قال الله ﷾ (^٣) وهو أصدق القائلين في كتابه العزيز: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) (^٤).
قال المفسرون (^٥)، ﵃ (^٦): سبحان هي تنزيه الله تعالى من كل سوء ووصفه بالبراءة من كل نقص، وتكون سبحان بمعنى التعجب، أسرى بعبده ليلا أي سيره والعبد هو محمد، ﷺ، لم يختلف في ذلك أحد من الأمة، من المسجد الحرام، يعني مكة إلى المسجد الأقصى، هو مسجد بيت القدس، الذي باركنا حوله، يعني بالأنهار والأشجار والثمار (^٧).
وعن ابن عباس (^٨) في قوله تعالى: باركنا حوله فلسطين والأرض ويأتي ذكر فلسطين فيما بعد إن شاء الله تعالى، وأما الأردن فهو نهر الشريعة المذكور في قوله
_________________
(١) ذكر أ: كتبه ب ج د هـ إلى ذكر أ ج د هـ: لذكر ب.
(٢) وأحببت أ د: فأحببت ب ج هـ.
(٣) قال الله ﷾ وهو أصدق القائلين في كتابه العزيز أ د: قال الله تعالى في كتابه العزيز بعد قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم ب ج هـ.
(٤) الإسراء: [١].
(٥) ينظر: ابن كثير، تفسير ٣/ ٣ - ٧.
(٦) ﵃ أ ج د هـ: رضي الله تعالى عنهم ب.
(٧) والثمار أ د هـ: والأثمار ب ج.
(٨) ابن عباس: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ﵄، الإمام البحر عالم العصر، ابن عم رسول الله، ﷺ، مات ﷺ، ولعبد الله ثلاث عشرة سنة، وقد دعي له أن يفقه في الدين ويعلمه التأويل، توفي ابن عباس في الطائف سنة ٦٨ هـ/ ٦٨٧ م، ينظر: ابن قتيبة، المعارف ٧٣؛ ابن سعد ١/ ٢٧٨ - ٣٨٤؛ ابن حبان، تاريخ ١٤٨؛ الذهبي، تذكرة ١/ ٤٠؛ ابن العماد ١/ ٢٩٤.
[ ١ / ٦٨ ]
تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ (^١) وهو بضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال المهملة وتشديد النون (^٢).
وقال أبو القاسم السهيلي (^٣) قوله (^٤): الذي باركنا حوله يعني الشام والشام بالسريانية الطيب سميت بذلك لطيبها وخصبها، وقيل: باركنا حوله (^٥) بمقابر الأنبياء، وقبلتهم ومهبط الملائكة والوحي، وفيه يحشر الناس يوم القيامة، وسمي الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام، وقيل: كان هذا أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظم بالزيارة (^٦)، وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث، وروي أنه سمي الأقصى لأنه وسط الدنيا لا يزيد شيئا ولا ينقص.
وقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (٣) (^٧) (^٨)، [٢/ أ] روي عن أبي هريرة (^٩)، ﵁، قال: أقسم ربنا ﷻ بأربعة أشياء فقال: والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين. قال: التين طور سيناء مسجد دمشق، والزيتون طور زيتا مسجد بيت المقدس، وطور سينين حيث كلم الله موسى، ﵇، وهذا البلد الأمين جبل مكة.
ومن أسماء بيت المقدس إيليا همزة مكسورة ثم ياء آخر الحروف ساكنة ثم لام مكسورة ثم ياء آخر الحروف ثم ألف ممدودة كسر ياء وحكى (^١٠) فيها القصر ومعناه بيت الله المقدس، وبيت المقدس بفتح الميم وسكون القاف أي المكان
_________________
(١) البقرة: [٢٤٩].
(٢) ينظر: ابن عباس، تفسير ٢٣٣.
(٣) أبو القاسم السهيلي: عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد عبد الله بن الخطيب السهيلي، الإمام المشهور صاحب كتاب الروض الأنف في شرح سيرة الرسول ﷺ، سكن إشبيلية ولازم القاضي ابن العربي، وتوفي في مراكش سنة (٥٨١ هـ/ ١١٥٨ م)، ينظر: ابن خلكان ٣/ ١٤٣ - ١٤٤؛ الذهبي، تذكرة ٤/ ١٣٤٨؛ المقري ٢/ ٣٧٤.
(٤) قوله ب ج د هـ: - أ.
(٥) باركنا حوله بمقابر الأنبياء أ: غير ذلك، وقيل سماء مباركا لأنه مقر الأنبياء ب ج د هـ.
(٦) بالزيارة أ ب ج: للزيارة ب د.
(٧) التين: [١ - ٣].
(٨) وطور سينين وهذا البلد الأمين أ ب ج هـ: - د.
(٩) أبو هريرة: عبد الرحمن الدوسي اليماني، حفظ عن النبي ﷺ، الكثير، وعن أبي بكر، وعن عمر، وكان من حفظة العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في دهره، توفي سنة ٥٨ هـ/ ٦٧٩ م، ينظر: ابن خياط، الطبقات ١٩٢؛ ابن سعد ٤/ ٢٤٣ - ٢٥٤؛ ابن حبان، تاريخ ١٨١؛ الذهبي، تذكرة ١/ ٣٢ - ٣٣؛ ابن حجر، الإصابة ٤/ ١٩٩.
(١٠) وحكى أ: وحكى ب ج د: وحاكى هـ.
[ ١ / ٦٩ ]
المطهر من بالذنوب واشتقاقه من القدس وهي الطهارة والبركة، فمعنى بيت المقدس المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب ويقال: المرتفع المنزه عن الشرك، والبيت المقدس (^١) بضم الميم وفتح الدال المشددة أي المطهر وتطهيره إخلاؤه من الأصنام، وبيت المقدس بضم الدال ومكونها لغتان، ومن أسماء بيت المقدس شلم بشين معجمة وتشديد اللام، ويروى بالمهملة وكسر اللام، ويروى شلم (^٢) ومعناه بالعبرانية بيت السلام وصهيون بكسر الصاد المهملة، ويقال لمسجد بيت المقدس الزيتون ولا يقال له الحرم.
وقد اختلف في أول من بنى مسجد بيت المقدس، قبل داود، ﵇، وروى (^٣) بعض العلماء أن أول من بناه الملائكة بأمر الله تعالى، وقيل (^٤) إن الذي بناه إسرافيل، ﵇، وقد روى المحدثون عن أبي ذر (^٥)، ﵁، أنه قال: (قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولا؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد (^٦) فصل فإن الفضل فيه) (^٧).
وقد روي أن الملائكة بنوا المسجد الحرام قبل خلق آدم بألفي عام فكانوا يحجونه، قال الإمام أبو العباس القرطبي (^٨): يجوز أن يكون بناه يعني مسجد بيت المقدس الملائكة بعد بنائها البيت الحرام (^٩) بإذن الله تعالى، وظاهر (^١٠) الحديث
_________________
(١) والبيت المقدس أ ج د هـ: وبيت المقدس ب.
(٢) شلم ب د هـ: سلم أ ج.
(٣) وروى أ ج د هـ: فروى ب.
(٤) وقيل أ: ويقال ب ج د هـ.
(٥) أبو ذر الغفاري: جندب بن جنادة بن سكن، كان من السابقين إلى الإسلام، وهو من قبيلة غفار، لم يشهد بدرا، ولكن ألحقه عمر بالبدريين، قال فيه الرسول، ﷺ: «يرحم الله أبا ذر، يعيش وحده ويموت وحده ويحشر وحده» وكانت وفاته في الربذة سنة (٣١ هـ/ ٦٥٠ م)، ينظر: ابن قتيبة، المعارف ١٤٦؛ الذهبي، تذكرة ١/ ١٦؛ ابن حجر، الإصابة ٤/ ٦١ - ٦٣.
(٦) بعد أ ج د هـ: - ب.
(٧) ينظر: مسلم ١/ ٣٧٠.
(٨) أبو العباس القرطبي: أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري، المالكي، المحدث، نزيل الإسكندرية كان من كبار الأئمة، ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وسمع بالمغرب من جماعة، واختصر الصحيحين، وصنف المفهم في شرح مختصر مسلم، وتوفي في ذي القعدة سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م)، ينظر: ابن كثير، البداية ١٣/ ٢١٣؛ ابن تغري بردي، النجوم ٧/ ٦٤؛ ابن العماد ٥/ ٤٧٣.
(٩) البيت الحرام ج د هـ: البيت أ: البيت المعمور ب.
(١٠) وظاهر ب ج د هـ: ظاهر أ.
[ ١ / ٧٠ ]
يدل على ذلك، والله أعلم.
ومن العلماء من قال: بنى مسجد بيت المقدس آدم، ﵇، ومنهم من قال: أسسه سام (^١) بن نوح، ﵉، ومنهم من قال: أول من بناه وأري موضعه يعقوب بن إسحاق، ﵇ (^٢)، وروي أن أباه إسحاق أمره أن لا ينكح امرأة من الكنعانيين وأمره أن ينكح من بنات خاله، فلما توجه إلى خاله لينكح ابنته أدركه الليل في بعض الطريق فبات متوسدا حجرا، فرأى فيما يرى النائم أن سلما منصوبا إلى باب من أبواب السماء والملائكة تعرج فيه وتنزل (^٣) فأوحي إليه: أني أنا الله لا إله إلا أنا وقد ورثتك هذه الأرض المقدسة وذريتك من بعدك، ثم أنا معك أحفظك حتى أردك إلى هذا المكان فأجعله بيتا تعبدني فيه فهو بيت المقدس، وقد تأول بعض العلماء معنى الحديث الشريف الوارد أن بناء المسجد الأقصى كان بعد بناء المسجد الحرام بأربعين سنة على أن المراد به بناء يعقوب، ﵇، لمسجد بيت المقدس بعد بناء إبراهيم الخليل، ﵇، الكعبة المشرفة (^٤)، والله أعلم.
والحديث الشريف المتقدم وهذه الأقوال (^٥) تدل على أن بناء داود وسليمان، ﵉، إياه إنما كان على أساس قديم لا أنهما المؤسسان له بل هما مجددان، وكل قول من الأقوال في المسجد الأقصى لا ينافي الآخر فإنه يحتمل أن يكون بناه الملائكة أولا ثم جدده آدم (^٦)، ﵇، ثم سام بن نوح، ﵉، ثم يعقوب بن إسحاق، ﵉ (^٧)، ثم داود وسليمان، ﵉، فإن كل نبي منهم بينه وبين النبي (^٨) الآخر مدة تحتمل أن يجدد فيها البناء المتقدم قبله، والقول بأن سام بن نوح أسسه ظاهر، فإن سام بن نوح هو الذي اختط مدينة بيت المقدس (^٩) وبناها، وكان ملكا عليها فلا يبعد أن يكون جدد أساس
_________________
(١) أسسه سام أ ب ج د: أسسه ابنه هـ.
(٢) ﵇ أ ج د هـ: ﵍ ب وروي أن أباه إسحاق أ ب ج: وروي عن إسحاق هـ: - د.
(٣) وتنزل أ ب ج هـ: وتترع د فأوحي إليه أ ج د هـ: فأوحى الله إليه ب.
(٤) الكعبة المشرقة أ ج هـ: الكعبة الشريفة ب د.
(٥) الأقوال أ د هـ: + الواردة ب ج بناء أ: بناه ب ج د هـ.
(٦) آدم أ ب ج د: - هـ.
(٧) ثم سام … إسحاق، ﵉ أ ب ج هـ: - د.
(٨) النبي أ ج د: - ب هـ.
(٩) بيت المقدس أ ب ج هـ: القدس هـ.
[ ١ / ٧١ ]
المسجد (^١) حين بنائه المدينة، ولكن يحمل على تجديده للبناء (^٢) لا تأسيسه، والله أعلم.
وأما مدينة القدس فكانت أرضها في ابتداء الزمان صحراء بين أودية وجبال وهي خالية لا أبنية فيها ولا عمران (^٣)، فأول من بناها واختطها سام بن نوح، ﵉، وكان ملكا عليها وكان يلقب مليكيصادق (^٤) بفتح الميم وسكون اللام وكسر الكاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الصاد المهملة وبعدها ألف، ثم دال مهملة مكسورة وبعدها قاف، ومعناه بالعبرانية ملك الصدق.
ومما حكي في أمر بناء القدس في تواريخ الأمم السالفة أن مليكيصادق نزل بأرض بيت المقدس وقطن بكهف (^٥) من جبالها يتعبد فيه واشتهر أمره حتى بلغ ملوك الأرض الذين هم بالقرب من أرض بيت المقدس وبالشام وسدوم (^٦) وغيرها (^٧)، وعدتهم اثنا عشر ملكا فحضروا إليه، فلما رأوه وسمعوا كلامه اعتقدوه وأحبوه حبا شديدا، ودفعوا له مالا ليعمر به مدينة القدس، فاختطها وعمرها وسميت يروشلم (^٨)، وتقدم أن معناه بالعبرانية بيت السلام (^٩)، فلما انتهت عمارتها اتفق الملوك كلهم أن يكون مليكيصادق ملكا عليها، وكنوه (^١٠) بأبي الملوك، وكانوا بأجمعهم تحت طاعته واستمر حتى مات بها، وسيأتي (^١١) ذكر مولده ووفاته عند ذكر والده نوح، إن شاء الله تعالى.
ولما بنيت القدس (^١٢) كان محل المسجد في وسطها وهو صعيد واحد والصخرة الشريفة قائمة في وسطه حتى بناه داود ثم سليمان، كما سنذكره إن شاء الله (^١٣).
_________________
(١) جدد أساس المسجد أ ج: جدد المسجد ب: أسس المسجد د هـ.
(٢) يحمل على تجديده للبناء أ: + القديم ب: يحتمل أن يجدد البناء المتقدم مثله ج د: يحتمل على تجديده البناء القديم هـ.
(٣) لا أبنية فيها ولا عمران أ ج د هـ: لا بناء فيها ولا عمارة ب.
(٤) ورد ذكر لهذا الملك بالتوراة، ينظر: التكوين ١٤/ ١٨ - ١٩.
(٥) بكهف أ ب ج د: - هـ.
(٦) سدوم: مدينة من مدائن لوط، ﵇، كان قاضيها يقال له سدوم، ينظر: ياقوت، معجم البلدان ٣/ ٢٦٦؛ البغدادي، مراصد ٢/ ٧٠٠؛ الحميري ٣٠٨.
(٧) وغيرها أ ج د: وغيرهما ب هـ.
(٨) يروشلم أ ج د هـ: بروشلم ب.
(٩) بيت السلام أ ب ج د: دار السلام هـ اتفق أ ج هـ: اتفقت ب د.
(١٠) وكنوه أ ب ج هـ: فكنوه د وكانوا أ ب ج: فكانوا د هـ.
(١١) وسيأتي أ ب: ويأتي ج د هـ.
(١٢) القدس أ ج د هـ: بيت المقدس ب.
(١٣) إن شاء الله أ د: + تعالى ب ج هـ.
[ ١ / ٧٢ ]