وَأَمَّا الخَامِسُ: فَالَّذِي نَسَبَ الذَّهَبِيِّ لِذَلِكَ هُوَ تِلْمِيذُهُ التَّاجُ السُّبْكِيُّ، وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي أَفْرَادٍ مِمَّا وَقَعَ التَّاجُ فِي أَقْبَحَ مِنْهُ، حَيْثُ قَالَ فِيمَا قَرَأْتُهُ بِخَطِّهِ تِجَاهَ تَرْجَمَةِ "سَلَامَةُ الصَّيَّادُ الْمَنْبِجِيُّ الزَّاهِدُ" مَا نَصُّهُ (^٢):
"يَا مُسْلِمُ، اسْتَحِ مِنَ اللهِ! كَمْ تُجَازِفُ! وَكَمْ تَضَعُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ هُمُ الْأَشْعَرِيَّةُ! (^٣) وَمَتَى كَانَتْ الْحَنَابِلَةُ! وَهَلِ ارْتَفَعَ لِلْحَنَابِلَةِ قَطُّ (^٤) رَأْسٌ! ".
وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ الْعُجَابِ وَأَصْحَبُ لِلتَّعَصُّبِ، بَلْ أَبْلَغُ فِي خَطَأِ الْخِطَابِ.
وَلِذَا (^٥) كَتَبَ تَحْتَ خَطِّهِ بَعْدَ مُدَّةٍ قَاضِي عَصْرِنَا وَشَيْخُ الْمَذْهَبِ (الْحَنْبَلِيِّ) (^٦) الْعِزُّ الْكِنَانِيُّ مَا نَصُّهُ (^٧): "وَكَذَا، وَاللهِ، مَا ارْتَفَعَ لِلْمُعَطِّلَةِ (^٨) رَأْسٌ! ".
_________________
(١) في هامش ب.
(٢) لم أجده. وسلامة الصياد (ت حوالي ٥٨٠ هـ). انظر: الذهبي، تاريخ الإسلام، ١٢/ ٦٥٣، الصفدي، الوافي، ١٥/ ٢٠٦.
(٣) الأشعرية أو الأشاعرة: فرقة منسوبة إلى أبي الحسن الأشعري، وهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنهم أقرب من غيرهم إلى معتقد أهل السنة والجماعة، وأن مذهبهم مركب من الوحي والفلسفة. والأشاعرة قد خالفوا أهل السنة والجماعة في مسائل الأسماء والصفات. انظر: عامر فالح، معجم ألفاظ العقيدة، ص ٤٢ - ٤٣.
(٤) في أ: قط للحنابلة، والمثبت من باقي النسخ.
(٥) في ب: كذا.
(٦) ساقط من باقي النسخ.
(٧) لم أجد النص.
(٨) المُعَطِّلة: هم نفاة الأسماء والصفات، وظهرت في فرق الجهمية ومن وافقهم من أهل الكلام كالأشاعرة والماتُرِيدية، إلا أن أهل الكلام لا ينكرون الصفات ولا يردون نصوصها تكذيبًا، بل يتأولونها بما يقتضي التعطيل. انظر: ناصر العقل، دراسات في الأهواء والفرق والبدع، ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩.
[ ٢٠١ ]
ثُمَّ وَصَفَ التَّاجَ بِقَوْلِهِ: "هُوَ رَجُلٌ قَلِيلُ الْأَدَبِ، عَدِيمُ الْإِنْصَافِ، جَاهِلٌ بِأَهْلِ السُّنَّةِ وَرُتَبِهِمْ، يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ كَلَامُهُ" انْتَهَى.
وَأَمَّا السَّادِسُ: فَمَنْ جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ، وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءٌ، عَلَى أنَّا رَأَيْنَا كَثِيرًا مِمَّنْ عَابَ ذَلِكَ لَمْ يَرْفَعِ اللهُ لَهُ رَأْسًا.
[وَ] انْتَقَدَ بَعْضُ الْمُعَاصَرِينَ لِشَيْخِنَا كَثِيرًا مِنْ ترَاجِمِ "مُعْجَمِهِ" (^١) بِانْتِقَادَاتٍ سَاقِطَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمَانِعٍ مِنَ التَّنَافِسِ فِي تَحْصِيلِ "الْمُعْجَمِ" وَالتَّنَاقُلِ عَنْهُ إِلَى وَقْتِنَا بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ؛ بَلْ كَانَ -وَللهِ الْحَمْدُ- سَبَبًا لِإِخْمَادِ الْقَائِمِ بِإِظْهَارِهِ وَنَشْرِهِ وَعَدَمِ اسْتِتَارِهِ، مَعَ إِطْفَاءِ ذِكْرِهِ وَإِخْفَاءِ فَخْرِهِ، بِحَيْثُ إِنَّهُ مَا مَاتَ حَتَّى صَارَ عِبْرَةً، وَصَارَ مَحْفُوفًا بِالنَّدَامَةِ وَالْحَسْرَةِ.
وَأَفْحَشَ أَبُو عَمْرِو ابْنُ الْمُرَابِطِ فِي حَقِّ الذَّهَبِيِّ بِسَبَبِ التَّارِيخِ وَنَحْوِهِ (^٢) حَيْثُ رَدَّ عَلَيْهِ إِجْمَالًا، وَلَمْ يَتْرُكْ فِي الْقُبْحِ مَقَالًا؛ فَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، بَل كَانَ سَبَبًا لِتَكْذِيبِهِ، وَالطَّعْنِ عَلَيْهِ، ونسْبَتِهِ إِلَى التَّحَامُلِ الْمُفْرِطِ الَّذِي هُوَ بِهِ لِلرَّبِّ مُسْخِطٌ، وَكَيْفَ لَا! وَيُقَالُ: إِنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى هَذَا كَوْنُهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الدَّعْوَى لِأَمْرٍ نَسَبَهُ إِلَى أَنَّهُ فِيهِ هَذَى.
وَنَحْوُهُ غَضَبُ الشَّمْسِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَصْخَانَ (^٣) الدِّمِشْقِيِّ الْمُقْرِئِ مِنْ الذَّهَبِيِّ: "لِكَوْنِهِ تَرْجَمَهُ بِبَعْضِ مَا فِيهِ، وَكَتَبَ [بِخَطٍّ] (^٤) غَلِيظٍ عَلَى الصَّفْحَةِ
_________________
(١) هو: المجمع المؤسس للمعجم المفهرس. طبع بتحقيق: يوسف المرعشلي، نشر: دار المعرفة، بيروت، ط ١: ١٤١٣ هـ-١٩٩٢ م.
(٢) انظر: ابن حجر، الدرر الكامنة، ٤/ ٤٥.
(٣) (ت ٧٤٣ هـ) انظر: الذهبي، معرفة القرّاء الكبار، ص ٣٩٧، ابن حجر، الدرر الكامنة، ٣/ ٣٠٩ - ٣١١.
(٤) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ، ومن: الدرر الكامنة.
[ ٢٠٢ ]
الَّتِي بِخَطِّ الذَّهَبِيِّ كَلَامًا أَقْذَعَ فِيهِ فِي حَقِّ الذَّهَبِيِّ، بِحَيْثُ صَارَ خَطُّ الذَّهَبِيِّ لَا يُقْرَأُ غَالِبُهُ (^١) فَلَمَّا رَأَى الذَّهَبِيُّ ذَلِكَ انْتَقَمَ مِنْهُ بِأَنْ تَرْجَمَهُ فِي "مُعْجَمِ شُيُوخِهِ" (^٢) وَوَصَفَ مَا وَقَعَ، إِلَى أَنْ قَالَ: فَمَحَا اسْمَهُ مِنْ دِيوَانِ الْقُرَّاءِ" (^٣).
وَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ الْمُرَابِطِ مِنَ "الدُّرَرُ" (^٤) إِنَّهُ وَقَفَ لَهُ عَلَى تَخْرِيجٍ غَيْرِ مُعْتَبَرٍ؛ لِكَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنَ الْخَبْطِ النَّاشِئِ عَنْ عَدَمِ الْفَهْمِ وَالضَّبْطِ.
وَمَنْ يَكُونُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ كَيْفَ يَتَعَرَّضُ لِمَنْ هُوَ الغَايَةُ فِي الإِتْقَانِ وَالْإِصَابَةِ! بِحَيْثُ إِنَّ شَيْخَنَا قَدْ شَرِبَ مَاءَ زَمْزَمَ لِنَيْلِ مَرْتَبَتِهِ وَالْكَيْلِ بِمِعْيَارِ فِطْنَتِهِ (^٥).
وَتَقْسِيمُهُ تَارِيخَ الذَّهَبِيِّ لِأَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ مِنْهَا مَحْضُ غِيبَةٍ، تَعَقَّبَهُ فِيهَا (^٦) الْعِزُّ الْكِنَانِيُّ فَقَالَ: "هَذِهِ الْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ لَا يَخْلُو عَنْهَا تَارِيخٌ غَالِبًا".
وَأَمَّا قَوْلُهُ: "قِسْمٌ مَحْضُ غِيبَةٍ" فَلَيْسَ الْأَمْرُ فِيهِ كَذَلِكَ، بَلْ فِيهِ فَوَائِدُ عَدِيدَةٌ؛ مِنْهَا: الاعْتِبَارُ بِأَحْوَالِهِمْ، وَالْوُثُوقُ بِفَضَائِلِهِمْ، وَالتَّحْذِيرُ مِنْ رَذَائِلِهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
[(^٧) وَأَفْرَدَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ الرَّدَّ عَلَى إِمِامِ الْحُفَّاظِ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ لِأَمَاكِنَ
_________________
(١) في أ: غالبًا، والمثبت من باقي النسخ، ومن: الدرر الكامنة.
(٢) انظر: ٢/ ١٤٠ - ١٤١.
(٣) انظر: ابن حجر، الدرر الكامنة، ٣/ ٣١٠ - ٣١١.
(٤) انظر: ٤/ ٤٥.
(٥) ذكره ابن حجر في: جزء ماء زمزم لما شُرِب له، ص ٤٥، اقتداءً بالحديث النبوي المرفوع: "ماء زمزم لما شُرب له" أخرجه ابن ماجه في "سننه" (٣٠٦٢) وغيره. قال ابن حجر: "فمرتبة هذا الحديث عند الحفاظ باجتماع هذه الطرق يصلح للاحتجاج به". انظر: جزء ماء زمزم، ص ٤٢.
(٦) في أ: فيه، والمثبت من باقي النسخ.
(٧) هنا يبدأ السقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
[ ٢٠٣ ]
مِنْ تَارِيخِهِ، فَلَمْ يَنْتَشِرْ، وَلَا رَأَى مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْتَصِرْ، بَلْ كَانَ قَوْلًا مُطَّرَحًا، وَعَمَلًا مُسْتَقْبَحًا (^١).
* * *
_________________
(١) جاء في حاشية ق: "في الحق إن في تاريخ بغداد أخبارًا مردودة تظهر لمن له إلمام بعلم أَحوال الرجال … ". وقال الذهبي: "تناكد ابنُ الجوزي ﵀ وغضَّ من الخطيب، ونسبه إلى أنه يتعصب على أصحابنا الحنابلة. قلت: ليت الخطيب ترك بعض الحطِّ على الكبار فلم يروه". انظر: سير، ١٨/ ٢٨٩.
[ ٢٠٤ ]