وَأَمَّا أَوَّلُ مَنْ أَرَّخَ التَّارِيخَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ:
فَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي "تَارِيخُ دِمَشْقَ" (^٢) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ التَّارِيخُ مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ".
وَكَذَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: "إِنَّمَا أَرَّخُوا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ شَهْرِ الْهِجْرَةِ".
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي "الْإِكْلِيلُ" (^٣) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَمَرَ بِالتَّارِيخِ، فَكُتِبَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَلِ" (^٤).
وَهَذَا مُعْضَلٌ، وَالْمَحْفُوظُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: "إِنَّ الأَمْرَ بِهِ فِي زَمَنِ (^٥) عُمَرَ".
وَكَذَا صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ، بَلْ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ (﵁) (^٦) وَأَنَّهُ ابْتَدَأَهُ بِالْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَبِالْمُحَرَّمِ مِنْهَا.
وَإِنْ كَانَ الْبُخَارِيُّ رَوَى عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ
_________________
(١) في هامش ب. ولقد أفاد السخاوي -في هذا المبحث- من ابن حجر. انظر: فتح الباري، ٧/ ٣٢٩ وما بعدها، العيني، عمدة القاري، ١٧/ ٦٦ - ٦٧.
(٢) انظر: ١/ ٢٤.
(٣) قال الحاكم: "فقد ذكرت في كتاب الإكليل على الترتيب بعوث رسول الله ﷺ وسراياه زيادة على المئة … ". انظر: معرفة علوم الحديث، ص ٢٣٩، حاجي، كشف ١/ ١٤٤.
(٤) انظر: ابن عساكر، تاريخ، ١/ ٣٧.
(٥) وفي باقي النسخ: زمان، وفي تاريخ دمشق: "إن الآمر به عمر" انظر: ١/ ٣٨.
(٦) ليست في باقي النسخ.
[ ٢٥٠ ]
[أَبِيهِ] (^١) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: "مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ، مَا عَدُّوا إِلَّا مِنْ مَقْدَمِهِ (^٢) الْمَدِينَةَ" (^٣).
وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: "أَخْطَأَ النَّاسُ الْعَدَدَ، لَمْ يَعُدُّوا مِنْ مَبْعَثِهِ وَلَا مِنْ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ، وَإِنَّمَا عَدُّوا مِنْ وَفَاتِهِ".
فَقَدْ قَالَ الْحَاكِمُ: "إِنَّهُ وَهَمٌ" ثُمَّ سَاقَهُ كَالْبُخَارِيِّ عَلَى الصَّوَابِ بِلَفْظِ: "وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ، إِنَّمَا عَدُّوا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ" (^٤).
وَالْمُرَادُ بِقَوْلهِ: "أَخْطَأَ النَّاسُ الْعَدَدَ" أَيْ: أَغْفَلُوهُ وَتَرَكُوهُ ثُمَّ اسْتَدْرَكُوهُ. وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الصَّوَابَ خِلَافَ مَا عَمِلُوا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الْبَدَاءَةَ بِالْمَبْعَثِ أَوْ الْوَفَاةِ أَوْلَى، وَلَهُ اتِّجَاهٌ، لَكِنَّ الرَّاجِحَ خِلَافُهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ التَّارِيخَ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ.
وَقَدْ أَبْدَى بَعْضُهُمْ لِلْبَدَاءَةِ (^٥) بِالْهِجْرَةِ مُنَاسَبَةً فَقَالَ: كَانَتِ الْقَضَايَا الَّتِي اتَّفَقَتْ لَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤَرَّخَ بِهَا أَرْبَعٌ (^٦): مَوْلِدُهُ، وَمَبْعَثُهُ، وَهِجْرَتُهُ، وَوَفَاتُهُ، فَرَجَحَ عِنْدَهُمْ
_________________
(١) في جميع النسخ كذا: عبد العزيز بن أبي حازم، عن سلمة بن دينار، عن أبيه، عن سهل بن سعد الساعدي. وهو تحريف في السند، والتصويب من: صحيح البخاري …
(٢) في ب: مقدم.
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٩٣٤).
(٤) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٤٢٨٥) وانظر: ابن حجر، فتح الباري، ٨/ ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٥) في أ: البداءة، والمثبت من باقي النسخ.
(٦) في الفتح: أربعة.
[ ٢٥١ ]
جَعْلُهَا مِنَ الْهِجْرَةِ لِأَنَّ الْمَوْلِدَ وَالْمَبْعَثَ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنَ النِّزَاعِ فِي تَعْيِينِ سَنَتِهِ، وَأَمَّا وَقْتُ الْوَفَاةِ فَأَعْرَضُوا عَنْهُ لِمَا يُوقِعُ تَذَكُّرُهُ (^١) مِنَ الْأَسَفِ عَلَيْهِ، فَانْحَصَرَ فِي الْهِجْرَةِ. وَإِنَّمَا أَخَّرُوهُ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ إِلَى الْمُحَرَّمِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْعَزْمِ عَلَى الْهِجْرَةِ كَانَ فِي الْمُحَرَّمِ؛ إِذِ الْبَيْعَةُ وَقَعَتْ فِي أَثْنَاءِ ذِي الْحِجَّةِ، وَهِيَ مُقَدِّمَةُ [الْهِجْرَةِ] (^٢) فَكَانَ أَوَّلَ هِلَالٍ اسْتَهَلَّ بَعْدَ الْبَيْعَةِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْهِجْرَةِ هِلَالُ الْمُحَرَّمِ، فَنَاسَبَ أَنْ يُجْعَلَ مُبْتَدَأً.
قَالَ شَيْخُنَا: "وَهَذَا أَقْوَى مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ مُنَاسَبَةِ الِابْتِدَاءِ بِالْمُحَرَّمِ" (^٣).
وَذَكَرُوا (^٤) فِي سَبَبِ عَمَلِ (عُمَرَ) (^٥) التَّارِيخَ أَشْيَاءَ:
مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ فِي "تَارِيخِهِ" (^٦) وَمِنْ طَرِيقِهِ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ: "أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ -﵁-: إِنَّهُ يَأْتِينَا مِنْكَ كُتُبٌ لَيْسَ لَهَا تَارِيخٌ. فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرِّخْ بِالْمَبْعَثِ. وَبَعْضُهُمْ: أَرِّخْ بِالْهِجْرَةِ. فَقَالَ عُمَرُ: الْهِجْرَةُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ؛ فَأَرِّخُوا بِهَا. وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، فَلَمَّا اتَّفَقُوا قَالَ بَعْضُهُمْ: ابْدَؤُوا بِرَمَضَانَ. فَقَالَ عُمَرُ:
_________________
(١) وفي الفتح: بذكره.
(٢) ليست في أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٣) انظر: ابن حجر، فتح الباري، ٧/ ٣٣٠.
(٤) أيضًا أفاد السخاوي في هذا المبحث من: ابن حجر، فتح، ٧/ ٣٣٠ وما بعدها.
(٥) ليست في باقي النسخ.
(٦) قال سزكين: "اقتبس منه ابن حجر في الإصابة ٢/ ٨٣٠، وبعض هذه الاقتباسات موجود كذلك في طبقات ابن سعد، والتاريخ الكبير للبخاري وغيرهما". انظر: سزكين، تاريخ التراث العربي، ١/ القسم الأول، ص ١٨٩.
[ ٢٥٢ ]
(بَلْ) (^١) بِالْمُحَرَّمِ؛ فَإِنَّهُ مُنْصَرَفُ النَّاسِ مِنْ حَجِّهِمْ. فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ" (^٢).
وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ أَرَّخَ التَّارِيخَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ (^٣) حَيْثُ كَانَ بِالْيَمَنِ.
وَذَلِكَ: "أَنهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ كِتَابًا مِنَ الْيَمَنِ مُؤَرَّخًا، فَاسْتَحْسَنَهُ عُمَرُ، فَشَرَعَ فِي التَّارِيخِ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ؛ لَكِنْ فِيهِ انْقِطَاعٌ بَيْنَ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَيَعْلَى (^٤).
وَكَذَا قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ (^٥): "أَوَّلُ مَنْ أَرَّخَ يَعْلَى" (^٦).
وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو عَرُوبَةَ فِي "الْأَوَائِلُ"، وَالْبُخَارِيُّ فِي "الأَدَبُ"، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: "رُفِعَ لِعُمَرَ صَكٌّ مَحَلُّهُ شَعْبَانُ، فَقَالَ: أَيُّ شَعْبَانَ؟ الْمَاضِي، أَوِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، أَوِ الْآتِي؟ ضَعُوا لِلنَّاسِ شَيْئًا يَعْرِفُونَهُ" (^٧) فَذَكَرَ نَحْوَ الأَوَّلِ.
(وَكَذَا حَكَاهُ أَبُو اليَقْظَانِ (^٨) عَنْ عُمَرَ) (^٩).
وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: "جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ -يَعْنِي مِنَ
_________________
(١) ساقط من ب، ز.
(٢) انظر: ابن عساكر، تاريخ، ١/ ٤٢.
(٣) صحابي أسلم يوم الفتح، بقي إلى قريب (٦٠ هـ). انظر: الذهبي، سير، ٣/ ١٠٠.
(٤) كذا قال ابن حجر في الفتح. ولم أجده في المسند! لكن انظر إسناده عند: السيوطي، الشماريخ، ص ٢٢.
(٥) هو: الكوفي المؤرخ، ضَعّفه جماعة (ت ٢٠٧ هـ). انظر: الذهبي، سير، ١٠/ ١٠٣.
(٦) ورد من قول عمرو بن دينار. انظر: الحاكم، المستدرك (٥٧٩٠)، السخاوي، فتح المغيث، ٤/ ٣٦٤.
(٧) أخرجه أبو عروبة في "الأوائل" (١٢٧)، وابن عساكر في "تاريخه" ١/ ٤١ عن ميمون به مُطوَّلًا.
(٨) هو: النَّسَّابة المشهور (ت ١٩٠ هـ). انظر: ابن النديم، الفهرست، ص ١٥١.
(٩) انظر: العيني، عمدة القاري، ١٧/ ٦٦.
[ ٢٥٣ ]
الْمُهَاجِرِينَ وَغَيْرِهِمْ (^١) -فَسَأَلَهُمْ عَنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يَكْتُبُ التَّارِيخَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مِنْ يَوْمَ هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- (يَعْنِي إِلَى الْمَدِينَةِ) (^٢) -وَتَرَكَ أَرْضَ الشِّرْكِ. فَفَعَلَهُ عُمَرُ" (^٣).
وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: "قَدِمَ رَجُلٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ: رَأَيْتُ بِالْيَمَنِ شَيْئًا يُسَمُّونَهُ التَّارِيخَ، يَكْتُبُونَهُ مِنْ عَامِ كَذَا وَبِشَهْرِ كَذَا. فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا حَسَنٌ، فَأَرِّخُوا. فَلَمَّا أُجْمِعَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ قَوْمٌ: أَرِّخُوا لِلْمَوْلِدِ. وَقَالَ قَائِلٌ: لِلْمَبْعَثِ. وَقَالَ قَائِلٌ: مِنْ حِينِ خَرَجَ مُهَاجِرًا. وَقَالَ قَائِلٌ: مِنْ حِينِ تُوُفِّيَ. فَقَالَ عُمَرُ: أَرِّخُوا مِنْ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. ثُمَّ قَالَ: بِأَيِّ شَهْرٍ نَبْدَأُ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: بِرَجَبٍ. وَقَالَ قَائِلٌ: بِرَمَضَانَ. فَقَالَ عُثْمَانُ: أَرِّخُوا مِنَ الْمُحَرَّمِ؛ فَإِنَّهُ شَهْرٌ حَرَامٌ، وَهُوَ أَوَّلُ السَّنَّةِ، وَمُنْصَرَفُ النَّاسِ مِنَ الْحَجِّ. قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ فِي سنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ (^٤) في رَبِيعٍ الأَوَّلِ" (^٥).
فَاسْتَفَدْنَا مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الأثَارِ أَنَّ الَّذِي أَشَارَ بِالْمُحَرَّمِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ -﵃-.
وَكَذَا رُوِّينَا عَنْ (عَمْرِو) (^٦) بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-: "كَانَ التَّارِيخُ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَدِمَ فِيهَا النَّبِيُّ -ﷺ- الْمَدِينَةَ، وَفِيهَا وُلِدُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ
_________________
(١) أي: الأنصار.
(٢) ليست في المستدرك.
(٣) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٤٢٨٧)، وابن عساكر في "تاريخه" ١/ ٤٣ عن سعيد به. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وقال الذهبي في التلخيص: "صحيح".
(٤) وقيل: ١٦ هـ. انظر: ابن حجر، فتح الباري، ٨/ ٢٢٩، العيني، عمدة القاري، ١٧/ ٦٦.
(٥) أخرجه ابن أبي خيثمة كما هو عند: السيوطي، الشماريخ، ص ٢٣، بإسناده فذكره. وانظر: ابن عساكر، تاريخ، ١/ ٤٤ - ٤٥.
(٦) في أ: عمر، والتصويب من باقي النسخ، ومن: المستدرك.
[ ٢٥٤ ]
-﵄-" (^١).
وَكانَتِ الْعَرَبُ قَبْلَ ذَلِكَ تُؤَرِّخُ بِعَامِ الْفِيلِ، وَهُوَ الْعَامُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-.
"فَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ لِعُمَرَ: أَرِّخْ بِوَفَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ-. فَقَالَ عَلِيٌّ: بَلْ أَرِّخْ بِهِجْرَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَإِنَّهَا فَرَّقَتْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَأَظْهَرَتِ الْإِسْلَامَ. فَاجْتَمَعَ رَأْيُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِسَنَةِ الْهِجْرَةِ؛ إِذْ هِيَ السَّنَةُ الَّتِي عَزَّ فِيهَا الْإسْلَامُ وَأَهْلُهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الشَّهْرِ؛ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرِّخْ بِرَجَبٍ؛ فَإِنَّهُ أَوَّلُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ: بِالْمُحَرَّمِ؛ فَإِنَّهُ أَوَّلُ السَّنَةِ، وَ[هُوَ] (^٢) مِنَ الأَشْهُرِ الْحُرُمِ. فَأَمَرَ عُمَرُ بِذلِكَ، فَانْتَشَرَ فِي سَائِرِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ" (^٣).
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (^٤): "قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ لَهُمْ تَارِيخٌ، فكَانُوا يُؤَرِّخُونَ بِالشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ مِنْ مَقْدَمِهِ، فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَانْقَطَعَ التَّارِيخُ، وَمَضَتْ أَيَّامُ أَبِي بَكْرٍ -﵁- عَلَى هَذَا وَأَرْبَعُ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ثُمَّ وُضِعَ التَّارِيخُ".
وَقِيلَ: إِنَّ عُمَرَ -﵁- لَمَّا (^٥) جَمَعَ وُجُوهَ الصَّحَابَةِ -﵃- قَالَ: "إِنَّ
_________________
(١) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٤٢٨٦)، وابن عساكر في "تاريخه" ١/ ٣٨ - ٣٩ عن عمرو بن دينار به. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". وقال الذهبي في التلخيص: "على شرط مسلم".
(٢) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٣) انظر: العيني، عمدة القاري، ١٧/ ٦٦ مع بعض الاختلاف.
(٤) انظر: العيني، نفسه.
(٥) في أ: كما، والمثبت من باقي النسخ.
[ ٢٥٥ ]
الْأَمْوَالَ (قَدْ) (^١) كَثُرَتْ، وَمَا قَسَّمْنَاهُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ، فَكَيْفَ التَّوَصُّلُ إِلَى مَا يَضْبِطُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ الْهُرْمُزَانُ، وَهُوَ مَلِكُ الْأَهْوَازِ، وَكَانَ قَدْ أُسِرَ عِنْدَ فُتُوحِ فَارِسَ وَحُمِلَ إِلَى عُمَرَ فَأَسْلَمَ: إِنَّ لِلْعَجَمِ حِسَابًا يُسَمُّونَهُ (مَاهْ رُوزْ) وَيُسْنِدُونَهُ إِلَى مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَكَاسِرَةِ. فَعَرَّبُوا لَفْظَةَ (مَاهْ رُوزْ) بِمُؤَرِّخٍ وَجَعَلُوا مَصْدَرَهُ التَّارِيخَ، وَاسْتَعْمَلُوهُ فِي وُجُوهِ التَّصْرِيفِ، ثُمَّ شَرَحَ لَهُمُ الْهُرْمُزَانُ كَيْفِيَّةَ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: ضَعُوا لِلنَّاسِ تَارِيخًا يَتَعَامَلُونَ عَلَيْهِ، وَتَصِيرُ أَوْقَاتُهُمْ مَضْبُوطَةً فِيمَا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنْ مُعَامَلَاتِهِمْ. فَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ مِنْ مُسْلِمِي الْيَهُودِ: لَنَا حِسَابٌ مِثْلُهُ نُسْنِدُهُ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِ. فَمَا ارْتَضَاهُ الْآخَرُونَ لِمَا فِيهِ مِنَ الطُّولِ، وَقَالَ قَوْمٌ: نَكْتُبُ عَلَى تَارِيخِ الْفُرْسِ. فَقِيلَ: إِنْ تَارِيخَهُمْ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ (^٢) إِلَى مَبْدَأٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ كُلَّمَا قَامَ فِيهِمْ مَلِكٌ ابْتَدَؤُوا مِنْ لَدُنْ قِيَامِهِ وَطَرَحُوا مَا قَبْلُهُ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا تَارِيخَ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ لَدُنْ هِجْرَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْهِجْرَةِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَحَدٌ، بِخِلَافِ وَقْتِ مَبْعَثِهِ فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَكَذَا وَقْتُ وِلَادَتِهِ لَيْلَةً وَسَنَةً، وَأَمَّا وَقْتُ وَفَاتِهِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَلَا يَحْسُنُ عَقْلًا أَنْ يُجْعَلَ الْأَصْلَ لِمَبْدَأِ التَّارِيخِ، وَأَيْضًا فَوَقْتُ الْهِجْرَةِ وَقْتُ اسْتِقَامَةِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَتَرَادُفِ الْوُفُودِ، وَاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ مِمَّا يُتَبَرَّكُ بِهِ، وَيَعْظُمُ وَقْعُهُ فِي النُّفُوسِ.
* * *
_________________
(١) ساقط من ق، ز.
(٢) في أ: مسند، والمثبت من باقي النسخ.
[ ٢٥٦ ]
[تَارِيخُ الهِجْرَةِ] (^١)
وَكَانَتِ الْهِجْرَةُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَأَوَّلُ السَّنَةِ -أَعْنِي الْمُحَرَّمَ- هُوَ يَوْمُ الْخَمِيسِ بِحَسَبِ أَمْرِهِ الْأَوْسَطِ (^٢). وَلَمَّا كَانَ مُشْتَهِرًا عِنْدَ الْقَوْمِ اعْتَبَرُوهُ، وَأَمَّا بِحَسَبِ الرُّؤْيَةِ وَحِسَابِ الِاجْتِمَاعَاتِ فَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ "نِهَايَةُ الإِدْرَاكِ" (^٣): "إِنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِ".
وَأُرِّخَ مِنْهَا فِي مُسْتَأْنَفِ الزَّمَانِ.
وَكَانَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَهِيَ السَّنَةُ الرَّابِعَةُ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، وَإِلَى هَذِهِ السَّنَةِ (^٤) كَانُوا يُسَمُّونَ (^٥) كُلَّ سَنَةٍ بِاسْمِ الْحَادِثَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا، وَيُؤَرِّخُونَ بِهَا.
_________________
(١) في هامش ب.
(٢) قال ابن حجر: "وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه يوم الاثنين، ودخوله المدينة كان يوم الاثنين، إلا أن محمد بن موسى الخوارزمي قال: إنه خرج من مكة يوم الخميس. قلت: يجمع بينهما بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس، وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين؛ لأنه أقام فيه ثلاث ليال، فهي ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، وخرج في أثناء ليلة الاثنين" انظر: فتح الباري، ٨/ ٢٠١ (٣٩٠٥).
(٣) نهاية الإدراك في دراية الأفلاك. توجد نسخة أصلية في مكتبة جابر الأحمد المركزية بجامعة الكويت (رقم: ٨٦٣). انظر: فهرس المخطوطات الأصلية، ٣/ ١٤٥٥. ومؤلفه هو: محمود ابن مسعود الشيرازي، فلكي (ت ٧١٠ هـ). انظر: ابن حجر، الدرر الكامنة، ٤/ ٣٣٩. والنص لم أجده في: نهاية الإدراك.
(٤) في باقي النسخ: النسبة.
(٥) في أ: يسمونه، والمثبت من باقي النسخ.
[ ٢٥٧ ]
فَسُمَّيْتِ السَّنَةُ الْأُولَى مِنْ سِنِيِّ مَقَامِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِالْمَدِينَةِ: "الْإِذْنُ بِالرَّحِيلِ" أَيْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، وَالثَّانِيَةُ: " (سَنَةُ) (^١) الأَمْرِ (^٢) بِالقِتَالِ" وَالثَّالِثَةُ: "سَنَةُ التَّمْحِيصِ" وَعَلَى هَذَا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَرَكُوا تَسْمِيَةَ السِّنِينَ بِالْحَوَادِثِ.
وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (^٣): "الْمُحَرَّمُ شَهْرُ الله، وَهُوَ رَأْسُ السَّنَةِ، فِيهِ يُؤَرَّخُ التَّارِيخُ، وَفِيهِ يُكْسَى الْبَيْتُ، وَيُضْرَبُ الْوَرِقُ، وَفِيهِ يَوْمٌ تَابَ فِيهِ قَوْمٌ فَتِيبَ عَلَيْهِمْ".
وَفِي كَوْنِ (أَوَّلِ) (^٤) السَّنَةِ [مِنْ] (^٥) الْمُحَرَّمِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَوْرَدَهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي "الْفِرْدَوْسُ" (^٦) وَتَبِعَهُ وَلَدُهُ، بِلَا سَنَدٍ عَنْ عَلِيٍّ -﵁-.
* * *
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في أ: الإمرة، والمثبت من باقي النسخ.
(٣) تابعي (ت ٧٤ هـ). انظر: الذهبي، سير، ٤/ ١٥٦. والنص مذكور عند: ابن كثير، بداية، ٤/ ٥١٢.
(٤) ساقط من ب.
(٥) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٦) انظر: (٧٨).
[ ٢٥٨ ]