وَلِذَا قَالَ الْعِزُّ تِلْوَ كَلَامِهِ السَّابِقِ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ الْمُرَابِطِ، وَقَدْ عَابَ ابْنُ الْمُرَابِطِ الذَّهَبِيَّ بِثَلْبِهِ النَّاسَ وَذِكْرِهِ لِمَسَاوِئِهِمْ، وَقَالَ: "إِنَّ ذَلِكَ غِيبَةٌ لَا تَجُوزُ، وَإِنَّ الجَرْحَ قَدِ انْقَطَعَتْ فَائِدَتُهُ مِنْ رَأْسِ الْأَرْبَعِ مِائَةٍ (^٢) فَمَا الْحَامِلُ لَهُ عَلَى الْمُسَاوَاةِ فِي هَذِهِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي عَابَهَا مِنْ غَيْرِهِ! فَإِنِ اعْتَذَرَ بِشَيْءٍ فَلَعَلَّ الذَّهَبِيَّ يَعْتَذِرُ بِمِثْلِهِ".
وَنَحْوُهُ مِمَّا اعْتَمَدَهُ الْعِزُّ ﵀ فِي الرَّدِّ مَا حَكَاهُ أَيْضًا لَنَا، قَالَ: "كُنْتُ جَالِسًا مَعَ شَخْصٍ، فَجَرَى ذِكْرُ بَعْضِ مَنْ يُعَادِينِي، فَتَظَلَّمْتُ عِنْدَهُ مِنْهُ، وَذَكَرْتُ لَهُ شَيْئًا مِنْ أَوْصَافِهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ بِأَنَّ هَذَا غِيبَةٌ، فَمَا وَسِعَنِي إِلَّا السُّكُوتُ، وَجَارَيْتُهُ الْحَدِيثَ، إِلَى أَنْ جَاءَ ذِكْرُ بَعْضِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ، فَأَخَذَ (^٣) فِي تَنْقِيصِهِ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ بِمَا رَدَّ بِهِ عَلَيَّ".
وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الأَئِمَّةِ: قَدِمَ أُنَاسٌ الْمَدِينَةَ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ عُيُوبٌ، فَتَكَلَّمُوا فِي عُيُوبِ النَّاسِ، فَاخْتَلَقَ النَّاسُ لَهُمْ عُيُوبًا، وَأُنَاسٌ لَهُمْ عُيُوبٌ، فَسَكَتُوا، فَسَكَتَ النَّاسُ عَنْ عُيُوبِهِمْ، بِحَيْثُ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: (^٤)
كُفَّ عَنِ النَّاسِ إِذَا شِئْتَ أَنْ … تَسْلَمَ مِنْ قَوْلِ جَهُولٍ لسَفِيهِ
مَنْ قَذَفَ النَّاسَ بَمِا فِيهِمْ … يَقْذِفُهُ النَّاسُ بِمَا لَيْسَ فَيهِ
_________________
(١) في هامش ب.
(٢) انظر: السخاوي، فتح المغيث، ٤/ ٤٤٥.
(٣) في ز: فأخذه، وهو تحريف.
(٤) هذان البيتان لعلي بن عثمان الصوفي، وهو من أعيان شعراء صلاح الدين. انظر: اليونيني، ذيل مرآة الزمان، ٢/ ٤٨٣.
[ ٢٠٦ ]
(وَمِنَ الْعَجِيبِ إِيرَادُ الدَّيْلَمِيِّ بِسَنَدِهِ لَهُ فِي "مُسْنَدِهِ" عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: "كَانَ بِالمَدِينَةِ أَقْوَامٌ لَهُمْ عُيُوبٌ، فَسَكَتُوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ … " (^١) الحَدِيثِ) (^٢).
وَقَالَ الآخَرُ: "كُفَّ عَنِ الشَّرِّ يُكَفَّ الشَّرُّ عَنْكَ" (^٣).
فَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الذِّكْرُ عَبَثًا، لا بِقَصْدٍ صَحِيحٍ مُرَخَّصٍ [لَهُ] (^٤) أَوْ زِيدَ فِيهِ عَلَى مَا يَحْصُلُ الْقَصْدُ بِدُونِهِ.
وَكَذَا قَوْلُهُمْ: "لُحُومُ الْعُلَمَاءِ مَسْمُومَةٌ، وَعَادَةُ اللهِ فِي هَتْكِ أَسْتَارِ مُنْتَقِصِيهِمْ مَعْلُومَةٌ" (^٥) وَالمُتَعَرِّضُ (^٦) لَهُمْ بِالسَّبِّ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ مَوْتِ الْقَلْبِ! لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ.
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ ابْنِ عَسَاكِرَ (^٧): "الوَقِيعَةُ فِيهِمْ بِمَا هُمْ مِنْهُ بَرَاءٌ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَالتَّنَاوُلُ (^٨) لِأَعْرَاضِهِمْ بِالزُّورِ وَالافْتِرَاءِ مَرْتَعٌ وَخِيمٌ، وَالاِخْتِلَاقُ عَلَى مَنِ اخْتَارَهُ
_________________
(١) إسناده موضوع. فيه: محمد بن عثمان القاضي النَّصيبي؛ كذاب متهم بالوضع. انظر: الديلمي، فردوس الأخبار، ٣/ ٣٢٦؛ الذهبي، الميزان، ٦/ ٢٥٥.
(٢) الفقرة ساقطة من ب.
(٣) انظر: الدينوري، المجالسة، ٣/ ٥١٤؛ ابن عساكر، تاريخ، ١٧/ ٣٤١ - ٣٤٢؛ السخاوي، المقاصد الحسنة، ص ٣١٩، في قصة رواها عبد الله بن جعفر الرقي، فيها العبارة المذكورة.
(٤) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٥) قال الغَزيُّ: "ليس بحديث، وهو مأخوذ من الآية ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ﴾ … [الحجرات: ١٢] وهو من كلام ابن عساكر". انظر: الجد الحثيث، ص ١٧٨. وانظر: ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، ص ٤١.
(٦) وفي باقي النسخ: المعترض.
(٧) انظر: تبيين كذب المفتري، ص ٤١.
(٨) في ق، ز: المتناول.
[ ٢٠٧ ]
اللهُ مِنْهُمْ لِنَعْشِ (^١) الْعِلْمِ خُلُقٌ ذَمِيمٌ، وَالاِقْتِدَاءُ بِمَا مَدَحَ اللهُ بِهِ قَوْلَ الْمُتَّبِعِينَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ لِمَنْ سَبَقَهُمْ وَصْفٌ كَرِيمٌ؛ إِذْ قَالَ مُثْنِيًا عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَضِدِّهَا عَلِيمٌ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠] انْتَهَى.
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ (^٢) الرُّويَانِيُّ -[شَيْخٌ] (^٣) لَا وُجُودَ لَهُ [اخْتَلَقَ اسْمَهُ بَعْضُ الْكَذَّابِينَ] (^٤) - عَنِ الأشَجِّ أَبِي الدُّنيَا (^٥) عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: "إِذَا أَلِفَ الْقَلْبُ الإِعْرَاضَ عَنِ اللهِ ابْتَلَاهُ بِالْوَقِيعَةِ فِي الصَّالِحِينَ" (^٦) وَلَا يَصِحُّ، وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
وَقَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ (^٧): "أَعْرَاضُ الْمُسْلِمِينَ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ، وَقَفَ عَلَى شَفِيرِهَا طَائِفَتَانِ مِنَ النَّاسِ؛ الْمُحَدِّثُونَ وَالْحُكَّامُ".
وَقَوْلُ غَيْرِهِ: "مَنْ أَرَادَ بِي سُوءًا جَعَلَهُ اللهُ مُحَدِّثًا أَوْ قَاضِيًا".
مِمَّا يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ، وَإِلَّا فَحَيْثُ صَدَرَ عَنِ اجْتِهَادٍ مُعْتَبَرٍ وَتَحَرٍّ فَهُوَ فِيهِ مَأْجُورٌ لا مَأْزُورٌ، كَمَا قَدَّمْنَا حِكَايَتَهُ عَنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
_________________
(١) في تبيين كذب المفترى: لإنعاش.
(٢) في ب: نصير، وهو تحريف.
(٣) زيادة من: ابن حجر، لسان الميزان، ١/ ٣١٨.
(٤) زيادة من: ابن حجر، لسان الميزان، ١/ ٣١٨.
(٥) الأشج: هو عثمان بن الخطاب؛ متهم بالكذب. انظر: الذهبي، الميزان، ٥/ ٤٤؛ ابن حجر، لسان الميزان، ٤/ ١٣٤ - ١٤٠.
(٦) باطل لا أصل له، بل هو من كلام الصوفية. انظر: ابن عَرّاق، تنزيه الشريعة، ٢/ ٣١٧.
(٧) انظر: الاقتراح، ص ٣٤٤.
[ ٢٠٨ ]