ولد العليمي بالقدس في الثالث عشر من ذي القعدة سنة (٨٦٠ هـ/ ١٤٥٦ م)، وقد أشار بنفسه إلى تاريخ ولادته فقال: «فإن مولدي بالقدس الشريف في ليلة يسفر صباحها عن يوم الأحد ثالث عشري ذي القعدة، سنة ستين وثمانمائة» (^٣).
ونشأ في بيت عرف عنه حب العلم والعلماء، فقد كان أبوه أحد العلماء الأفذاذ في زمنه، حافظا للقرآن الكريم، تدرج في تحصيل العلم وارتحل في سبيله إلى الشام ومصر وبيت المقدس، فأخذ الفقه الحنبلي عن علمائه والحديث عن أئمته، وتمكن من علوم اللغة مما أهّله ليكون فقيها ومحدثا وخطيبا وقاضيا إلى أن انتهى به الأمر أن يصبح قاضيا للقضاة الحنابلة (^٤).
ويقول العليمي عن أبيه: «كان خيرا متواضعا، حسن الشكل، متبعا للسنة، كثير التعظيم للأئمة الأربعة، ليس عنده تعصب، وكان سخيا مع قلة ماله، مكرما لمن يرد عليه، لا يحب الكبر ولا الخيلاء، ويدخل إلى المسجد الأقصى الشريف في أوقات الصلاة بمفرده مع ما كان عليه من الهيبة والوقار، وله معرفة تامة بالمصطلح في الأحكام وكتابة المستندات، وباشر القضاء بالأعمال المذكورة نحو أربعين سنة، وكانت أحكامه مرضية وأموره مسددة» (^٥).
وفي رحاب المسجد الأقصى، وفي مدارس بيت المقدس العامرة بالعلماء والتلاميذ نشأ مجير الدين منذ نعومة أظفاره على حب العلم والعلماء، وأخذ والده يستجيز (^٦) له وهو في السادسة من عمره (^٧)، كما اهتم والده بتحفيظه
_________________
(١) ينظر: الأنصاري، مؤرخ ٢٤، نقلا عن سجل ٣/ ٩٤.
(٢) ينظر: العامري ٢١٢؛ الحسيني ٢.
(٣) ينظر: العليمي ٢٦٩.
(٤) ينظر: العليمي ٣٥٨ - ٣٦٢؛ ابن العماد ٧/ ٣١٦ - ٣١٧؛ العامري ٢١٢؛ الشطي ٦٦ - ٦٧؛ الزركلي ٢/ ٥٩٨؛ كحالة ١٠/ ١٩٣، أبو حمد ٣٦٧.
(٥) ينظر: العليمي ٣٥٥.
(٦) الإجازة: إذن يعطى لطالب العلم من شيخه؛ أو من عالم عرض عليه ما حفظه من علم من العلوم، ينظر: القلقشندي، صبح ١٤/ ٣٢٢ - ٣٣٥.
(٧) العليمي ٢٦٩.
[ ١ / ١٢ ]
القرآن الكريم برواية عاصم (^١).
حتى إذا ما بلغ العاشرة (^٢) من عمره، أتم حفظ القرآن، وأخذ بتلك الإجازة، واستمر عالمنا في طلب العلم والاجتهاد، ويعود الفضل في ذلك إلى أصدقاء والده من العلماء والقراء والمحدثين الذين أولوا عبد الرحمن عنايتهم الفائقة، فحصل على إجازة في الحديث وله من العمر أحد عشر عاما (^٣)، وفي سن الثانية عشرة، نراه يحضر ختم «صحيح البخاري» في الصخرة الشريفة، ويأخذ إجازة أخرى بذلك (^٤).
واصل عبد الرحمن في الارتقاء فبعد إجازته في العربية والقرآن الكريم والحديث انتقل إلى الفقه ليأخذ أكثر من إجازة، وهو في الثالثة عشرة (^٥).
ورغم وفاة والده سنة (٨٧٣ هـ/ ١٤٦٨ م) إلا أن عناية الله، ثم عناية أصدقاء والده به، جعلت العليمي يستمر في طريقه.