وَأَمَّا حُكْمُهُ فَلَيْسَ بِمُطَّرِدٍ فِي وَاحِدٍ، بَلْ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلْوُقُوفِ عَلَى اتِّصَالِ الْخَبَرِ وَشِبْهِهِ، وَلِمَعْرِفَةِ النَّسْخِ، وَلِلْأَنْسَابِ الَّتِي يَنْشَأُ عَنْهَا التَّوَارُثُ وَالْكَفَاءَةُ.
وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ: بِأَنَّ عَلَيْهِ مَدَارَ الأَحْكَامِ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَبَعْضُهُمْ: إِنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي، وَلَكِنَّهَا غَيْرُ مُتَمَحِّضَةٍ لِلْوُجُوبِ (^٢) بَلْ يَنْدَرِجُ تَحْتَهَا الْمُسْتَحَبُّ بِحَسَبِ الْمَقَامِ وَالسِّيَاقِ (^٣) وَرُبَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُبَاحِ.
وَعَقَدَ (^٤) الْخَطِيبُ بَابًا لِوُجُوبِ بَيَانِ أَحْوَالِ الْكَذَّابِينَ، وَالنَّكِيرِ عَلَيْهِمْ، وَإِنْهَاءِ أَمْرِهِمْ إِلَى السَّلَاطِينَ (^٥) وَأَوْرَدَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لِشَدِّةِ اعْتِنَائِهِ بِهِ لَمَّا وَدَّعَ أَبَا عَلِيٍّ الْحَسَنَ بْنَ الرَّبِيعِ (^٦) قَعَدَ مَعَهُ، وَأَخْرَجَ أَلْوَاحَهُ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُمْلِيَ عَلَيْهِ وَفَاةَ ابْنِ الْمُبَارَكِ، فَفَعَلَ، وَأَنَّهَا فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ [وَمِائَةٍ] (^٧) وَأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَقْصِدِهِ بِهِ فَقَالَ: "أُرِيدُ أَتَعَرَّفُ بِهِ الْكَذَّابِينَ" أَوْ كَمَا قَالَ (^٨).
_________________
(١) في هامش ب.
(٢) في باقي النسخ: الوجوب.
(٣) في أ: السباق، والمثبت من باقي النسخ.
(٤) في أ: وعند، والمثبت من باقي النسخ.
(٥) انظر: الخطيب، الجامع لأخلاق الراوي، ص ٣٤١.
(٦) من رواة الأحاديث ثقة (ت ٢٢٠ هـ): انظر: المزي، تهذيب الكمال، ٦/ ١٥١.
(٧) زيادة من: الجامع لأخلاق الراوي.
(٨) انظر: الخطيب، الجامع لأخلاق الراوي، ص ٣٦١.
[ ١٧٩ ]
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ ابْنُ فَارِسٍ كَمَا مَضَى: إِنَّ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ بِخُصُوصِهَا مِنْهُ "مِمَّا يَحِقُّ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ حِفْظُهَا، وَيَجِبُ عَلَى ذِي الدِّينِ مَعْرِفَتُهَا" (^١).
وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "إِنَّهُ يَخْشَى لِمَنْ جَهِلَهَا إِذَا قِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ أَنْ يَقُولَ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُوُلونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ! أَعَاذَنَا اللهُ مِنْ ذَلِكَ". وَنَحْوُهُ الْقَوْلُ بِعَدَمِ صِحَّةِ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ (^٢).
وَقَدْ يُتَمَسَّكُ بِقَوْلِ أَبِي مُحَمَّدِ ابْنِ حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ "مَرَاتِبُ الْعُلُومِ" (^٣):
"العُلُومُ الْقَائِمَةُ اليَوْمَ سَبْعَةُ أَقْسَامٍ عِنْدَ كُلِّ أُمَّةٍ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ: عِلْمُ الشَّرِيعَةِ، وَعِلْمُ أَخْبَارِهَا -يَعْنِي الْمُتَضَمِّنَ لِفَنِّ التَّارِيخِ- وَعِلْمُ لُغَاتِهَا" وَذَكَرَ بَاقِيَهَا لِلْوُجُوبِ.
وَذَكرَ الْعِزُّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي "قَوَاعِدِهِ" (^٤) مِنْ أَمْثِلَةِ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ:
"الْكَلَامُ فِي الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ؛ لِيَتَمَيَّزَ الصَّحِيحُ مِنَ السَّقِيمِ، وَقَدْ دَلَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّ حِفْظَ الشَّرِيعَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِيمَا (^٥) زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمُتَعَيِّنِ، وَلَا يَتَأَتَّى حِفْظُ الشَّرِيعَةِ إِلَّا بِمَا ذَكَرْنَاهُ" انْتَهَى.
وَإِدْرَاجُهُ لِذَلِكَ فِي الْبِدَعِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، فَقَدْ قَالَ -ﷺ-: "نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ" (^٦) وَ"بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ" (^٧) فِي أَشْبَاهٍ لِذَلِكَ فِي الطَّرَفَيْنِ.
_________________
(١) انظر: أوجز السير لخير البشر، ص ٥.
(٢) انظر: عبد الكريم النملة، المهذب في علم أصول الفقه المقارن، ٥/ ٢٣٨٩.
(٣) انظر: ص ٧٨ - ٧٩.
(٤) انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ٢/ ١٧٣.
(٥) في ز: فما.
(٦) سيأتي تخريجه.
(٧) سيأتي تخريجه.
[ ١٨٠ ]
(مِنْهَا مِمَّا أَوْرَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "الْعِلَلُ" (^١) مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: "إِذَا عَلِمَ أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ خَيْرًا فَلْيُخْبِرْهُ بِهِ، فَإِنَّهُ تَزْدَادُ رَغْبَتُهُ فِي الْخَيْرِ" (^٢) وَقَالَ: "إِنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ مُرْسَلًا".
وَمِنْهَا مَا لِلطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَفَعَهُ: "إِذَا مُدِحَ المُؤْمِنُ رَبَا الإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ") (^٣) (^٤).
وَمِنْهُ مَا هُوَ حَرَامٌ كالْمَذْكُورِ مِمَّا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنْ جُهَّالِ الْمُؤَرِّخِينَ الَّذِينَ مُعَوَّلُهُمْ غَالِبًا عَلَى النَّاقِلِينَ عَنْ كُتُبِ الأوَّلِينَ كَـ "مُبْتَدَأُ" (^٥) وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، الْقَائِلِ مُصَنِّفُهُ: "قَرَأْتُ ثَلَاثِينَ كِتَابًا نَزَلَتْ عَلَى ثَلَاثِينَ نَبِيًّا" (^٦) وَأَنْ كُلًّا مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ ثُمَّ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَأَنَّهُ جَمَعَ عِلْمَهُمَا.
وَكَذَا غَيْرُهُ مِنَ الأَخْبَارِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْخُرَافَاتِ، حَيْثُ أَوْرَدَهُ (^٧) بِالْجَزْمِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِبُطْلَانِهِ، وَلَا أَنَّهُ مِمَّا نُقِلَ عَنْ كُتُبِ الْأَوَائِلِ، سِيَّمَا الْمُضَافُ لِسِيَرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمَحْكِيُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْأَخْبَارِيِّينَ (^٨) [إِذْ] (^٩) الْغَالِبُ
_________________
(١) انظر: العلل الواردة في الأحاديث، ٧/ ٣٠٤.
(٢) انظر: الألباني، الضعيفة، رقم: ١٦٣٩.
(٣) انظر: الألباني، الضعيفة، رقم: ١٦٣٨.
(٤) هذه الفقرة ساقطة من ب.
(٥) هو كتاب: المبتدأ والسير. انظر: المسعودي، مروج، ١/ ٤٦؛ سزكين، تاريخ التراث، ١/ القسم الثاني، ص ١٢٤.
(٦) أخرجه ابن سعد في "الطبقات" ٦/ ٧١؛ وابن عساكر في "تاريخه" ٦٣/ ٣٧٧، من طريق الواقدي المتهم. وورد بلفظ آخر. انظر: الفريابي، القدر، رقم: ٣٩٨؛ البيهقي، الأسماء والصفات، رقم: ٣٧٤؛ والدينوري، المجالسة، ٣/ ٤٢٢.
(٧) في أ: أورد، والمثبت من باقي النسخ.
(٨) في أ: الأخبار بين، والتصويب من باقي النسخ، ومن: ابن الصلاح، علوم الحديث، ص ٢٩٢.
(٩) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
[ ١٨١ ]
عَلَيْهِمُ الْإِكْثَارُ وَالتَّخْلِيطُ.
وَكَذَا مَا يُسْتَهْجَنُ ذِكْرُهُ عِنْدَ أَرْبَابِ الْعُقُولِ (^١) مِنْ حَوَادِثَ لا مَعْنَى لَهَا وَلَا فَائِدَةَ، وَذِكْرُ أُنَاسٍ مِنَ الْمُلُوكِ وَالْأَكَابِرِ يُضَافُ إِلَيْهِمْ شُرْبُ الْخَمْرِ وَفِعْلُ الْفَوَاحِشِ (^٢) مِمَّا تَصْحِيحُهُ عَنْهُمْ عَزِيزٌ، وَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ إِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ إِنْ صَحَّ، أَوِ الْقَذْفِ إِنْ لَمْ يَصِحَّ، سِيَّمَا وَقَدْ يَتَضَمَّنُ التَّهْوِينَ عَلَى أَبْنَاءِ جِنْسِهِمْ فِيمَا هُمْ (فِيهِ) (^٣) مِنَ الزَّلَلِ. عَلَى أَنَّ الْأَخْبَارَ لَا تَسْلَمُ مِنْ بَعْضِ هَذَا.
* * *
_________________
(١) في أ: المعقول، والمثبت من باقي النسخ.
(٢) في أ: الحوادث، وهو تحريف، والتصويب من باقي النسخ.
(٣) ساقط من ز.
[ ١٨٢ ]