فَأَمَّا (^٢) "المَدِينَةُ" دَارُ (^٣) الْهِجْرَةِ
فَكَانَ الْعِلْمُ وَافِرًا بِهَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ، وَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ (^٤)، وَزَمَنِ صِغَارِ (^٥) التَّابِعِينَ كَـ: عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ (^٦)، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَابْنِ عَجْلانَ، وَجَعْفَرٍ الصَّادِقِ، ثُمَّ مَالِكٍ الْإِمَامِ، وَمُقْرِئِهَا نَافِعٍ، وَإِبْرَاهِيمَ ابْنِ سَعْدٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ. ثُمَّ تَنَاقَصَ الْعِلْمُ جِدًّا بِهَا فِي الطَّبَقَةِ الَّتِي بَعْدَهُمْ، ثُمَّ تَلَاشَى.
_________________
(١) في هامش ب.
(٢) من هنا بدأ السخاوي النقل عن جزء بأكمله، وهو: الأمصار ذوات الآثار، للذهبي. طبع بتحقيق: محمود الأرناؤوط. وقال صالح العلي -مُترْجم ط روزنثال- في الحاشية ص ٦٥٩: "إنّ القسم التالي حتى السطر الثالث قبل الأخير من ص ٦٦٨ من هذه الطبعة لم يترجمها روزنثال أو يعلّق عليها، باعتبارها كتابًا للذهبي أقحمه السخاوي على هذا الكتاب. ولكننا آثرنا إثباته هنا كما جاء في نص الكتاب المطبوع (المترجم) ".
(٣) في أ: ذات، وهو تحريف، والتصويب من باقي النسخ، ومن: الأمصار.
(٤) قال النوويُّ: "ومن فضلاء التابعين الفقهاء السبعة فقهاء المدينة: سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد، وسليمان ابن يسار. وفي السابع ثلاثة أقوال؛ هل هو أبو سلمة بن عبد الرَّحمن بن عوف، أو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أو أبو بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام؟ ". انظر: تهذيب الأسماء، ص ٧٥.
(٥) في الأمصار كذا: "وزمن صغار التابعين، كزيد بن أسلم، وربيعة الرأي، ويحيى بن سعيد، وأبي الزناد. ثم في زمن تابعي التابعين، كعبيد الله بن عمر … " الخ.
(٦) في جميع النسخ والأمصار: عبد الله بن عمر، وهو تحريف، والتصويب من: مصادر ترجمته. انظر: الذهبي، سير، ٦/ ٣٠٤.
[ ٤٤٨ ]
(قُلْتُ (^١): سِيَّمَا وَقَدْ سَكَنَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الرَّوَافِضِ، وَتَحَكَّمُوا بِهَا، وَغَلَبَ أَمْرُهُمْ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ نَشَأَ بِهَا فِي الْقَرْنَيْنِ الثَّامِنِ وَالتَّاسِعِ أَفْرَادٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي غَالِبِ الْمَذَاهِبِ وَالْفُنُونِ، انْتَفَعَ بِهِمْ أَهْلُ السُّنَّةِ، وَفِيهِمْ مِمَّنْ صَنَّفَ عَدَدٌ يَسِيرٌ، وَالسُّنَّةُ بِحَمْدِ اللهِ الْآنَ مُعْتَضَدَةٌ بِمَنْ شَاءَ اللهُ مِنْ فُضَلَاءِ أَهْلِهَا، منْ قُضَاتِهَا وَغَيْرِهِمْ. نَفَعَنِي اللهُ بِبَرَكَاتِهِمْ) (^٢).
وَ"مَكَّةُ" كَانَ الْعِلْمُ بِهَا يَسِيرًا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ كَثُرَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ فِي أَيَّامِ التَّابِعِينَ [كَـ] (^٣): مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ. وَزَمَنِ أَصْحَابِهِمْ كَـ: عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَابْنِ كَثِيرٍ الْمُقْرِئِ، وَحَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَنَحْوِهِمْ.
وَفِي زَمَنِ الرَّشِيدِ كَـ: مُسْلِمٍ الزَّنْجِيِّ، وَالْفُضَيْلِ [بْنِ عِيَاضٍ] (^٤)، وَابْنِ عُيَيْنَةَ.
ثُمَّ (^٥) أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئِ، وَالْأَزْرَقِيِّ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ.
ثُمَّ فِي أثنَاءِ (^٦) الْمِئَةِ الثَّالِثَةِ تَنَاقَصَ عِلْمُ الْحَرَمَيْنِ، وَكَثُرَ بِغَيْرِهِمَا (^٧).
_________________
(١) أي: السخاوي.
(٢) هذه الفقرة -بكاملها- ساقطة من ب.
(٣) زيادة من: الأمصار.
(٤) زيادة من: الأمصار، ومن: ترجمته.
(٥) في باقي النسخ: و.
(٦) في أ: أنباء، والمثبت من باقي النسخ، ومن: الأمصار.
(٧) في أ: تغيرهما، والمثبت من باقي النسخ، ومن: الأمصار.
[ ٤٤٩ ]
(قُلْتُ (^١): وَكَانَ لِلْحَرَمِ الْمَكِّيِّ الْجَمَالُ، بِأَفْرَادٍ مُنْتَدَبِينَ (^٢) لِلْعِلْمِ وَالتَّصْنِيفِ، مِنْ أَهْلِهِ وَالْوَارِدَيْنِ عَلَيْهِ، فِي سَائِرِ الْمَذَاهِبِ وَغَالِبِ الْفُنُونِ، بِحَيْثُ كَانَ حَقِيقًا بِالِارْتِحَالِ إِلَيْهِ لِذَلِكَ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مَحَلًّا لِلنُّسُكِ) (^٣).
وَ"بَيْتُ الْمَقْدِسِ" نَزَلَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ كَـ: عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَشَدَّادِ ابْنِ أَوْسٍ، وَمَا زَالَ بِهَا عِلْمٌ لَيْسَ بِالْكَثِيرِ، ثُمَّ نَقَصَ جِدًّا، ثُمَّ مَلَكَهَا النَّصَارَى تِسْعِينَ عَامًا، ثُمَّ أُخِذَتْ.
(^٤) (وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -كَمَا فِي أَوَائِلِ "تَارِيخِ" (^٥) ابْنِ عَسَاكِرَ- أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: "أَطْلَبُ النَّاسِ لِفِتْنَةٍ، وَأَعْجَزُهُمْ عَنْهَا" وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْقِرِّيَّةِ (^٦) وَلَكِنْ فِي: "أَهْل الْحِجَازِ، وَأَنَّهُمْ أَسْرَعُ النَّاسِ إِلَى فِتْنَةٍ، وَأَعْجَزُهُمْ عَنْهَا" (^٧) وَلَكِنْ عَنْهُ فِي الْمَدِينَةِ أَنَّهُ رَسَخَ الْعِلْمُ فِيهَا (^٨) وَظَهَرَ مِنْهَا، وَرَوَى أَنَّهُ مُنْطَبِقٌ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩].
_________________
(١) أي: السخاوي.
(٢) في باقي النسخ: مبتدئين.
(٣) هذه الفقرة بكاملها ساقط من ب.
(٤) من هنا ليست في: الأمصار. فإما أنها من زيادات السخاوي، أو أنها ساقطة من: الأمصار.
(٥) انظر: ١/ ٣٥٨. وهو أثر ضعيف الإسناد. ضعفه ابن عساكر لعلتين؛ رِشْدين: وهو ابن سعد؛ ضعيف كما في التقريب: رقم: ١٩٤٢. وبكير لم يدرك ابن العاص. ورُوي عن عمرو بن العاص من طريق آخر وهو ضعيف؛ قال ابن عساكرَ، تاريخ، ١/ ٣٥٨: "وهذا منقطع".
(٦) هو: الهلالي الأعرابي، كان رأسًا في البلاغة والبيان، قتله الحجَّاج (٨٤ هـ). انظر: الذهبي، سير، ٤/ ١٩٧.
(٧) وورد أيضًا عن عمرو بن العاص. أخرجه ابن عساكر وضعفه. انظر: تاريخ، ١/ ٣٥٧.
(٨) في باقي النسخ: عنها. وانظر: ابن خلكان، وفيات، ١/ ٢٥٣.
[ ٤٥٠ ]
وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا فِي "الطَّبَرَانِيِّ" (^١): "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ حَقِّهِ، فكَأَنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ تَحْتِ قَدَمِ الرَّحْمَنِ".
وَقَالَ رَجُلٌ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: "إِنِّي قَدْ عَزَمْتُ عَلَى الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ فَأَوْصِنِي؛ قَالَ: أُوصِيكَ بِثَلَاثٍ: لَا تُصَلِّيَنَّ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ -كَأَنَّهُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلتَّزْكِيَةِ وَالرِّيَاءِ- وَلَا تَصْحَبَنَّ قُرَشِيًّا (^٢)، وَلَا تُظْهِرَنَّ صَدَقَةً".
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَمَا فِي أَوَائِلِ "تَارِيخُ" (^٣) ابْنِ عَسَاكِرَ: "إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ أَعْظَمُ النَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَأَحْقَرُهُمْ (عِنْدَ النَّاسِ يَعْنِي) (^٤) عِنْدَ أَسَاقِطِهِمْ فِيمَا يَظْهَرُ، وَإِلَّا فَهُمْ مُعْتَقَدُونَ مُبَجَّلُونَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ كَغَيْرِهِمِ الصَّالِحُ وَالطَّالِحُ".
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقِرِّيَّةِ عَنْ أَهْلِهَا: "رِجَالُهَا عُلَمَاءٌ جُفَاةٌ، وَنِسَاؤُهَا كُسَاةٌ عُرَاةٌ" (^٥).
وَعِنْدَ "أَحْمَدَ" وَغَيْرِهِ: "إِنَّ الدَّجَّالَ لَا يَطَأُ أَرْبَعَةَ أَمَاكِنَ: مَكَّةَ، وَالْمَدِينَةَ، وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَالطُّورَ" (^٦).
_________________
(١) أخرجه في "الكبير" (١٢٩٢١) من طريق محمد بن الفضل بن عطية عن زيد العمِّي عن معاوية ابن قرّة عن ابن عباس مرفوعًا. وإسناده تالف. محمد بن الفضل، قال الحافظ في: التقريب، رقم: ٦٢٢٥: "كذبوه". وبه أعلّه الهيثمي في: المجمع، ٤/ ١٧٥. وزيد العمِّي؛ ضعيف. انظر: التقريب، رقم: ٢١٣١.
(٢) في باقي النسخ: قريشًا. وقول سفيان ذكره الغزالي. انظر: الإحياء، ص ٣٠٧ - ٣٠٨.
(٣) انظر: ابن عساكر، تاريخ، ١/ ٣٥٨. بلفظ مختصر، وهو ضعيف الإسناد.
(٤) ساقط من ز.
(٥) انظر: ابن خلكان، وفيات، ١/ ٢٥٣.
(٦) أخرجه أحمد في "المسند" (٢٣٠٩٠، ٣٦٨٣) وورد مطوّلًا وفيه المرفوع بلفظ: " … وإنه لا يقرب أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد المقدس والطور … ". خَرّجه =
[ ٤٥١ ]
وَكَوْنُ عِيسَى ﵊ يَقْتُلُهُ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ -بَلَدٍ قَرِيبٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (^١) - يُؤَيِّدُ عَدَمَ دُخُولِهِ.
وَعِنْدَ "الطَّبَرَانِيِّ" فِي أَحَدِ "مَعَاجِيمِهِ" (^٢): "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي وَلَا بِالْكَعْبَةِ".
وَيُذْكَرُ (^٣) عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ حَوْلَهُ عَقَارِبُ. وَإِنَّمَا كَتَبْتُ هَذَا لِأَبيِّنَ مَا فِيهِ مِنْ نَكَارَةٍ عِنْدَ النَّشَاطِ) (^٤).
* * *
_________________
(١) = الألباني وقال: "إسناده صحيح". انظر: الصحيحة، رقم: ٢٩٣٤.
(٢) انظر: الحموي، البلدان، ٥/ ١٥. والحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢١٣٧) عن النوّاس ابن سَمْعان مرفوعًا -في قصة طويلة- وفيه قصة نزول عيسى وقتله للدجال بباب لُدّ.
(٣) أخرجه في "الصغير" (٢٧٨) عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا. والحديث صحيح؛ له شواهد في "الصحيحين" وغيره. أما لفظة "ولا بالكعبة"؛ فقال الطبرانيُّ: "ولا يُحفظ في حديث ولا بالكعبة إلَّا في هذا الحديث".
(٤) أي: في التوراة. انظر: الحموي، البلدان، ٥/ ١٦٩.
(٥) إلى هنا ليست في: الأمصار.
[ ٤٥٢ ]