وَبِهذَا ظَهَرَ أَنَّ الجَرْحَ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَأَنَّهُ وَالحَالَةُ هَذِهِ مِنْ النَّصِيحَةِ الوَاجِبَةِ المُثَابِ فَاعِلُهَا.
وَقَد قَالَ مَنْ لَمْ يُشَكَّ فِي وَرَعِهِ، الْإمَامُ أَحْمَدُ [﵁] (^٢) لِأَبِي تُرَابٍ النَّخْشَبِيِّ (^٣) حِينَ عَذَلَهُ عَنِ الجَرْحِ بِقَوْلِهِ: (لَا تَغْتَبِ النَّاسَ): "وَيْحَكَ! هَذِهِ نَصِيحَةٌ وَلَيْسَتْ غِيبَةً" (^٤) بَل قَالَ: "إِنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ" (^٥).
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩].
وَأَوْجَبَ اللهُ الْكَشْفَ وَالتَّبْيِينَ عِنْدَ خَبَرِ الْفَاسِقِ بِقَوْيهِ: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
وَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي الجَرْحِ: "بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ" (^٦).
وَفِي التَّعْدِيلِ: "إِنَّ عَبْدَ اللهِ رَجُلٌ صَالِحٌ" (^٧).
_________________
(١) في هامش ب.
(٢) ليست في أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٣) في ق، ز: النخشي، وهو تصحيف، وهو: عَسْكر بن الحُصين الصوفي (ت ٢٤٥ هـ). انظر: ابن الفرّاء، طبقات الحنابلة، ٢/ ١٨٣، الذهبي، سير، ١١/ ٥٤٥ - ٥٤٦.
(٤) انظر: الخطيب، الكفاية، ص ٩٢، ووقعت هذه القصة لعبد الملك بن المبارك، ولابن عُلية. انظر: الخطيب، الكفاية، ص ٨٩، ٩١.
(٥) انظر: السخاوي، فتح المغيث، ٤/ ٤٤٤.
(٦) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٦١٣١ ومواضع أخرى/ الفتح)، ومسلم في "صحيحه" (٢٥٩١) عن عائشة مرفوعًا.
(٧) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٧٤٠ ومواضع أخرى/ الفتح) عن ابن عمر، عن أخته =
[ ١٩٠ ]
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ.
وَلِذَا (^١) كَانَ (هَذَا) (^٢) مُسْتَثْنًى مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، بَلْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهِ، بَلْ عُدَّ مِنَ الوَاجِبَاتِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ (^٣) وَالْعِزُّ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ كَمَا سَيَأْتِي كَلَامُهُ، بَلْ وَسَبَقَ أيْضًا.
وَتَكَلَّمَ فِيهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ كَانَ فِي الْوَرَعِ بِمَكَانٍ، كَالْحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ المَقْدِسِيِّ، وَمنَ الْمُتَقَدِّمِينَ أَحْمَدُ، كَمَا سَلَفَ قَرِيبًا.
وَابْنُ الْمُبَارَكِ، فَإِنَّهُ قَالَ: "لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَبَيْنَ أَنْ أَلْقَى عَبْدَ اللهِ ابْنَ الْمُحَرَّرِ (^٤) لَاخْتَرْتُ أَنْ أَلْقَاهُ ثُمَّ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ كَانَتْ بَعْرَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ! " (^٥).
وَابْنُ مَعِينٍ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِقَوْلِه: "إِنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي أُنَاسٍ قَدْ حَطُّوا رِحَالَهُمْ فِي الْجَنَّةِ". (^٦)
_________________
(١) = حفصة مرفوعًا. وفي ز: "مات اليوم عَبْدٌ لله صالحٌ [أَصْحَمة] ". أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٣٢٠/ الفتح)، ومسلم في "صحيحه" (٩٥٢) عن جابر بن عبد الله مرفوعًا.
(٢) في باقي النسخ: ولهذا.
(٣) ساقط من باقي النسخ.
(٤) انظر: رياض الصالحين، باب ما يُباح من الغيبة، ص ٤٣٢.
(٥) هو: الجزري، قال الدارقطني وجماعة: "متروك". انظر: الذهبي، الميزان، ٤/ ١٩٣.
(٦) أخرجه ابن حبان في "المجروحين" ١/ ٦٧.
(٧) انظر: الخطيب، الجامع لأخلاق الراوي، ص ٣٦٣؛ الذهبي، سير، ١١/ ٩٥، ١٣/ ٢٦٨.
[ ١٩١ ]
وَالبُخَارِيُّ الْقَائِلُ (كَمَا سَمِعَهُ مِنْهُ وَرَّاقُهُ) (^١): "مَا اغْتَبْتُ أَحَدًا (قَطُّ) (^٢) مُنْذُ عَلِمْتُ (^٣) أنَّ الْغِيبَةَ حَرَامٌ) (^٤) ".
«^٥) وَرَوَى الخَطِيبُ فِي "تَارِيخِهِ" (^٦) مِنْ جِهَةِ بَكْرِ بْنِ مُنِيرٍ: "سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلَا يُحَاسِبَنِي أَنِّي (^٧) اغْتَبْتُ أَحَدًا" (^٨).
وَلَمَّا قَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَرَّاقُهُ، حِينَ سَمِعَهُ يَقُولُ: "لَا يَكُونُ لِي خَصْمٌ فِي الآخِرَةِ! " مَا نَصُّهُ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَنْقِمُونَ عَلَيْكَ "التَّارِيخَ" يَقُولُونَ: فِيهِ اغْتِيَابُ النَّاسِ! [فَقَالَ] (^٩): إِنَّمَا رَوَيْنَا ذَلِكَ وَلَمْ نَقُلْهُ مِنْ عِنْدَ أَنْفُسِنَا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ" (^١٠) انْتَهَى (^١١).
وَسَيَأْتِي أَنَّهُ -﵁- زَائِدُ التَّوَقِّي بَلِيغُ التَّحَرِّي فِي ذَلِكَ، أَكْثَرُ مَا يَقُولُ: "سَكَتُوا عَنْهُ، فِيهِ نَظَرٌ، تَرَكُوهُ" وَنَحْوَ هَذَا، وقَلَّ أَنْ يَقُولَ: "كَذَّابٌ، أَوْ وَضَّاعٌ" وَإِنَّمَا يَقُولُ: "كَذَّبَهُ فُلَانٌ، رَمَاهُ فُلَانٌ" يَعْنِي بِالْكَذِبِ (^١٢).
_________________
(١) ساقط من باقي النسخ.
(٢) ساقط من باقي النسخ.
(٣) في باقي النسخ: سمعت.
(٤) في السير: تضُّر أهلها. انظر: الذهبي، سير، ١٢/ ٤٤١.
(٥) هنا يبدأ السقط من ب.
(٦) انظر: ٢/ ١٣.
(٧) في باقي النسخ: أَنْ.
(٨) انظر: ابن الفرّاء، طبقات الحنابلة، ٢/ ٢٥٥، الذهبي، سير، ١٢/ ٤٣٩.
(٩) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(١٠) سبق تخريجه.
(١١) انظر: الذهبي، سير، ١٢/ ٤٤١.
(١٢) قال الذهبي: "صدق ﵀ ومن نظر في كلامِهِ في الجرح والتعديل عَلِمَ ورعه في الكلام =
[ ١٩٢ ]
قُلْتُ: وَلِذَا قَالَ: "إِنَّمَا رَوَيْنَا ذَلِكَ وَلَم نَقُلْهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا") (^١).
وَحُجَّتُهُمُ التَّوَصُّلُ بِذَلِكَ لِصَوْنِ الشَّرِيعَةِ، وَأَنَّ حَقَّ اللهِ وَرَسُولِهِ هُوَ الْمُقَدَّمُ.
وَمِمِّنَ صَرَّحَ بِذَلِكَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ (^٢) حَيْثُ قَالَ لِمَنْ قَالَ لَهُ: أَمَا تَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ خُصَمَاءَكَ عِنْدَ اللهِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (^٣)؛: "لَأَنْ يَكُونُوا خُصَمَائِي (^٤) أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ (أَنْ يَكُونَ) (^٥) خَصْمِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- حَيْثُ لَمْ أَذُبَّ عَنْ حَدِيثِهِ" (^٦).
وَرَأَى رَجُلٌ، عِنْدَ مَوْتِ ابْنِ مَعِينٍ، النَّبِيَّ -ﷺ- وَأَصْحَابَهُ مُجْتَمِعِينَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ اجْتِمَاعِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: جِئْتُ لِأُصَلِّي عَلَى هَذَا الرَّجُلِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَذُبُّ الْكَذِبَ عَنْ حَدِيثِي (^٧).
وَنُودِيَ بَيْنَ يَدَيْ نَعْشِهِ: "هَذَا الَّذِي كَانَ يَنْفِي [الْكَذِبَ] (^٨) عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-" (^٩).
ثُمَّ رُؤِيَ فِي النَّوْمِ، فَقِيل لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ فَقَالَ: "غَفَرَ لِي، وَأَعْطَانِي
_________________
(١) = في الناس" انظر: سير، ١٢/ ٤٣٩، ٤٤١.
(٢) هنا ينتهي السقط من ب.
(٣) هو: إمام ثقة حجة (ت ١٩٨). انظر: الذهبي، سير، ٩/ ١٧٥.
(٤) ليست في: الكفاية.
(٥) في باقي النسخ: خصماء لي.
(٦) في أ: كون، والمثبت من باقي النسخ.
(٧) انظر: الخطيب، الكفاية، ص ٩٠.
(٨) انظر: ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٦٥/ ٣٨. والمروي ليس بحديث، بل رؤيا منام كما هو ظاهر.
(٩) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(١٠) انظر: الذهبي، سير، ١١/ ٩٥.
[ ١٩٣ ]
وَحَبَانِي، وَزَوَّجَنِي ثَلَاثَ مِائَةِ حَوْرَاءَ، وَأَدْخَلَنِي عَلَيْهِ مَرْتَيْنِ" (^١).
وَقِيلَ فِيهِ (^٢):
ذَهَبَ العَلِيمُ بِعَيْبِ كُلِّ مُحَدِّثٍ … وَبِكُلِّ مُخْتَلَفٍ مِنَ الإِسْنَادِ
وَبِكُلِّ وَهْمٍ فِي الحَدِيثِ وَمُشْكِلٍ … (يَعْنَى) (^٣) بِهِ عُلمَاءُ كُلِّ بِلَادِ
* * *
_________________
(١) انظر: الذهبي، سير، ١١/ ٩١.
(٢) انظر: الخطيب، تاريخ بغداد، ١٤/ ١٩٠، ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٦٥/ ٤٣.
(٣) في تاريخ بغداد: يعيى.
[ ١٩٤ ]