فَأَمَّا الأَوَّلُ (^٢):
فَالتَّارِيخُ فِي اللُّغَةِ: الإِعْلَامُ بِالْوَقْتِ.
يُقَالُ: أَرَّخْتُ الْكِتَابَ وَوَرَّخْتُهُ (بِمَعْنًى) (^٣) أَي: بَيَّنْتُ وَقْتَ كِتَابَتِهِ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ (^٤):
"التَّارِيخُ: تَعْرِيفُ الْوَقْتِ. وَالتَّورِيخُ مِثْلُهُ، يُقَالُ: أَرَّخْتُ وَوَرَّخْتُ. وَقِيلَ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْأَرْخِ -يَعْنِي بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا- وَهُوَ [صِغَارُ] (^٥) الْأُنْثَى مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ. كَأَنَّهُ (^٦) شَئءٌ حَدَثَ كَمَا يَحْدُثُ الْوَلَدُ" انْتَهَى.
وَقَدْ فَرَّقَ الأَصْمَعِيُّ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فَقَالَ:
"بَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: وَرَّخْتُ الْكِتَابَ تَوْرِيخًا. وَقَيْسٌ تَقُولُ: أَرَّخْتُهُ تَأْرِيخًا" وَهَذَا يُؤَيِّدُ كَوْنَهُ عَرَبِيًّا (^٧).
_________________
(١) في هامش ب. ولقد أفاد السخاوي في هذا المبحث من العَيْنِي. انظر: عمدة القاري، ١٧/ ٦٦.
(٢) في باقي النسخ: فالأول.
(٣) ساقط من باقي النسخ.
(٤) انظر: الصحاح، ١/ ٣٦٦، لكن لم أجد لفظة "صغار" وجملة: "كأنه … كما يحدث الولد".
(٥) زيادة من ز، ومن: الأزهري، تهذيب اللغة، ٧/ ٥٤٤. (مادة: أرخ).
(٦) في ق، ز: لأنه.
(٧) قال الصوليُّ: "وأما التأريخ بلغة قيس فهو الذي يستعمله الناس، وأما التوريخ لغة تميم فما استعمله كاتب قط، وإن كانت العرب تتكلم به". انظر: الصولي، أدب الكُتّاب، ص ١٨٧ - ١٨٩.
[ ٨٩ ]
وَقِيلَ: إِنَّهُ [٣] لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ، بَلْ هُوَ مُعَرَّبٌ مَأْخُوذٌ مِنْ (مَاهْ رُوزْ) بِالْفَارِسِيَّةِ (مَاهْ): الْقَمَرُ، وَ(رُوزُ): الْيَوْمُ. وَكَأَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ طَرَفَهُ.
قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْجَوَالِيقِيُّ فِي كِتَابِهِ "الْمُعَرَّبُ مِنَ الْكَلَامِ الْأَعْجَمِيِّ" (^١):
"يُقَالُ (^٢) إِنَّ التَّارِيخَ الَّذِي يُؤَرِّخُهُ النَّاسُ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَتَارِيخُ الْمُسْلِمِينَ أُرِّخَ مِنْ سَنَةِ الْهِجْرَةِ [وَ] (^٣) كُتِبَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ [-﵁-] (^٤) فَصَارَ تَارِيخًا إِلَى الْيَوْمِ" انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ الْكَاتِبُ، فِي كِتَابِ "الْخَرَاجُ" (^٥) لَهُ:
"تَارِيخُ كُلِّ شَيءٍ آخِرُهُ، فَيُؤَرِّخُونَ بِالْوَقْتِ الَّذِي فِيهِ حَوَادِثُ مَشْهُورَةٌ".
وَنَحْوهُ قَوْلُ الصُّولِيِّ (^٦):
"تَارِيخُ كُلِّ شَيءٍ غَايَتُهُ وَوَقْتُهُ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ زَمَنُهُ".
وَمِنْهُ قِيلَ لِفُلَانٍ: "تَارِيخُ قَوْمِهِ" إِمَّا (^٧) لِكَونِ إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي شَرَفِ قَوْمِهِ، كَمَا قَالَهُ الْمُطَرِّزِيُّ (^٨) وَذَلِكَ (^٩) بِالنَّظَرِ لإِضَافَةِ الْأُمُورِ الْجَلِيلَةِ، مِنْ كَرَمٍ أَوْ فَخْرٍ أَوْ
_________________
(١) انظر: ص ٤٩.
(٢) في ب: فقال.
(٣) زيادة من: المعرَّب.
(٤) ليست في أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٥) لم أجده في الجزء المطبوع من "الخراج"؛ لكن وقفت عليه عند: ابن عساكر، تاريخ، ١/ ٢٤.
(٦) انظر: أدب الكُتّاب، ص ١٨٧.
(٧) في أ: وإما.
(٨) انظر: المطرزي، المغرّب في ترتيب المعرّب، ص ٢٣.
(٩) في أ: وكذا، والمثبت من باقي النسخ.
[ ٩٠ ]
نَحْوِهِمَا، إِلَيْهِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ ذَاكِرًا لِلْأَخْبَارِ وَمَا شَاكَلَهَا.
وَمِمَّنْ لُقِّبَ (^١) بِذَلِكَ أَبُو الْبَرَكَاتِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ البَغْدَادِيُّ الغَسَّالُ الْمُقْرِئُ الْحَنْبَلِيُّ، الْمُتَوَفَّى فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِ مِائَةٍ (^٢).
وَفِي الإِصْطِلاحِ: التَّعْرِيفُ بِالْوَقْتِ الَّذِي تُضْبَطُ بهِ الأَحْوَالُ؛ مِنْ مَوْلِدِ الرُّوَاةِ وَالْأَئِمَّةِ، وَوَفَاةٍ، وَصِحَّةٍ، وَعَقْلٍ، وَبَدَنٍ، وَرِحْلَةٍ، وَحَجٍّ، وَحِفْظٍ، وَضَبْطٍ، وَتَوْثِيقٍ، وتَجرِيحٍ (^٣) ومَا أَشْبَهَ هَذَا مِمَّا مَرْجِعُهُ الفَحْصُ (^٤) عَنْ أَحْوَالِهِمْ في ابتِدَائِهِمْ وَحَالِهِمْ وَاسْتِقْبَالِهِمْ.
وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا يَتَّفِقُ مِنَ الْحَوَادِثِ وَالْوَقَائِعِ الْجَلِيلَةِ، مِنْ ظُهُورِ مِلَّةٍ (^٥)، وَتَجْدِيدِ فَرْضٍ، وَخَلِيفَةٍ، وَوَزِيرٍ، وَغَزْوَةٍ، وَمَلْحَمَةٍ، وَحَرْبٍ، وَفَتْحِ بَلَدٍ، وَانْتِزَاعِهِ مِنْ مُتَغَلِّبٍ عَلَيْهِ، وَانْتِقَالِ دَوْلَةٍ.
وَرُبَّمَا يُتَوَسَّعُ فِيهِ لِبِدْءِ الْخَلْقِ، وَقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَأَحْوَالِ الْقِيَامَةِ وَمُقَدِّمَاتِهَا، مِمَّا سَيَأْتِي.
أَوْ دُونَهَا، كَبِنَاءِ [٤] جَامِعٍ، أَوْ مَدْرَسَةٍ، أَوْ قَنْطَرَةٍ، أَوْ رَصِيفٍ، أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا يَعُمُّ الإِنْتِفَاعُ بِهِ، مِمَّا هُوَ شَائِعٌ مُشَاهَدٌ، أَوْ خَفِيٌّ سَمَاوِيٌّ، كَجِرَادٍ وَكُسُوفٍ وَخُسُوفٍ، أَوْ أَرْضِيٌّ، كَزَلْزَلَةٍ، وَحَرِيقٍ، وَسَيْلٍ، وَطُوفَانٍ، وَقَحْطٍ، وَطَاعُونٍ، وَمُوتَانٍ (^٦)
_________________
(١) في ق، ز: يلقب. وانظر: السخاوي، فتح المغيث، ٤/ ٣٦٣.
(٢) انظر: ابن رجب، ذيل، ١/ ٢٦٣.
(٣) في ب: تخريج. وانظر: السخاوي، فتح المغيث، ٤/ ٣٦٢.
(٤) في أ: يرجع للفحص، والمثبت من باقي النسخ.
(٥) في باقي النسخ: ملمة.
(٦) وهو: موت يقع في المال والماشية. انظر: ابن منظور، لسان العرب، ١٣/ ٢١٨. (مادة: موت).
[ ٩١ ]
وَغَيْرِهَا (^١) مِنَ الْآيَاتِ الْعِظَامِ (^٢) وَالْعَجَائِبِ الْجِسَامِ.
وَالْحَاصِلُ أنَّهُ فَنٌّ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ وَقَائِعِ الزَّمَانِ مِنْ حَيْثِيَّةِ التَّعْيِينِ وَالتَّوْقِيتِ، بَلْ عَمَّا كَانَ فِي الْعَالَمِ.
* * *
_________________
(١) في أ: وغيرهما.
(٢) في أ: العظات، والمثبت من باقي النسخ.
[ ٩٢ ]