فَكُلُّ هَذَا مُرْشِدٌ إِلَى الإِفْتِقَارِ لِلتَّارِيخِ، أَوْ هُوَ مِنْ فَوَائِدِهِ.
وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ اللهَ ﷿ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩].
وَعَنْ قَتَادَةَ: "جَعَلَهَا اللهُ مَوَاقِيتَ لِصَوْمِ الْمُسْلِمِينَ وَإِفْطَارِهِمْ، وَحَجِّهِمْ، وَعِدَدِ نِسَائِهِمْ" (^٢).
وَأَمَّا مَا لَعَلَّهُ يُذْكَرُ فِيهِ مِنْ أَخْبَارِ الأَنْبِيَاءِ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَسُنَّتِهِمْ، فَهُوَ -مَعَ أَخْبَارِ الْعُلَمَاءِ وَمَذَاهِبِهِمْ، وَالْحُكَمَاءِ وَكَلَامِهِمْ، وَالزُّهَّادِ وَالنُّسَّاكِ وَمَوَاعِظِهِمْ- عَظِيمُ الْغَنَاءِ، ظَاهِرُ الْمَنْفَعَةِ فِيمَا (^٣) يُصْلِحُ الْإِنْسَانُ بهِ أَمْرَ مِعَادِهِ، وَدِينَهُ، وَسَرِيرَتَهُ فِي اعْتِقَادَاتِهِ، وَسِيرَتَهُ فِي أُمُورِ الدِّينِ، وَمَا يُصْلِحُ (^٤) بِهِ أَمْرَ مُعَامَلَاتِهِ وَمَعَاشِهِ الدُّنْيَوِيِّ.
وَكَذَا مَا يُذْكَرُ فِيهِ مِنْ أَخْبَارِ الْمُلُوكِ وَسِيَاسَاتِهِمْ، وَأَسْبَابِ مَبَادِئِ الدُّوَلِ وَإِقْبَالِهَا، ثُمَّ سَبَبِ انْقِرَاضِهَا، وَتَدْبِيرِ أَصْحَابِ الْجُيُوشِ وَالْوُزَرَاءِ، وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي يَتَكَرَّرُ مِثْلُهَا وَأَشْبَاهُهَا أَبَدًا فِي الْعَالَمِ، غَزِيرُ النَّفْعِ، كَثِيرُ الْفَائِدَةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَنْ عَرَفَهُ كَمَنْ عَاشَ الدَّهْرَ كُلَّهُ، وَجَرَّبَ الْأُمُورَ بِأَسْرِهَا، وَبَاشَرَ تِلْكَ الْأَحْوَالَ بِنَفْسِهِ؛ فَيَغْزُرُ عَقْلُهُ، وَيَصِيرُ مُجَرِّبًا غَيْرَ غِرٍّ وَلَا غُمْرٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي نَظْمِ بَعْضِهِمْ.
_________________
(١) في هامش ب.
(٢) أخرجه الطبريُّ في "تفسيره" ٣/ ٢٨٠ - ٢٨١.
(٣) في ز: فما، وهو خطأ.
(٤) في ب: تصلح.
[ ١١١ ]
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِ السَّادَاتِ (^١):
[الْعَقْلُ عَقْلَانِ … مَطْبُوعٌ وَمَسْمُوعُ
وَلَا يَنْفَعُ مَسْمُوعٌ … مَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَطْبُوعُ
وَنَحْوُ هَذَا مَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ ذَوِي الْمَرُوآتِ وَالْأَجْوَادِ، وَالْمُتَّصِفِينَ بِالوَفَاءِ وَمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ، وَالْمَعْرُوفِينَ بِالشَّجَاعَةِ وَالْفُرُوسِيَّةِ.
وَإِنَّهُ (^٢) أَيْضًا جَمُّ الفَوَائِدِ، كَثِيرُ النَّفْعِ لِذَوِي الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ، وَالْقَرَائِحِ [الصَّافِيَةِ] (^٣) لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ طِبَاعُهُمْ مِنَ الاِرْتِيَاحِ عِنْدَ سَمَاعِهِمْ (^٤) هَذِهِ الْأَخْبَارَ إِلَى التَّشَبُّهِ وَالإِقْتِدَاءِ بِأَرْبَابِهَا؛ لِيَصِيرَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ، وَطِيبِ الذِكْرِ الَّذِي حَرَّضَ (^٥) عَلَيْهِ خُلَاصَةُ البَشَرِ.
وَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْ إِمِامِ الْحُنَفَاءِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، ﵊، أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤].
وَامْتَنَّ عَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ رُسُلِهِ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ [الصافات: ٧٨].
وَعَلَى خِيرَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ -عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ-[بِقَوْلِهِ] (^٦): ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٤]، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤].
_________________
(١) في أ: العلماء، والمثبت مُصوَّب في هامش أ، ومن باقي النسخ. وانظر: ابن الأثير، الكامل، ١/ ١٠.
(٢) في أ: فإنه.
(٣) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٤) في أ: سماع، والمثبت من باقي النسخ.
(٥) في أ: حرص، والمثبت من باقي النسخ.
(٦) ليست في أ، والمثبت من باقي النسخ.
[ ١١٢ ]
وَلِمَزِيدِ رَغْبَةِ ذَوِي الْأَنْفُسِ الزَّكِيَّةِ فِي التَّارِيخِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْبَنَّاءِ الْقُرَشِيُّ الْحَنْبَلِيُّ (^١) صَاحِبُ "رِسَالَةُ السُّكُوتِ" (^٢) وَغَيْرِهَا: "لَيْتَ الْخَطِيبَ البَغْدَادِيَّ ذَكَرَنِي فِي "تَارِيخِهِ" وَلَو فِي الْكَذَّابِينَ" (^٣).
وَنَحْوُهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ مِمَّنْ تَوَهَّمَ اقْتِصَارِي (^٤) عَلَى تَرَاجِمِ الأَمْوَاتِ: "لَيْتَنِي أَمُوتُ فِي حَيَاةِ السَّخَاوِيِّ حَتَّى يُتَرْجِمَنِي" (^٥).
وَلِجُمْلَةٍ مِمَّا نَشَرْنَا مِنْ مَتِينِ فَوَائِدِهِ وَفَضْلِهِ، مِمَّا طَوَيْنَا مِنْ كَمِينِ (^٦) زَوَائِدِهِ، أَشَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الأَئِمَّةِ الأَعْلَامِ، وَاخْتَارَهُ (^٧) بِإِرْشَادِهِ إِلَيْهَا التَّنْوِيهُ بِهِ بَيْنَ الأَنَامِ؛ لَيَنْدَفِعَ مَنْ لَعَلَّهُ يُنْكِرُهُ مِنَ الْجُهَّالِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ الْفُحُولِ مِنَ الأَبْطَالِ.
وَقَالَ (^٨) الْإمَامُ الأعْظَمُ وَالْمُجْتَهِدُ الْمُقَدَّمُ، إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ [﵁] (^٩) حَسْبَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الإِمَامُ الشَّمْسُ (^١٠) مُحَمَّدُ بْنُ الشِّهَابِ الْبَاعُونِيُّ، مِمَّا سَيَأْتِي وَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ: "أَنَّ مَنْ حَفِظَهُ زَادَ عَقْلُهُ وَأَيَّدَهُ".
_________________
(١) محدث فقيه واعظ (ت ٤٧١). انظر: ابن رجب، ذيل، ١/ ٦٧.
(٢) طُبعت في الكويت، نشر: دار إيلاف، ١٤١٨ هـ -١٩٩٧ م.
(٣) انظر: القفطي، إنباه، ١/ ٢٧٦.
(٤) في ب: اقتصادي.
(٥) انظر: الضوء، ١/ ٦.
(٦) في ب: كميد، وهو تحريف. وكمين زوائده، أي: من خفي زوائده.
(٧) في ب: واختار.
(٨) في باقي النسخ: فذكر.
(٩) ليست في أ، والمثبت من باقي النسخ.
(١٠) في باقي النسخ: الشمسي، وهو: محمد بن أحمد بن ناصر الباعوني الدمشقي، فقيه شافعي (ت ٨٧١ هـ). انظر: السخاوي، الضوء، ٧/ ١١٤.
[ ١١٣ ]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ ابْنُ جَرِيرِ الطَّبَرِيُّ (^١) مَا حَاصِلُهُ: "إِنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢] الْإِرْشَادَ لِلتَّوَصُّلِ بهِ إِلَى الْعِلْمِ بِأَوْقَاتِ فُرُوضِهِمْ الَّتِي فَرَضَهَا عَلَيْهِمْ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ، مِنَ الصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فُرُوضِهِمْ، وَحِينَ حَلِّ دُيُونِهِمْ وَحُقُوقِهِمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وَقَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ [يونس: ٥ - ٦] إِنْعَامًا مِنْهُ سُبْحَانَهُ بِكُلِّ ذَلِكَ عَلَى خَلْقِهِ، وَتَفَضُّلًا مِنْهُ بِهِ عَلَيْهِمْ وَتَطَوُّلًا … " إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ الْمُتَضَمِّنِ اسْتِنْبَاطَهُ وَفَائِدَتَهُ.
بَلْ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّهُ قَالَ (^٢): "ذَكَرَ اللهُ التَّارِيخَ فِي كِتَابِهِ؛ لِأَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلِ -﵁- قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا بَالَ الْهِلَالِ يَبْدُو دَقِيقًا مِثْلَ الْخَطِّ، ثُمَّ يَزِيدُ حَتَّى يَعظُمَ وَيَسْتَوِيَ وَيَسْتَدِيرَ، ثُمَّ لَا يَزَالُ يَنْقُصُ وَيَدِقُّ حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ عَلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ؟ فَنَزَلَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وَهِيَ جَمْعُ هِلَالٍ ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] أَي: فِي دِينِهِمْ، وَصَوْمِهِمْ، وَفِطْرِهِمْ، وَعِدَّةِ نِسَائِهِمْ، وَمُدَدِ حَوَامِلِهِمْ، وَمَحَلِّ دُيُونِهِمْ، وَأُجُورِ أُجَرَائِهِمْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ وَنِعَمٌ ظَاهِرَةٌ.
_________________
(١) انظر: الطبري، تاريخ، ١/ ٤ - ٥.
(٢) إسناده ضعيف جدًّا. أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٧٠٧)، والطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٨٢ بمتن مختصر وبإسنادٍ مسلسل بالضعفاء.
[ ١١٤ ]
وَعَنْ قَتَادَةَ فِي تَفْسِيرِهَا:
"جَعَلَهَا اللهُ مَوَاقِيتَ لِصَوْمِ المُسْلِمِينَ وَإِفْطَارِهِمْ، وَحَجِّهِمْ وَمَنَاسِكِهِمْ، وَعِدَدِ نِسَائِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُ خَلْقَهُ" (^١).
بَلْ ثَبَتَ فِي"الْصَحِيحَيْنِ" (^٢) عَنْ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: ذُكِرَ الهِلَالُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: "لَا تَصُومُوا حَتَّى ترَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ صُومُوا".
وَرَوَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ المُحَقِّقِين، مِمَّا حَكَاهُ الجَنَدِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ "تَارِيخِهِ" (^٣): "إِنَّ اللهُ تَعَالَى أَنْزَلَ فِي التَّوْرَاةِ سِفْرًا مِنْ أَسْفَارِهَا مُتَضَمِّنًا أَحْوَالَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَمُدَدَ أَعْمَارِهَا (^٤) ".
قَالَ الجَنَدِيُّ (^٥):
"بَلْ قَصَّ (^٦) اللهُّ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ المُبِينِ كَثِيرًا مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الْمَاضِينَ، كَقَوْمِ نُوحٍ وَهُودٍ، وَكَمَدْيَنَ وَثَمُودَ، وَمَا حَكَاهُ عَنْ مُوسَى وهَارُونَ، وَفِرْعَونَ وَقَارُونَ، وَعَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ، وَعَنِ النُّمْرُوذِ وَإِبْرَاهِيمَ. وَقَالَ تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ [هود: ١٢٠] وَنُسِبَ لِبَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَهُ
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٩٠٦/ فتح)، ومسلم في "صحيحه" (١٠٨٠) عن ابن عمر مرفوعًا. وأخرجه البخاري أيضًا في "صحيحه" (١٩٠٩/ فتح) عن أبي هريرة مرفوعًا.
(٣) انظر: الجندي، السلوك في طبقات العلماء والملوك، ١/ ٦٠.
(٤) في أ: أعمارهم، والمثبت من باقي النسخ، ومن: السلوك.
(٥) لم أجده في: السلوك.
(٦) في أ، ب: نص، والمثبت من باقي النسخ.
[ ١١٥ ]
مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] فَيُنْظَرُ (^١). وَكَفَى بِهَذَا دَلِيلًا عَلَى جَلَالَةِ عِلْمِ التَّارِيخِ وَفَضْلِهِ، وَفَخَامَةِ قَدْرِ صَاحِبِهِ وَنُبْلِهِ".
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ (^٢) فِي الْحِكْمَةِ فِي قَصِّ اللهِ تَعَالَى ﷿ عَلَى المُصْطَفَى -ﷺ- أَخْبَارَ الْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِينَ وَالْأُمَمِ السَّالِفِينَ أُمُورٌ:
مِنْهَا: إِظْهَارُ نُبُوَّتِهِ، وَالإِسْتِدْلَالُ بِذِكْرِهَا عَلَى رِسَالَتِهِ. لِأَنَّهُ -ﷺ- كَانَ أُمِّيًّا، لم يَخْتَلِفْ إِلَى مُؤَدِّبٍ وَلَا مُعَلِّمٍ، وَلَا فَارَقَ وَطَنَهُ مُدَّةً يُمْكِنُهُ الإِنْقِطَاعُ فِيهَا إِلَى عَالِمٍ يَأْخُذُ ذَلِكَ عَنْهُ، فَإِذَا أَعْلَمَ بِهَا وَتَدَبَّرَ الْعَاقِلُ مِنْ قَوْمِهِ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّهُ بِوَحْي مِنْ اللهِ ﷾ فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَةِ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وَقَدْ يُنْكِرُ وَيَجْحَدُ حَسَدًا وَعِنَادًا.
وَمِنْهَا: التَّأَسِّي بِهِمْ فِيمَا أَثْنَى اللهُ عَلَيْهِمْ بِهِ، وَالإِنْتِهَاءِ عَنْ ضِدِّهِ.
وَمِنْهَا: التَّثْبِيتُ لَهُ وَالإِعْلَامُ بِشَرَفِهِ وَشَرَفِ أُمَّتِهِ. حَيْثُ عُوفِيَ وَأُمَّتُهُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا امْتَحَنَ اللهُ بِهِ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَخَفَّفَ عَنْهُمْ فِي الشَّرَائِعِ، وَخَصَّهُمْ بِكَرَامَاتٍ انْفَرَدُوا بِهَا عَنْهُمْ.
وَقَد قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]، إِنَّ (الظَّاهِرَةَ) تَخْفِيفُ الشَّرَائِعِ، وَ(الْبَاطِنَةَ) هُنَا: تَضْعِيفُ الصَّنَائِعِ.
وَمِنْهَا: التَّهْذِيبُ وَالتَّأْدِيبُ لِأُمَّتِهِ. كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ تَعَالَى فِي قَوْله: ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ [يوسف: ٧] وَ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] ﴿وَمَوْعِظَةً
_________________
(١) في ب: فلينظر.
(٢) انظر: الثعلبي، عرائس المجالس، ص ٢ - ٣.
[ ١١٦ ]
لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٦].
وَلِذَا كَانَ الشِّبْليُّ (^١) يَقُولُ [فِي هَذ الآيَاتِ] (^٢): "فِيهَا اشَتَغَلَ الْعَامَّةُ بِذِكْرِ الْقَصَصِ، وَالْخَاصَّةُ بِاعْتِبَارٍ مِنَ الْقَصَصِ".
وَمِنْهَا: الإِحْيَاءُ لِذِكْرِهِمْ (وَآثَارِهِمْ) (^٣) لِيَكُونَ لِلْمُحْسِنِ سَبَبًا لِلإِجْتِهَادِ فِي الْعَمَلِ رَجَاءَ تَعْجِيلِ ثَوَابِهِ، وَبَقَاءً لِذِكْرِهِ وَآثَارِهِ الْحَسَنَةِ، كَمَا رَغِبَ خَلِيلُ اللهِ إِبْرَاهِيمُ ﵊ إِذْ قَالَ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤].
وَالنَّاسُ أَحَادِيثُ، يُقَالُ: " [مَا] (^٤) مَاتَ مَيِّتٌ، وَالذِّكْرُ يُحْيِيهِ".
وَقِيلَ: "مَا أَنْفَقَ الْمُلُوكُ وَالْأَغْنِيَاءُ الْأَمْوَالَ عَلَى الْمَصَانِعِ وَالْحُصُونِ وَالْقُصُورِ إِلَّا لِبَقَاءِ الذِّكْرِ".
وَإِنَّمَا المَرْءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ … فكُنْ حَدِيثًا حَسَنًا لِمَنْ وَعَى (^٥)
قُلْتُ: وَانْظُرْ إِلَى الْأَحَادِيثِ تَرَى فِيهَا الْكَثِيرَ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا أُشِيرَ إِلَيْهِ:
كَـ "رَحِمَ اللهُ مُوسَى؛ لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا [فَصَبَرَ] " (^٦).
وَفِي التَّسَلِّي وَنَحْوِهِ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كسِنِيِّ يُوسُفَ" (^٧).
_________________
(١) قيل اسمه: دُلَف بن جَحْدر، وقيل غير ذلك، فقيه مالكي (ت ٣٣٤ هـ). انظر: السمعاني، الأنساب، ٣/ ٣٩٦؛ ابن خلكان، وفيات، ٢/ ٢٧٣؛ الذهبي، سير، ١٥/ ٣٦٧.
(٢) زيادة من: الثعلبي، عرائس المجالس.
(٣) ساقط من ز.
(٤) زيادة من: الثعلبي، عرائس المجالس.
(٥) هذا البيت لابن دُريد في "مقصورته". انظر: الخطيب التبريزي، ديوان ابن دريد وشرح مقصورته، ص ٢٣٠. وإلى هُنا انتهى النقل من: عرائس المجالس.
(٦) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٤٣٣٥/ فتح) عن ابن مسعود مرفوعًا.
(٧) أخرجه البخاري في "صحيحه" (/ ٦٢٠٠ فتح)، ومسلم في "صحيحه" (٦٧٥) عن أبي هريرة مرفوعًا.
[ ١١٧ ]
"اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدَكَ وَخَلِيلَكَ دَعَاكَ (^١) لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ" (^٢).
فِي الاقْتِفَاءِ وَالتَّأَسِّي: "وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ" (^٣).
فِي التَّأَدُّبِ مَعَ عُلُوِّ الْمَقَامِ، بَل قَالَ: "يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى؛ لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا" (^٤).
وَكَذَا تَأَسَّتْ عَائِشَةُ -﵂- حَيْثُ قَالَتْ (^٥): مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [يوسف: ١٨].
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَسْعُودِيُّ الشَّافِعِيُّ (^٦):
"إِنَّهُ عِلْمٌ يَسْتَمْتِعُ (^٧) بِهِ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ، وَيَسْتَعْذِبُ مَوْقِعَهُ الْأَحْمَقُ وَالْعَاقِلُ، فَكُلُّ غَرِيبَةٍ مِنْهُ تُعْرَفُ، وَكُلُّ أُعْجُوبَةٍ مِنْهُ تُسْتَظْرَفُ، وَمَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ وَمَعَالِيهَا مِنْهُ تُقْتَبَسُ، وَآدَابُ سِيَاسَةِ الْمُلُوكِ وَغَيْرِهَا مِنْهُ تُلْتَمَسُ، يَجْمَعُ لَكَ الْأَوَّلَ وَالْآخِرَ، وَالنَّاقِصَ وَالْوَافِرَ، وَالْبَادِئَ وَالْحَاضِرَ، وَالْمَوْجُودَ وَالْغَابِرَ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ كَثِيرٍ مِنَ
_________________
(١) في ب: دعاء، وهو تحريف.
(٢) أخرجه مسلم في "صحيحه" (١٣٧٣) عن أبي هريرة مرفوعًا.
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٤٦١ ومواضع أخرى/ فتح) عن أبي هريرة مرفوعًا به مُطَوَّلًا، ومسلم في "صحيحه" (٥٤٢) عن أبي الدرداء مرفوعًا به مُطوَّلًا.
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٢٢ ومواضع أخرى/ فتح)، ومسلم في "صحيحه" (٢٣٨٠) عن أُبيّ بن كعب مرفوعًا به مُطوَّلًا.
(٥) الحديث جزء من قصة الإفك. أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢٦٣٧ ومواضع أخرى)، ومسلم في "صحيحه" (٢٧٧٠) عن عائشة به مُطوَّلًا.
(٦) لم أجده في المروج بطوله إلا من قوله: "محبة احتذاء" إلخ. انظر: المسعودي، مروج الذهب، ١/ ٩.
(٧) في أ: يستمع، والمثبت من باقي النسخ.
[ ١١٨ ]
الْأَحْكَامِ، وَبِهِ يُتَزَيَّنُ فِي كُلِّ مَحْفَلٍ وَمَقَامٍ، وَأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى التَّصْنِيفِ فِيهِ وَفِي أَخْبَارِ الْعَالَمِ مَحَبَّةُ احْتِذَاءِ الْمُشَاكَلَةِ الَّتِي قَصَدَهَا الْعُلَمَاءُ وَقَفَاهَا (^١) الْحُكَمَاءُ، وَأَنْ يَبْقَى فِي العَالَمِ ذِكْرًا مَحْمُودًا وَعِلْمًا مَنْظُومًا عَتِيدًا".
وَقَالَ أَبُو الفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَصْبَهَانِيُّ الْكَاتِبُ، فِي مُقَدِّمَةِ "الأَغَانِي" (^٢):
"إِنَّ الْقَارِئَ إِذَا تَأَمَّلَ مَا فِيهِ مِنَ الْفِقَرِ وَنَحْوِهَا لَمْ يَزَلْ مُنْتَقِلًا بِهَا مِنْ فَائِدَةٍ إِلَى فَائِدَةٍ، وَمُتَصَرِّفًا مِنْهَا بَيْنَ جِدٍّ وَهَزْلٍ، وَآثَارٍ وَأَخْبَارٍ، وَسِيَرٍ وَأَشْعَارٍ مُتَّصِلَةٍ بِأَيَّامِ الْعَرَبِ الْمَشْهُورَةِ، وَأَخْبَارِهَا الْمَأْثُورَةِ، وَقَصَصِ الْمُلُوكِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْخُلَفَاءِ فِي الْإِسْلَامِ، يَجْمُلُ بِالْمُتَأَدِّبِينَ مَعْرِفَتُهَا، وَيَحْتَاجُ الْأَحْدَاثُ إِلَى دِرَاسَتِهَا، وَلَا يَرْتَفِعُ مَنْ فَوْقَهُمْ مِنَ الْكُهُولِ عَنِ الِاقْتِبَاسِ مِنْهَا؛ إِذْ كَانَتْ مُنْتَخَلَةً (^٣) مِنْ غُرَرِ الْأَخْبَارِ، وَمُنْتَقَاةً مِنْ عُيُونِهَا، وَمَأْخُوذَةً مِنْ مَظَانِّهَا، وَمَنْقُولَةً عَنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَا".
* * *
_________________
(١) في هامش ب: قفاه.
(٢) انظر: ١/ ٣٨.
(٣) في ب: منتحلة.
[ ١١٩ ]