سليمان على سرير دعا بلقيس فلما جاءت قيل لها ادخلي الصرح (فلما رأته حسبته لجة - وهي معظم الماء - وكشفت عن ساقيها) لتخوضه إلى سليمان.
فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس قدمًا وساقًا إلا إنها مشعرة الساقين فلما رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها ثم ناداها إنه صرح ممرد أي مملس من قوارير ثم دعاها للإسلام.
وكانت قد رأت حال العرش وعلمت أن ملك سليمان من الله تعالى فأجابت وقالت (رب إني ظلمت نفسي - بالكفر عبادة غيرك - وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) أي أخلصت له التوحيد.
واختلف في أمرها هل تزوجها سليمان ﵇؟ فقال بعضهم تزوجها
[ ١ / ١٣٨ ]
ولما أراد أن يتزوجها كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها فسأل الأنس ما يذهب هذا قالوا له الموسى فقال إنها تجرح ساقيها وسأل الجن فقالوا لا ندري ثم سأل الشياطين فقالوا نحتال لك بحيلة حتى يصير كالسبيكة الفضة من غير أذى فقالوا افعلوا.
فاتخذوا النورة والحمام وكانت النورة والحمام من ذلك اليوم.
ويقال إن الحمام كان بباب الآباط بالقدس الشريف وهو الحمام الذي بجوار المدرسة الصلاحية وهو من جملة أوقاف المدرس من الملك صلاح الدين وإنما بني لبلقيس وإنه أول حمام وضع على وجه الأرض والله أعلم.
ولما تزوجها سليمان أحبها حبًا شديدًا وأقرها على ملكها وأمر الجن فابتنوا بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعًا وحسنًا.
ثم كان سليمان بزورها في كل شهر مرة بعد إن ردها إلى ملكها ويقيم عندها ثلاث أيام؟ وولدت له فيما يذكر والله أعلم.