وَقَدْ قَالَ الْخَطِيبُ فِي "جَامِعِهِ" (^٢): "وَيَجْمَعُونَ -أَيْ أَهْلَ الْحَدِيثِ- أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ سَلَفِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَأَقَاصِيصِ الْأَنْبِيَاءِ وَسِيَرِهِمْ. وَالَّذِي نَسْتَحِبُّهُ أَلَّا يَتَعَرَّضَ لِجَمْعِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-".
ثُمَّ سَاقَ عَنِ [ابْنِ] (^٣) عَيَّاشٍ القَطَّانِ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: أَشْتَهِي أَنْ أَجْمَعَ حَدِيثَ (^٤) الْأَنْبِيَاءِ. فَقَالَ لِي: حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ حَدِيثِ نَبِيِّنَا -ﷺ-.
(وَ) (^٥) كَذَا صَرَّحَ هُوَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي التَّحَرُّزُ فِيمَا يُكْتَبُ مِنْ أَخْبَارِ الْأَوَائِلِ وَالْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ، وَمَا يَكُونُ مِنَ الْحَوَادِثِ وَالْمَلَاحِمِ؛ لِتَرَدُّدِ الْأَمْرِ (^٦) فِيهَا بَيْنَ تَجْوِيزِ الْإبْطَالِ أَوِ الْجَزْمِ (بِهِ) (^٧) كَالْكِتَابِ الْمَنْسُوبِ لِدَانْيَالَ (^٨).
_________________
(١) في هامش ب.
(٢) انظر: الخطيب، الجامع لأخلاق الراوي، ص ٣٣٥ - ٣٣٦.
(٣) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ. وانظر: الذهبي، تاريخ الإسلام، ٦/ ٤٤٧.
(٤) في أ: أحاديث، والمثبت من باقي النسخ، ومن: الجامع.
(٥) ساقط من باقي النسخ.
(٦) في أ: الأمراء، وهو تحريف، والتصويب من باقي النسخ.
(٧) ساقط من باقي النسخ.
(٨) قال السخاوي: "وأما دانيال، فقد كان من أنبياء بني إسرائيل فيما مشى عليه غير واحد … ". انظر: السخاوي، الأجوبة المرضية، ٢/ ٨٥٨. أما عن الكتاب المنسوب لدانيال فانظر: مشهور حسن، كتب حَذّر منها العلماء، ١/ ١٣٦ - ١٣٩.
[ ٢١٧ ]
بَلْ لَيْسَ يَصِحُّ فِي ذِكْرِ الْمَلَاحِمِ الْمُرْتَقَبَةِ (^١) وَالفِتَنِ المُنْتَظَرَةِ (^٢) إِلَّا اليَسِيرُ مِمَّا اتَّصَلَ بِنَا أَسَانِيدُهُ إِلَى الرَّسُولِ -ﷺ-.
وَسَأَلَ رَجُلٌ الْإِمَامَ مَالِكًا عَنْ زَبُورِ دَاوُدَ، فَقَالَ لَهُ: "مَا أَجْهَلَكَ! مَا أَفْرَغَكَ! أَمَا لَنَا فِي نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ نَبِيِّنَا -ﷺ- مَا يَشْغَلُنَا بِصَحِيحِهِ عَمَّا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دَاوُدَ! ".
كَمَا بَسَطْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابِي "الْأَصْلُ الْأَصِيلُ" (^٣).
وَبِالْجُمْلَةِ فَأَكْثَرُ ذَلِكَ إِلَى الْوَهَاءِ أَقْرَبُ. بَلْ فِي كِتَابِ "التَّوَّابِينَ" (^٤) لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْمُوَفَّقِ ابْنِ قُدَامَةَ أَشْيَاءُ مَا كُنْتُ أَحِبُّ لَهُ إِيرَادَهَا، خُصُوصًا وَأَسَانِيدُهَا مُخْتَلَّةٌ. وَكَذَا فِيمَا يَرَاهُ مِنَ الْوَقَائِعِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ أَعْيَانِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الصَّحَابَةِ -﵃- أُمِرْنَا بِهِ مِنَ الْإِمْسَاكِ عَمَّا كَانَ بَيْنَهُمْ، وَالتَّأْوِيلِ لَهُ بِمَا لَا يَحُطُّ مِنْ مِقْدَارِهِمْ.
وَرَحِمَ اللهُ مُنَقِّحَ الْمَذْهَبِ الْمَحْيَوِيَّ النَّوَوِيَّ، فَإِنَّهُ لَمَّا أَثْنَى عَلَى فَوَائِدِ "الْاسْتِيعَابُ" لِلْحَافِظِ الْحُجَّةِ أَبِي عُمَرَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ (^٥): "لَوْلَا مَا شَانَهُ مِنْ ذِكْرِ
_________________
(١) في ق، ز: المرتقية، وهو تصحيف.
(٢) في باقي النسخ: المسطرة، وهو تحريف.
(٣) الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل، ذكره السخاوي ضمن مؤلفاته في: الضوء، ٨/ ١٨؛ فتح المغيث، ٣/ ٢٧٣. وقد صنّفه السخاوي ردًّا على البقاعيِّ؛ لأنه يأخذ من التوراة والإنجيل في كتابه: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور. وتوجد للأصل الأصيل نسخة خطية في دار الكتب المصرية (رقم: ١٠١، حديث). انظر: بدر العماش، الحافظ السخاوي، ١/ ٣٢٩.
(٤) انظر: ص ٩٢ - ١٣٥.
(٥) انظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ص ٢٩٢.
[ ٢١٨ ]
كَثِيرٍ مِمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَحِكَايَتِهِ عَنِ الْأَخْبَارِيِّينَ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهِمُ الْإِكْثَارُ وَالتَّخْلِيطُ" انْتَهَى.
وَيَتَأَكَّدُ تَجَنُّبُهُ إِلَّا مَعَ تَأْوِيلِهِ بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَفْهَمُ، كَمَا قَالُوهُ (^١) فِي أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَشِبْهِهَا.
وَأَقُولُهُ (^٢) فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ أَيْضًا، وَأَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ -﵁- فِي ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَيَّنُ [تَأْوِيلُهُ، كَمَا قَرَّرْتُهُ فِي بَعْضِ الْأَجْوِبَةِ.
وَكَذَا يَتَعَيَّنُ] (^٣) تَأْوِيلُ قَوْلِ القَائِلِ، كَمَا وَقَعَ قُبَيْلَ [كِتَابِ] (^٤) الْإِكْرَاهِ مِنْ "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ": "لَقَدْ عَلِمْتُ الَّذِي جَرَّأَ (^٥) صَاحِبَكَ -يَعْنِي عَلِيًّا -﵁- عَلَى الدِّمَاءِ" (^٦) مُشِيرًا لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ الْمَغْفُورِ لَهُمْ، لِعُلُوِّ مَقَامِهِ عَنْ حَمْلِ الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ.
وَكَذَا قَوْلُ الْعَبَّاسِ لِعَلِيٍّ -﵁- حِينَ مَجِيئِهِمَا لِعُمَرَ -﵁- فِي أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ، مَعَ أَشْيَاءَ وَقَعَتْ فِي الْقِصَّةِ (^٧) وَاجِبَةَ التَّأْوِيلِ إِلَّا مَقْرُونَةً بِالْبَيَانِ.
_________________
(١) هنا يجب الإشارة إلى أن مسألة الأسماء والصفات، الأصل عند السلف إمرارها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل. ولمزيد من التفاصيل انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، المجلد الثالث.
(٢) في باقي النسخ: أقول.
(٣) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٤) زيادة من: صحيح البخاري.
(٥) في باقي النسخ: جرى، وهو تحريف.
(٦) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٦٩٣٩). وأقول: حاشاه -﵁- فمن يقرأ سيرته الصحيحة يعلم أنه من أورع الناس في الدماء والأموال وغيرهما.
(٧) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٤٠٣٣ ومواضع أخرى) عن مالك بن أوس فذكرها بطولها.
[ ٢١٩ ]
كُلُّ ذَلِكَ عَمَلًا بِـ: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرَفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ" (^١) "مَا مِنْ رَجُلٍ يُحَدِّثُ قَوْمًا بِحَدِيثٍ لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً" (^٢).
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْإِمَامِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ: إِنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَ حَدِيثَ "لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" (^٣) أَنْ يَقُولَ: أَعَاذَهَا اللهُ مِنْ ذَلِكَ!
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٢٧) عن عليّ موقوفًا.
(٢) أخرجه مسلم في "مقدمة صحيحه" (٥) عن ابن مسعود موقوفًا.
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٤٧٥)، ومسلم في "صحيحه" (١٦٨٨) عن عائشة مرفوعًا.
[ ٢٢٠ ]