قد تقدم أن إبراهيم الخليل ﵇ لما سار إلى مصر ومعه زوجته سارة ووهبها فرعون مصر هاجر فلما قدم إلى الشام وأقام بين الرملة وإيليا وكانت سارة لا تحبل وهبت هاجر لإبراهيم ﵇ فواقعها فحملت وولدت إسماعيل ﵇ ومعنى إسماعيل بالعبرانية مطيع الله وكانت ولادته لمضي ست وثمانين سنة من عمر إبراهيم ﵇.
فغارت سارة وحزنت لذلك فوهبها الله تعالى إسحاق ولدته ولها تسعون سنة ثم غارت سارة من هاجر ومن ولدها إسماعيل وطلبت من إبراهيم إن يخرجهما عنها فأخذهما إبراهيم وسار بهما إلى ارض الحجاز وتركهما بمكة وذلك كله بإذن الله تعالى وليس بمكة يومئذ أحد ولا بها ماء فوضع هاجر وإسماعيل ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفل إبراهيم ﵇ منطلقًا.
فنهضت أم إسماعيل خلفه وقالت يا إبراهيم إلى أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شي وقالت له ذلك مرارًا فلم يلتفت إليها فقالت له الله أمرك بهذا فقال نعم فقالت إذا لا يضيعنا ربنا ثم رجعت.
[ ١ / ٣٦ ]
وانطلق إبراهيم ﵇ حتى إذا كان عند الثنية حيث أنهما لا يرونه استقبل القبلة بوجهه ودعا بهذه الدعوات ورفع يديه (فقال رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون).
وأما أم إسماعيل فجعلت ترضع إسماعيل ﵇ وتشرب من ذلك الماء حتى نفد ما في السقاء فعطشت وعطش ولدها فجعلت تنظر إليه وهو يتلوى من شدة العطش فانطلقت كراهة ان تنظر إليه وهو على تلك الحالة فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض إليها فقالت عليه ثم استقبلت الوادي وجعلت تنظر إليه لعلها تنظر أحدًا فلم تنظر أحدًا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سمعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي وهي تنظر لخالقها ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا ففعلت ذلك سبع مرات.
قال ابن عباس ﵄ قال النبي ﷺ فذلك سعي الناس بينهما.
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت مه - تريد نفسها - ثم تسمعت فسمعت الصوت ثانيًا فقالت قد سمعت إن كان عندك غوث فأغث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوطه وتقول بيديها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهي تقول بعدما تغرف زم زم قال ابن عباس قال النبي ﷺ رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكان زمزم عينًا معينًا.
قال فشربت وأرضعت ابنها فقال لها الملك لا تخافي الضيعة فان هاهنا بيت الله الحرام وسيبنيه هذا الغلام وأبوه وان الله لا يضيع أهله وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله.
ثم نزل هناك أبيات من جرهم وشب إسماعيل ﵇ وتعلم العربية
[ ١ / ٣٧ ]
منهم فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت أمه هاجر فجاء إبراهيم ﵇ فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته فقالت خرج يبتغي لنا الصيد ثم سألها عن عيشهم فقالت نحن بشر وشكت إليه بعلها فقال لها إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له يغير عتبة بابه.
فلما جاء إسماعيل أخبرته بما كان قال ذلك أبي أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك فطلقها وتزوج بأخرى منهم.
فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله تعالى ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجده فسأل امرأته فقالت خرج يبتغي لنا صيدًا فقال لها كيف أنتم فقالت نحن بسعة وبخير من الله تعالى وأثنت على بعلها خيرًا وشكرت الله تعالى فقال لهما طعامكم؟ قالت اللحم قال فما شرابكم؟ قالت الماء فقال اللهم بارك لهم في اللجم والماء ثم قال لها إذا جاء زوجك فأقرئي عليه مني السلام وأمريه أن يثبت عتبة بابه فلما جاء إسماعيل أخبرته بما قال فقال ذلك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك.
ثم إنه لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وكان إسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبًا من زمزم فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم شرعا في بناء الكعبة.
وقد اختلف في أول من بنى الكعبة فقيل الملائكة بإذن الله تعالى وقيل آدم ﵇ ولكن اندرس في زمان الطوفان ثم أظهره الله تعالى لإبراهيم ﵇ حتى بناه وقصة بناء إبراهيم ﵇ مشهورة وملخصها أن إبراهيم ﵇ لما سار من الشام وقدم مكة قال يا إسماعيل إن الله أمرني أن ابني له بيتًا هاهنا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها فقال إسماعيل السمع والطاعة لما قال ربنا قال إبراهيم وقد أمرك أن تعينني فقال إسماعيل إذا افعل فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة فكانا كلما بنيا دعوا فقالا (ربنا تقبل منا
[ ١ / ٣٨ ]
إنك أنت السميع العليم) وكان وقوف إبراهيم علي حجر وهو يبني وذلك الموضع هو مقام إبراهيم.
واستمر البيت على ما بناه إبراهيم إلى أن هدمته قريش سنة خمس وثلاثين من مولد رسول الله ﷺ وبنوه وكان بناء الكعبة بعد مضي مائة سنة من مولد إبراهيم ﵇ فيكون بالتقريب بين بناء الكعبة وبين الهجرة الشريفة ألفان وسبعمائة وثلاث وتسعون سنة وقد مضى من الهجرة الشريفة إلى عصرنا هذا تسعمائة سنة كاملة فيكون الماضي من بناء إبراهيم الخليل الكعبة الشريفة إلى آخر تسعمائة سنة من الهجرة النبوية ثلاثة آلاف وستمائة وثلاث وتسعين سنة والله أعلم.
وسيأتي ذكر ما وقع في الكعبة الشريفة من الهدم والبناء في السيرة الشريفة المحمدية وفي ذكر بناء عبد الملك بن مروان لمسجد بيت المقدس إن شاء الله تعالى.