وَلِهَذَا صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ (عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ) (^٢) أُولِي (^٣) الْأَمَانَاتِ بِأَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ (الرَّاجِحُ ارْتِقَاؤُهُ عَلَى فَرْضِ العَيْنِ، لِلانْدِفَاعِ بِقِيَامِهِ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ التَّأْثِيمَاتُ، بَل رُبَّمَا انْحَصَرَ وَتَعَيَّنَ حَسْبَمَا يَعْلَمُهُ مَنِ اسْتَظْهَرَ وَتَبَيَّنَ. هَذَا مَعَ كَوْنِهِ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ عُلُومِهِ، وَعِقْدًا مِنْ مَعْلُومَاتِهِ وَرُسُومِهِ) (^٤).
وَمَا أَحْسَنَ مَا بَلَغَنِي مِنَ الشِّعْرِ فِي مَدْحِهِ، وَأَبْيَنَ مَا أَعْجَبَنِي، مِمَّا يُرَغِّبُ فِي الاعْتِنَاءِ بِهِ وَعَدَمِ طَرْحِهِ، قَوْلُ الْقَاضِي الْأَرْجَانِيِّ (^٥) الْبَدِيعُ الأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي:
إِذَا عَلِمَ الإِنْسَانُ أَخْبَارَ مَنْ مَضَى … تَوَهَّمْتَهُ قَدْ عَاشَ مِنْ أَوَّلِ الدَّهْرِ
وَتَحْسَبُهُ قَدْ عَاشَ آخِرَ عُمْرِهِ … إِذَا كَانَ قَدْ أَبْقَى الجَمِيلَ مِنَ الذِّكْرِ
فَقَدْ عَاشَ كُلَّ الدَّهْرِ مَنْ كَانَ عَالِمًا … حَلِيمًا كَرِيمًا فَاغْتَنِمْ أَطْوَلَ العُمْرِ (^٦)
(وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَرَفِ هَذَا الْفَنِّ إِلَّا أَنَّ البُخَارِيَّ ﵀ صَنَّفَ "تَارِيخَهُ" (^٧) فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَكَانَ يَكْتُبُهُ فِي اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةِ، وَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ "صحِيحِهِ" حَيْثُ حَوَّلَ تَرَاجِمَهُ بَيْنَ الْقَبْرِ النَّبَوِيِّ وَالْمِنْبَرِ
_________________
(١) في هامش ب.
(٢) ليست في: التبر المسبوك.
(٣) في التبر المسبوك: أهل.
(٤) ليست في: التبر المسبوك.
(٥) هو: ناصح الدين أحمد بن محمد بن الحسين، أديب شاعر (ت ٥٤٤ هـ). انظر: الإسنوي، طبقات الشافعية، ١/ ١١٠. والأبيات المذكورة وردت بألفاظ مختلفة. انظر: ديوانه، ٢/ ٦٧٢.
(٦) إلى هُنا ينتهى النقل من: التبر المسبوك.
(٧) أي: التاريخ الكبير.
[ ١٧٤ ]
الشَّرِيفِ، وَكَانَ يُصَلِّي لِكُلِّ تَرْجَمَةٍ رَكْعَتَيْنِ (^١).
قُلْتُ: وَاسْتِوَاؤُهُمَا ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ لِلْحُكْمِ عَلَى الحَدِيثِ إِلَّا بِهِ) (^٢).
وَيُسْتَفَادُ مِنْ أَثْنَاءِ (^٣) هَذَا الْفَنِّ مَا لَعَلَّهُ مُنْدَرِجٌ فِي عُلُومِ أُخَرَ كَـ: السِّيَاسَةِ؛ الْعِلْمُ الَّذِي يُتَعَرَّفُ مِنْهُ أَنْوَاعُ الرِّيَاسَاتِ وَالسِّيَاسَاتِ، وَالاِجْتِمَاعَاتِ الْفَاضِلَةِ وَالْمُرْدِيَةِ، وَتَوَابِعُ ذَلِكَ.
وَكَـ: عِلْمِ الْأَخْلَاقِ الَّذِي يُعْلَمُ مِنْهُ أَنْوَاعُ الْفَضَائِلِ وَكَيْفِيَّةُ اكْتِسَابِهَا، وَأَنْوَاعُ الرَّذَائِلِ وَكَيْفِيَّةُ اجْتِنَابِهَا.
وَكَـ: عِلْمِ تَدْبِيرِ الْمَنْزِلِ الَّذِي يُعْلَمُ مِنْهُ الْأَحْوَالُ الْمُشْتَرِكَةُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ، وَزَوْجِهِ، وَوَلَدِهِ، وَخَدَمِهِ، وَوَجْهُ الصَّوَابِ فِيهَا.
وَمِمَّا بَلَغَنَا أَنَّ بَعْضَ نُدَمَاءِ الأَشْرَفِ بَرْسْبَاي مَدَحَهُ بِكَوْنِهِ (^٤) أَغْنَى الْفُقَهَاءِ بِمَا انْفَرَدَ بِهِ عَنْ كَثِيرِينَ مِمَّنْ قَبْلِهِ -يَعْنِي فَإِنَّهُ (^٥) بَنَى مَدْرَسَةً بِالْقَاهِرَةِ وَبِالصَّحْرَاءِ وَبِالْخَانِقَاهْ (^٦) وَغَيْرِ ذَلِكَ- فَقَالَ: "إِنَّ مَنْ سَبَقَنَا كَانَ فُقَهَاؤُهُمْ غَيْرَ مُوَافِقِينَ لَهُمْ، فَقَصَّرُوا فِي جَانِبِهِمْ لِذَلِكَ، وَفُقَهَاؤُنَا لَا يُخَالِفُونَا، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ نَسْمَحَ لَهُمْ بِحِطَامِ الدُّنْيَا".
_________________
(١) انظر: الذهبي، سير، ١٢/ ٤٠٠، ٤٠٤.
(٢) هذه الفقرة ساقطة من ب.
(٣) في باقي النسخ: أنباء.
(٤) في ق، ز: بكون.
(٥) في ز: بأنه.
(٦) الخانقاه: هي كلمة فارسية تعني محلًّا للتعبد والتزهد والبعد عن الناس. انظر: محمد أحمد دهمان، معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي، ص ٦٦؛ مصطفى الخطيب، معجم المصطلحات والألقاب التاريخية، ص ١٥٨.
[ ١٧٥ ]
قُلْتُ: وَهَذَا قَدْ كَانَ، وَأَمَّا الْآنَ فَالْمُوَافَقَةُ حَاصِلَةٌ، وَالِانْقِيَادُ بِالْخِطَامِ (^١) دُونَ الْحُطَامِ، بَلْ هُمْ مُزَاحَمُونَ فِي أَرْزَاقِهِمُ الْمُرْصَدَةِ لَهُمْ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ! غَفَرَ اللهُ لَنَا وَلَهُمْ.
* * *
_________________
(١) في أ: الحطام، وهو تصحيف، والتصويب من باقي النسخ.
[ ١٧٦ ]
تَتِمَّةٌ فِيهَا فَائِدَتَانِ: