ثم قصد موسى السير إلى أهله فبكى شعيب وقال يا موسى كيف تخرج عني وقد ضعفت وكبرت؟ فقال موسى قد طالت غيبتي عن أمي وخالتي وهارون أخي وأختي فإنهم في أسر فرعون فقام شعيب وبسط يديه إلى ربه وقال يا رب إبراهيم الخليل وإسماعيل الصفي وإسحاق الذبيح ويعقوب الكظيم ويوسف الصديق رد قوتي وبصري فأمن موسى على دعائه فرد الله عليه بصره وقوته ثم أوصاه بابنته.
وسار موسى وأهله وضرب خيمته على الوادي وأدخل أهله فيها وهطلت السماء بالمطر والثلج وكانت امرأته حاملًا فأخذها الطلق فأراد أن يقدح فلم يظهر له نار فاغتنم لذلك وإذا هو بنار من بعد (فقال لأهله امكثوا إني آنست نارًا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) فأتى نحو النار فلما دنا منها رأى نورًا ممتدًا من السماء إلى شجرة عظيمة من الغوسج وقيل من العناب فتحير
[ ١ / ٨١ ]
وخاف فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن من الشجرة (إن يا موسى إني أنا الله ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فأعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) ثم قال (وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى) قال الله ﷿ (ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى فلما رآها ولى مدبرًا) ولم يعقب فسمع النداء هل يملك أحد الموت والحياة غير الله ﷿؟ فرجع موسى إلى موضعه والحية على حالها فقال الله تعالى (خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى) فأدخل يده في كمه ليأخذها فسمع النداء أرأيت لو أذنت لها أن تضربك أكان يغنيك كمك؟ فكشف يده وأدخلها في فمها فإذا هي عصا كما كانت.
قال ﷿ (أضم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء) أي من غير برص آية أخرى مع العصا فعند ذلك أنس موسى وذهب عنه الخوف قال الله يا موسى أني اخترتك على الناس برسالاتي وبكلامي لأبعثك لعبد من عبيدي كفر بنعمتي وتسمى باسمي واستعبد عبيدي ولولا حلمي وكرمي لأهلكته ولكن هان علي وأنا مستغن عنه أمهله لأقيم عليه حجتي فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي.
فقال موسى (رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي - يعني يعرفوا كلامي - واجعل لي وزيرًا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري) يعني يكون عونًا لي على الرسالة قال الله تعالى (قد أوتيت سؤلك يا موسى ثم تذكر ما كان منه من قتل النفس فخافهم (فقال رب إني قتلت منهم نفسًا فأخاف أن يقتلون قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون) ثم قال (اذهبا - يعني هو وهارون - إلى فرعون أنه طغى *
[ ١ / ٨٢ ]
- في القول والفعل - فقولا له لينًا لعله يتذكر أو يخشى … قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى … - فيقتلنا - قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى … فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ..).
وهذه المخاطبة كانت له وحده والرسالة له ولأخيه هارون.
ومر موسى في المخاطبة مع ربه ﷿ وزوجته صافورا بنت شعيب قد اشتد بها الطلق فسمع أنينها سكان ذلك الوادي فأتوا إليها أوقدوا عندها نارًا وجلسوا عندها ثم اقبل موسى إلى أهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلًا.