الأولَى: قَالَ الْعِزُّ ابْنُ جَمَاعَةَ (^٢):
"وَمِمَّا يُشْكِلُ وَيُحْتَاجُ إِلَيْهِ، مَعْرِفَةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ عِلْمِ التَّارِيخِ وَعِلْمِ الطَّبَقَاتِ، وَمَعْرِفَةُ الِافْتِرَاقِ بَيْنَ مَوْضُوعِهِمَا وَغَايَتِهِمَا".
قَالَ: "وَالحَقُّ عِنْدِي أَنَّهُمَا بِحَسَبِ الذَّاتِ يَرْجِعَانِ إِلَى شَيءٍ وَاحِدٍ، وَبِحَسَبِ الاعْتِبَارِ يَتَحَقَّقُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّغَايُرِ".
قُلْتُ: بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ (^٣)، فَيَجْتَمِعَانِ فِي التَّعْرِيفِ بِالرُّوَاةِ، وَيَنْفَرِدُ التَّارِيخُ بِالحَوَادِثِ، وَالطَّبَقَاتُ بِمَا إِذَا كَانَ فِي البَدْرِيِّينَ -مَثَلًا- مَنْ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ عَمَّنْ لَمْ يَشْهَدْهَا؛ لاسْتِلْزَامِهِ تَقْدِيمَ مُتَأَخِّرِ (^٤) الْوَفَاةِ. هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَإِنْ خَرَجَ غَالِبُ مَنْ صَنَّفَ بَعْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ "طَبَقَاتُ الشَّافِعِيَّةِ" مَثَلًا عَنْهُ، لِمُرَاعَاتِهِمْ فِي الطَّبَقَةِ قُرْبَ الْوَفَيَاتِ. وَرُبَّمَا يَكُونُ الوَاحِدُ مِنْ طَبَقَةٍ تَلِي الْمَذْكُورَ فِيهَا لِقِدَمِ مَوْتِهِ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُمْ فِي الْأَخْذِ.
_________________
(١) في هامش ب.
(٢) لم أجد النص.
(٣) العام من وجه، والخاص من وجه: هما اللذان يوجد كل واحدٍ منهما مع الآخر أحيانًا، ويوجد كل منهما بدون الآخر أحيانًا أخرى، فيجتمعان في صورة، وينفرد كل واحدٍ منهما في صورة. انظر التعليق على: ابن النجار، شرح الكوكب المنير، ٣/ ٣٨٤.
(٤) في باقي النسخ: المتأخر.
[ ١٧٧ ]
وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ التَّارِيخَ يُنْظَرُ فِيهِ بِالذَّاتِ إِلَى الْمَوَالِيدِ وَالْوَفَيَاتِ، وَبِالْعَرَضِ إِلَى الأَحْوَالِ، وَالطَّبَقَاتِ يُنْظَرُ فِيهَا بِالذَّاتِ إِلَى الْأَحْوَالِ، وَبِالْعَرَضِ إِلَى الْمَوَالِيدِ وَالْوَفَيَاتِ.
وَلَكِنَّ الأَوَّلَ (^١) أَشْبَهُ.
الثَّانِيَةُ: يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ: "فُلَانٌ الْمُتَوَفَّى" وَأَنْتَ (^٢) فِي فَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا بِالْخِيَارِ، وَالْكَسْرُ مُوَجَّهٌ بِالْمُسْتَوفِي لِمُدَّةِ حَيَاتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] عَلَى قِرَاءَةِ عَلِيٍّ -﵁- فِي فَتْحِ اليَاءِ (^٣)؛ أَيْ: يَسْتَوْفُونَ آجَالَهُمْ. وَإِنْ حُكِيَ أَنَّ أَبَا الْأَسْودِ الدُّؤَلِيَّ كَانَ مَعَ جَنَازَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَنْ الْمُتَوَفِّي؟ بِكَسْرِ الْفَاءِ، فَقَالَ: اللهُ. وَأَنَّهَا كَانَتْ أَحَدَ الْأَسْبَابِ الْبَاعِثَةِ لِأَمْرِ عَلِيٍّ لَهُ بِالنَّحْوِ، فَقَدْ قِيلَ، يَعْنِي عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْحِكَايَةِ: إِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ فَهْمُهُ وَيَتَعَقَّلُهُ (^٤) خُصُوصًا وَهُوَ الْقَائِلُ: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ" (^٥).
وَأَمَّا غَايَتُهُ فَالتَّرَجِّي لِرِضَا اللهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَالأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ.
* * *
_________________
(١) في أ: الأولى، والمثبت من باقي النسخ. وانظر: فتح المغيث، ٤/ ٤٩٨.
(٢) في أ: وأتت، والمثبت من باقي النسخ.
(٣) انظر: الزمخشري، الكشاف، ١/ ٤٥٨.
(٤) في أ: أو تتغلقه، والمثبت من باقي النسخ.
(٥) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٢٧) عن علي موقوفًا. وورد بألفاظ أخرى عن بعض الصحابة. انظر: السخاوي، الأجوبة المرضية، ١/ ٢٩٤؛ المقاصد الحسنة، رقم ١٨٠.
[ ١٧٨ ]