إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ الَّذِي بَالَغَ فِيهِ، مَعَ أَنَّهُ عُمْدَتُهُ فِي جُلِّ التَّرَاجِمِ، وَكَوْنُهُ هُوَ قَدْ زَادَ فِي التَّعَصُّبِ عَلَى الْحَنَابِلَةِ -كَمَا أَسْلَفْتُهُ- مَقْرُونًا بِإِنْكَارِهِ، فَشَارَكَهُ فِيمَا زَعَمَهُ مِنَ التَّعَصُّبِ وَدَعْوَى الْغِيبَةِ، مَعَ أَنِّي لَا أُنَزِّهُ الذَّهَبِيَّ عَنْ بَعْضِ مَا نَسَبَهُ إِلَيْهِ. (وَقَدْ نَسَبَ ابْنَ الْجَوْزِيِّ -إِلَى أَنَّهُ- فِي كِتَابِهِ "الضُّعَفَاءُ" (^٢) يَذْكُرُ مَنْ طَعَنَ فِي الرَّاوِي وَلَا يَذْكُرُ مَنْ وَثَّقَهُ! قَالَهُ شَيْخُنَا فِي أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ الْعَطَّارِ مِنْ "تَهْذِيبِهِ" (^٣). وَعِنْدِي تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى التَّوْثِيقِ) (^٤) وَالْكَمَالُ لِلَّهِ.
وَيَكْفِينَا فِي جَلَالَتِهِ شُرْبُ شَيْخِنَا مَاءَ زَمْزَمَ لِنَيْلِ مَرْتَبَتِهِ -كَمَا سَبَقَ- وَهَلْ انْتَفَعَ النَّاسُ فِي هَذَا الْفَنِّ بَعْدَهُ وَإِلَى الْآنِ بِغَيْرِ تَصَانِيفِهِ! وَالسَّعِيدُ مَنْ عُدَّتْ غَلَطَاتُهُ!
«^٥) وعلَى كُلِّ حَالٍ فَطَالَمَا نَالَ غَيْرُ الْمُوَفَّقِينَ مِنَ الذَّهَبِيِّ، قِيَامًا مَعَ حُظُوظِ أَنْفُسِهِمْ؛ إِمَّا لِكَوْنِهِ تَرْجَمَهُمْ بِمَا هُوَ دُونَ مَرْتَبَتِهِمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُقَارِبُهُ.
وَمِنْ هُنَا لَمَّا ذَكَرَ الشَّمْسَ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ بَصْخَانَ الْمُقْرِئَ فِي "طَبَقَاتُ
_________________
(١) في هامش ب. ولمزيد من التفاصيل عن نقد السبكي للذهبي والرد عليه انظر: بشار عواد، مقدمة تحقيق: سير أعلام النبلاء، ١/ ١٢٧ - ١٣٥.
(٢) الضعفاء والمتروكون، طبع بتحقيق: عبد الله القاضي، نشر: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٦ هـ.
(٣) انظر: ١/ ١٠٢.
(٤) هذه الفقرة ساقطة من ب.
(٥) هنا يبدأ السقط من ب.
[ ٢٤٥ ]
الْقُرَّاءِ" وَوَقَفَ الْمُتَرْجَمُ عَلَى مَقَالِهِ، كَتَبَ بِخَطٍّ غَلِيظٍ (^١) عَلَى الصَّفْحَةِ الَّتِي بِخَطِّ الذَّهَبِيِّ كَلَامًا أَقْذَعَ فِيهِ فِي حَقِّ الذَّهَبِيِّ، بِحَيْثُ صَارَ خَطُّ الذَّهَبِيِّ لَا يُقْرَأُ غَالِبُهُ، وَوَقَفَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ تَرْجَمَهُ فِي "مُعْجَمِ شُيُوخِهِ" وَوَصَفَ مَا وَقَعَ مِنْهُ إِلَى أَنْ قَالَ: "فَمَحَا اسْمَهُ مِنْ دِيوَانِ الْقُرَّاءِ" انْتَهَى) (^٢).
وَقَدْ رَأَيْتُ لَهُ عَقِيدَةً مَجِيدَةً، وَرِسَالَةً كَتَبَهَا لِابْنِ تَيْمِيَّةَ هِيَ لِدَفْعِ نِسْبَتِهِ لِمَزِيدِ تَعَصُّبِهِ مُفِيدَةً (^٣)، وَقَالَ مَرَّةً فِيهِ (^٤) مَعَ حَلْفِهِ بِأَنَّهُ: "مَا رَمَقَتْ عَيْنُهُ أَوْسَعَ مِنْهُ عِلْمًا، وَلَا أَقْوَى ذَكَاءً، مَعَ الزُّهْدِ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَلْبَسِ وَالنِّسَاءِ، وَمَعَ الْقِيَامِ فِي الْحَقِّ [وَالْجِهَادِ] (^٥) بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَأَنَّهُ تَعِبَ فِي وَزْنِهِ وَفَتْشِهِ سِنِينَ مُتَطَاوِلَةً، فَمَا وَجَدْ [تُ قَدْ] (^٦) أَخَّرَهُ بَيْنَ الْمِصْرِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ، وَمَقَتَتْهُ نُفُوسُهُمْ بِسَبَبِهِ، وَازْدَرَوْا بِهِ وَكَذَّبُوهُ، بَلْ كَفَّرُوهُ، إِلَّا الْكِبْرَ وَالْعُجْبَ وَالدَّعَاوَى، وَفَرْطَ الْغَرَامِ فِي رِيَاسَةِ الْمَشْيَخَةِ، وَالِازْدِرَاءَ بِالْكِبَارِ، وَمَحَبَّةَ الظُّهُورِ، بِحَيْثُ قَامَ عَلَيْهِ نَاسٌ لَيْسُوا بِأَوْرَعَ مِنْهُ وَلَا أَعْلَمَ وَلَا أَزْهَدَ، بَلْ يَتَجَاوَزُونَ عَنْ ذُنُوبِ أَصْحَابِهِمْ وَآثَامِ أَصْدِقَائِهِمْ، وَلَكِنْ مَا سَلَّطَهُمْ اللهُ عَلَيْهِ بِتَقْوَاهُمْ وَجَلَالَتِهِمْ، بَلْ بِذُنُوبِهِ، وَمَا دَفَعَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْ أَتْبَاعِهِ أَكْثَرُ، وَمَا جَرَى عَلَيْهِمْ إِلَّا بَعْضُ مَا يَسْتَحِقُّونَ".
_________________
(١) في أ: الغليظ، والمثبت من باقي النسخ.
(٢) هنا ينتهي السقط من ب. وهذه الفقرة -موقف الذهبي مع ابن بَصْخَان- ذكرها السخاوي آنفًا.
(٣) الرسالة الذهبية لابن تيمية، وهي رسالة منحولة مكذوبة على الذهبي. انظر: صلاح الدين مقبول، دعوة شيخ الإسلام، ٢/ ٤٧٧ - ٤٩٩؛ عبد الستار الشيخ، الحافظ الذهبي، ص ٣٥٠ - ٣٥٢.
(٤) انظر: الذهبي، زغل العلم، ص ٣٨.
(٥) زيادة من: زغل العلم.
(٦) زيادة من: زغل العلم.
[ ٢٤٦ ]
وَقَالَ عَنْ الْحَنَابِلَةِ (^١): "عِنْدَهُمْ عُلُومٌ نَافِعَةٌ، وَفِيهِمْ دِينٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَهُمْ قِلَّةُ حَظٍّ فِي الدُّنْيَا، وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ (^٢) يَتَكَلَّمُونَ فِي عَقِيدَتِهِمْ، وَيَرْمُونَهُمْ بِالتَّجْسِيمِ، وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ، وَهُمْ بَرِيئُونَ مِنْ ذَلِكَ [إِلَّا النَّادِرَ] (^٣) وَاللهُ يَغْفِرُ لَهَمْ".
وَقَالَ فِي أُصُولِ الدِّينِ (^٤): "إِنَّهُ مُنْطَبِقٌ عَلَى حِفْظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَهُمَا أُصُولُ دِينِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ إِلَّا، وَلَكِنَّ الْعُرْفَ فِي اسْمِهِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ النِّحَلِ، فَالْأُصُولُ عِنْدَ (^٥) السَّلَفِ: الْإِيمَانُ بِاللهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَبِصِفَاتِهِ، وَبِالْقَدْرِ، وَ(بِأَنَّ الْقُرْآنَ) (^٦) الْمُنَزَّلَ كَلَامُ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَالتَّرَضِّي عَنْ كُلِّ الصَّحَابَةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ السُّنَّةِ.
[وَأُصُولُ الدِّينِ] (^٧) عِنْدَ الْخَلَفِ هُوَ مَا صَنَّفُوا فِيهِ، وَبَنَوْهُ عَلَى الْعَقْلِ وَالْمَنْطِقِ مِمَّا (^٨) كَانَ السَّلَفُ يَحُطُّونَ عَلَى سَالِكِهِ وَيُبَدِّعُونَهُ، وَبَيْنَهُمْ اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ فِي مَسَائِلَ [مُزْمِنَةٍ] (^٩) تَرْكُهَا مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْعَبْدِ، وَأَنَّهُ يُورِثُ أَمْرَاضًا فِي النُّفُوسِ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ يُجَرِّبْ؛ فَإِنَّ الْأُصُولِيَّةَ بَيْنَهُمْ السَّيْفُ، يُكَفِّرُ هَذَا هَذَا، وَيُضَلِّلُ (هَذَا
_________________
(١) انظر: زغل العلم، ص ٣٩.
(٢) في إحدى نسخ زغل العلم: الجهال.
(٣) زيادة من: زغل العلم.
(٤) انظر: زغل العلم، ص ٤١ - ٤٣.
(٥) في زغل العلم: دين.
(٦) في باقي النسخ: بالقرآن.
(٧) زيادة من: زغل العلم.
(٨) في زغل العلم: فما.
(٩) زيادة من: زغل العلم.
[ ٢٤٧ ]
هَذَا) (^١) فَالْأصُولِيُّ الْوَاقِفُ مَعَ الظَّوَاهِرِ وَالْآثَارِ عِنْدَ خُصُومِهِ يَجْعَلُونَهُ مُجَسِّمًا (^٢) وَحَشْوِيًّا (^٣) وَمُبْتَدِعًا، وَالَّذِي طَرَدَ التَّأْوِيلَ عِنْدَ الْآخَرِينَ جَهْمِيًّا وَمُعْتَزَلِيًّا وَضَالًّا، وَالَّذِي أَثْبَتَ بَعْضَ الصِّفَاتِ وَنَفَى بَعْضَهَا وَتَأَوَّلَ فِي أَمَاكِنَ يَقُولُونَ: مُتَنَاقِضًا. وَالسَّلَامَةُ وَالْعَافِيَةُ أَوْلَى بِكَ.
فَإِنْ بَرَعْتَ فِي الْأُصُولِ وَتَوَابِعِهَا مِنَ الْمَنْطِقِ وَالْحِكْمَةِ الْفَلْسَفِيَّةِ وَآرَاءِ الْأَوَائِلِ وَمَجَازَاتِ الْعُقُولِ، وَاعْتَصَمْتَ مَعَ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَصُولِ السَّلَفِ، وَلَفَّقْتَ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، فَمَا أَظُنُّكَ [فِي ذَلِكَ] (^٤) تَبْلُغُ رُتْبَةَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَلَا وَاللهِ تُقَارِبُهَا، وَقَدْ رَأَيْتَ (^٥) مَا آلَ أَمْرُهُ إِلَيْهِ مِنْ الحَطِّ عَلَيْهِ وَالهَجْرِ وَالتَّضْلِيلِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّكْذِيبِ بِحَقٍّ وَبِبَاطِلٍ فَقَدْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ [فَي] (^٦) هَذِهِ الصِّنَاعَةِ مُنَوَّرًا مُضِيئًا، عَلَى مُحَيَّاهُ سِيمَا السَّلَفِ، ثُمَّ صَارَ مُظْلِمًا مَكْسُوفًا (^٧) عَلَيْهِ قُتْمَةٌ عِنْدَ خَلَائِقَ مِنَ النَّاسِ، وَدَجَّالًا أَفَّاكًا كَافِرًا عِنْدَ أَعْدَائِهِ وَمُبْتَدِعًا، فَاضِلًا مُحَقِّقًا بَارِعًا عِنْدَ طَوَائِفَ
_________________
(١) في أ: هذا وهذا، والمثبت من باقي النسخ.
(٢) التجسيم: هو لفظ استعمله نفاة الصفات الذين قالوا بأن إثبات الصفات الذاتية مستلزمة للتجسيم والتحيز، وقد أطلقوا على أهل السنة والجماعة "المُجسِّمة"؛ لأنهم أثبتوا لله ما أثبته لنفسه. انظر: عامر فالح، معجم ألفاظ العقيدة، ص ٨٠ - ٨١.
(٣) الحَشْوية: هو لفظ أطلقه المعطلة على أهل السُّنة والجماعة، ويعنون بذلك أنهم من حَشو الناس وسقطهم؛ لأنهم -بزعمهم- لم يتعمق أهل السنّة في التأويل، ولا ذهبوا مذاهبهم في الإنكار والتعطيل. انظر: محمد خليل هرّاس، شرح نونية ابن القيم، ١/ ٣٦٤ - ٣٦٥. وانظر: ابن تيمية، منهاج السنة، ٢/ ٥٢٠.
(٤) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٥) في ب: مَرَّ.
(٦) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٧) في جميع النسخ: مكشوفًا، وهو تصحيف، والتصويب من: زغل العلم.
[ ٢٤٨ ]
مِنْ عُقَلَاءِ الْفُضَلَاءِ، وَحَامِلَ رَايَةِ الْإِسْلَامِ وَحَامِي حَوْزَةِ الدِّينِ وَمُحْيِي السُّنَّةِ عِنْدَ عُمُومِ عَوَامِّ أَصْحَابِهِ".
* * *
[ ٢٤٩ ]