ثم أوحى الله إلى موسى إن قد اقترب أجل فرعون وهلاكه وأهبط الله تعالى جبريل ﵇ على صورة رجل حسن الوجه فدخل على فرعون فقال له فرعون من أنت؟ قال أنا عبد من عبيد الملك جئتك مستفتيًا على عبد من عبيدي مكنته من نعمتي فاستكبر وبغى وجحد حقي وتسم باسمي وادعى في جميع ما أنعمت عليه إنه له فقال فرعون بئس ذلك العبد بين العبيد فقال جبريل ﵇ فما جزاؤه؟ قال يغرق في البحر قال جبريل ﵇ إني أسألك إن تكتب لي خطًا بيدك فكتب له خطًا بيده.
فأخذ جبريل وخرج من عنده حتى صار إلى موسى فأخبره بذلك وقال له إن الله يأمرك أن ترحل من موضعك فنادى موسى في بني إسرائيل بالرحيل ارتحلوا وهم يومئذ ستمائة ألف.
فلما سمع فرعون ذلك نادى في جنوده وكان في كثرة لا يحصون عددًا.
[ ١ / ٨٨ ]
وسار فرعون بجنده في تبع موسى وبني إسرائيل فإنه كان معتقدًا لهم خرجوا هاربين منه فسار حتى قرب من بني إسرائيل فلما رأوه قالوا لموسى يا موسى قد لحقنا فرعون وجنوده فقال موسى (كلا إن معي ربي سيهدين) قالوا له قد قرب القوم وليسبين أيدينا شيء سوى البحر وما خلقنا سوى السيوف وقد هلكنا فأوحى الله إلى موسى (إن أضرب بعصاك البحر) فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وصار فيه اثنا عشر طريقًا للأسباط لاثني عشر فجعلوا يسيرون فيه ويحدث بعضهم بعضًا وموسى بين أيديهم وهارون من ورائهم.
فأقبل فرعون وهامان بين يديه ومن ورائه وزراؤه وحجابه فنظروا إلى البحر يابسًا وإلى تلك الطرق فأحب لحوق موسى فتقدم وهو على فرسه فتأخر الفرس ونقر فهبط جبريل على فرسه وتقدم إلى فرس فرعون فأشتم رائحة فرس جبريل فأنبعها فرعون ولحقه جنوده وجبريل يقول أيها الملك لا تعجل وجعل ميكائيل يسوق الناس خلفه فأخرج جبريل الصحيفة وقال لفرعون أيها الملك أتعرف هذه الصحيفة التي كتبها بيدك؟ فلما فتحها علم إنه هالك.
وجعل البحر ينضم بعضه إلى بعض والناس يغرقون وفرعون ينظر إليهم فلما استيقن بالموت قال (آمنت إنه لا إله إلا الذي منت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) فقال له جبريل ﵇ (الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) فلما أخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قال بنو إسرائيل/ ما مات فرعون فأمر إله البحر فألقاه على الساحل فرآه بنو إسرائيل.
فمن ذلك الوقت لا يقبل الماء ميتًا أبدًا بل يلقيه وذلك قوله تعالى (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) - عبرة وموعظة -.
فغرق القوم كلهم وبنو إسرائيل ينظرون إليهم كيف يغرقون.
ولما عبر موسى البحر ببني إسرائيل إذ رأوا في طريقهم قومًا يعبدون الأصنام فقال سفهاؤهم (يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة قال موسى إنكم قوم
[ ١ / ٨٩ ]
تجهلون … إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعلمون) ثم قال (أغير الله أبغيكم إلهًا وهو فضلكم على العالمين) ثم قال لهم استغفروا الله مما قلتم فساروا وفي قلوبهم حب الأصنام.
فلما قرب موسى من الطور استخلف أخاه هارون على قومه وخرج موسى إلى البقعة التي كلمة الله فيها وهو صائم فتطهر وطمع أن الله يكلمه وهو في ذلك يكثر التسبيح والتقديس والتمجيد.