قَالَ (^٢):
"وَقَدْ غُبِنَ النَّاسُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَمَاتُوا حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانُوا بِالعِلْمِ أَحْيَاءً تَصْنِيفًا وَتَحْدِيثًا (^٣). فَسِيْبَوَيْهِ الَّذِي هُوَ إِمَامُ النَّحْوِ، وَأَخَذَهُ عَنِ الْعَرَبِ شِفَاهًا، وَالْفَائِقُ فِي تَعْبِيرِهِ عَنِ العُلُومِ الَّتِي حَقَّقَهَا وَاصْطَفَاهَا، قَدْ قَتَلَهُ الْغَبْنُ، وَخَصَمَهُ الْمُنَاظِرُ لَهُ الْكِسَائِيُّ لَمَّا أَحْضَرَهُ الْبَرَامِكَةُ مَعَهُ، وَسَأْلَهُ عَنْ مَسْأَلَةِ الزُّنْبُورِ (^٤) وَأَجَابَ سِيبَوَيْهِ بِالصَّوَابِ فِيهَا وَمَا تَقْتَضِيهِ طَبِيعَةُ الْعَرَبِ وَأَلْسِنَتُهُمْ، وَالْكِسَائِيُّ يَأْبَاهُ مُغَالَبَةً بِسَيْفِ التَّجَوُّهِ وَالْمَنْزِلَةِ عِنْدَ الرَّشِيدِ، حَتَّى أَحْضَرُوا الْعَرَبَ لِتُصَوِّبَ (^٥) أَحْدَهُمَا، فَوَافَقَتِ الكِسَائِيَّ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ قَوْلُ الكِسَائِيِّ؛ لِمَنْزِلِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِمْ فِيمَا قِيلَ أُرْشُوا عَلَى ذَلِكَ، مَعَ كَوْنِهِمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ النُّطْقَ بِهِ، وَسِيبَوَيْهِ يَقُولُ لِيَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيِّ: مُرْهُمْ أَنْ يَنْطِقُوا بِذَلِكَ؛ فَإِنَّ أَلْسِنَتَهُمْ لَا تَنْهَضُ بِهِ. فَمَا وَسِعَ سِيبَوَيْهِ إِلَّا أَنْ خَرَجَ مِنَ البَصْرَةِ قَهْرًا وَغَبْنًا [إِلَى فَارِسَ] (^٦) وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى مَات.
_________________
(١) في هامش ب.
(٢) أي: ابن عَمّار.
(٣) في أ: حديثًا، والمثبت من باقي النسخ.
(٤) قال القفطيُّ: " قال الكسائي: كيف: قد كنت أظن أن العقرب أشدُّ لَسعة من الزنبور، فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي؛ ولا يجوز النصب. فقال الكسائي: لحنت … ". انظر: القفطي، إنباه، ٢/ ٣٥٨.
(٥) في باقي النسخ: لتصويب.
(٦) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ، ومن: مصادر ترجمته. انظر: القفطي، إنباه، ٢/ ٣٥٨.
[ ١٥١ ]
وَقَدْ ضَمَّنَ (ابْنُ) حَازِمٍ الْأَنْدَلُسِيُّ (^١) الْوَاقِعَةَ، مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى المَسْأَلَةِ، مَنْظُومَتَهُ النَّحْوَيَّةَ، فَقَالَ. وَسَاقَ الْأَبْيَاتَ (^٢).
وَمِمَّنْ مَاتَ بأَخَرَةٍ غَبْنًا (الإِمَامُ) (^٣) الْجَمَالُ ابْنُ مَالِكٍ، رَاوِيَةُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ نَحْوًا وَلُغَةً، فَإِنَّه مَعَ أَوْصَافِهِ الْجَلِيلَةِ، وَكَوْنِهِ كَانَ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ مِنَ الاحْتِيَاجِ وَضِيقِ الْوَقْتِ، عُورِضَ فِيمَا اسْتَقَرَّ فِيهِ مِنْ خَطَابَةٍ بِبَعْضِ قُرَى دِمَشْقَ مِنْ بَعْضِ جَهَلَتِهَا، وَانْتُزِعَتُ مِنْهُ لَهُ، فَكَادَ أَنْ يَمُوتَ، سِيَّمَا وَقَدْ حَضَرَ الْجُمْعَةَ وَسَأَلَ الْجَاهِلَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ عَنْ مَخْرَجِ الْأَلِفِ، فَتَحَيَّرَ وَظَنَّ أَنَّهُ كَلَّمَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ، ثُمَّ عَدَّدَ لَهُ حُرُوفَ الهِجَاءِ مُبْتَدِئًا بِالْأَلِفِ وَسَرَدَهَا، فَصَاحَ الْعَامَّةُ الَّذِينَ تَعَصَّبُوا لِهَذَا الْجَاهِلِ سُرُورًا؛ لِكَوْنِهِ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ بِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ! وَمَا وَجَدَ الْجَمَالُ نَاصِرًا، بَلِ اسْتَكَانَ، وَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ".
وَأَطَالَ ابْنُ عَمَّارٍ فِي حِكَايَةِ (^٤) هَذَا وَأَشْبَاهِهِ وَقَالَ:
" (إِنَّ) (^٥) ابْنَ الرِّفْعَةِ (^٦) مَعَ جَلَالَتِهِ لَمْ يَصِلْ لِمَنْصِبِ الْإِعَادَةِ، فَضْلًا عَنِ التَّدْرِيسِ
_________________
(١) هو: ابن محمد بن حسن، من أهل قُرْطاجَنَّة، أديب (ت ٦٨٤ هـ). انظر: الذهبي، تاريخ، ١٥/ ٥١٧. وذكر (ابن) في النص خطأ من السخاوي، والصواب: "وقد ضمن أبو الحسن حازم … ".
(٢) منها قوله: لذاك أعْيت على الأفهام مسألةٌ … أهْدَتْ إلى سيبويه الحتف والغَمَمَا انظر الأبيات: ابن هشام، مغني اللبيب، ٢/ ٥٨ - ٦٠.
(٣) ساقط من ق، ز. والقصة في غبن ابن مالك لم أجدها.
(٤) في باقي النسخ: حكايته.
(٥) ساقط من ب.
(٦) هو: أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، فقيه شافعي (ت ٧١٠ هـ). انظر: الإسنوي، طبقات، ١/ ٦٠١؛ ابن حجر، الدرر الكامنة، ١/ ٢٨٤.
[ ١٥٢ ]
الَّذِي ارْتَقَى إِلَيْهِ الْجُهَّالُ بِالْمَالِ، أَوْ بِالاخْتِلَاطِ بِالْمُتَجَوِّهِينَ (^١) الْأَنْذَالِ، وَكَانَ غَايَةُ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ (^٢) بِالْقَاهِرَةِ وَالإِسْكِنْدِرِيَّةِ عِنْدَ عَوْدِهِ مِنْ دِمَشْقَ أَنْ عَمَلُوهُ شَاهِدًا، مَعَ قَوْلِ ابْنِ خَلِّكَانَ فِي "تَارِيخِهِ" (^٣) أَنَّهُ: "جَاءَنِي مِرَارًا بِسَبَبِ أَدَاءِ شَهَادَاتٍ، وَسأَلْتُهُ عَنْ أَمَاكِنَ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ مُشْكِلَةٍ، فَأَجَابَ عَنْهَا وَأَبْلَغَ، مَعَ سُكُونٍ كَثِيرٍ وَتَثَبُّتٍ تَامٍّ".
وَسَرَدَ (^٤) شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِمَّا كُلُّهُ لَيْسَ مِنْ غَرَضِنَا هُنَا، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ شُجُونٌ، سِيَّمَا وَقَدْ بَسَطْتُهُ مَعَ أَشْبَاهِهِ فِي مُؤَلَّفٍ آخَرَ سَمَّيتُهُ "الفُرْجَةُ" (^٥).
وَقَالَ التَّقِيُّ المَقْرِيزِيُّ (^٦):
"الْعِلْمُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: عَقْلِيٌّ وَنَقْلِيٌّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَفَرَّغَ [المَرْءُ] (^٧) بَعْدَ إِتْقَانِ مَا تَجِبُ مَعْرِفَتُهُ مِنْهُمَا (^٨) لِمُطَالَعَةِ التَّارِيخِ وَتَدَبُّرِ مَوَاعِظِهِ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِتَدَبُّرِهِ (^٩) لِمَنْ أَزَالَ اللهُ تَعَالَى أَكِنَّةَ قَلْبِهِ وَغِشَاوَةَ بَصَرِهِ، نَتِيجَةَ الْعِلْمِ بِمَا صَارَ إِلَيْهِ
_________________
(١) من الجاه: وهو المنزلة عند السلطان. انظر: الأزهري، تهذيب اللغة، ٦/ ٣٥٠. (مادة: جاه).
(٢) هو: عثمان بن عمر المصري، فقيه مالكي، ونحوي (ت ٦٤٦ هـ). انظر: ابن خلكان، وفيات، ٣/ ٢٤٨.
(٣) انظر: وفيات الأعيان، ٣/ ٢٥٠.
(٤) أي: ابن عَمّار.
(٥) عنوانه: الفُرْجة بكائنة الكاملية التي ليس فيها للمعارض حجة. ذكره السخاوي ضمن مؤلفاته. انظر: السخاوي، الضوء، ٨/ ١٧؛ البغدادي، هدية العارفين، ٥/ ٢٢١؛ بدر العماش، السخاوي وجهوده، ١/ ٣٥٠ - ٣٥١.
(٦) انظر: المقريزي، الخطط، ١/ ٩ - ١٠.
(٧) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٨) في أ: منها، والمثبت من باقي النسخ.
(٩) في باقي النسخ: بتدبيره.
[ ١٥٣ ]
أَبْنَاءُ جِنْسِهِ مِنَ الْفَنَاءِ وَالبُيُودِ، بَعْدَ التَّخَوُّلِ (^١) فِي الْأَمْوَالِ وَالْجُنُودِ؛ فَيَحْظَى (^٢) بِالْعُزُوفِ عَنِ الدُّنْيَا، وَالرَّغَبْةِ فِي الآخِرَةِ".
ثُمَّ قَالَ (^٣):
"فَمَا أَقْبَحَ مَنْ اتَّسَمَ (^٤) بِالعِلْمِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ ذَوِي الدِّرَايَةِ وَالْفَهْمِ، إِذَا سُئِلَ عَنْ رُسُلِ اللهِ تَعَالَى الَّذِينَ أُمِرَ بِالإِيمَانِ بِهِمْ، فَلَمْ يُجِبْ بِغَيْرِ سَرْدِ أَسْمَاءٍ يَجْهَلُ مُسَمَّيَاتِهَا (^٥)! وَمَا أَسْوَأَ مَنْ تَصَدَّى لِلتَّدْرِيسِ وَالْإِفْتَاءِ، وَتَصَدَّى لِلحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ وَفَصْلِ القَضَايَا، إِذَا جَهِلَ مِنْ أَحْوَالِ المُصْطَفَى -ﷺ- وَنَسَبِهِ وَجَمِيلِ سِيرَتِهِ وَرَفِيعِ (^٦) مَنْصِبِهِ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنَ الْفَضَائِلِ الذَّاتِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ مَا لَا غَنَاءَ لِمَنْ آمَنَ بِهِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَلَا بُدَّ لِكُلِّ مَنِ اتَّسَمَ بِالعِلْمِ مِنْ دِرَايَتِهِ (فَمَا أَجْدَرَ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ [أَنْ يُجِيبَ] (^٧) فَتَّانَيْ القَبْرِ إِذَا سَأَلَاهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ بِأَنْ يَقُولَ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ (^٨)! أَعَاذَنَا الله مِنْ ذَلِكَ") (^٩).
_________________
(١) الخَوَل: ما أعطى الله الإنسان من العبيد والنّعم. انظر: الأزهري، تهذيب اللغة، ٧/ ٥٦٤. (مادة: خال).
(٢) في ق، ز: فيخطئ، وهو تصحيف.
(٣) انظر: المقريزي، إمتاع الأسماع، ١/ ٣.
(٤) في أ: أرسم، وفي ب: ارتسم، وهو تحريف، والتصويب من باقي النسخ، ومن: إمتاع الأسماع.
(٥) في أ، مسماتها، والمثبت من باقي النسخ.
(٦) في باقي النسخ: رفع، وهو تحريف.
(٧) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٨) حديث أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٣٧٤) مُطوَّلًا، ومسلم في "صحيحه" (٢٨٧٠) مختصرًا عن أنس مرفوعًا.
(٩) هذه الفقرة لم أجدها في: إمتاع الأسماع.
[ ١٥٤ ]
وَلِذَا قَالَ أَبُو الْحُسَينِ ابْنُ فَارِسٍ (^١) أَحَدُ أَئِمَّةِ النُّحَاةِ وَاللُّغَوِيِّينَ:
"إِنَّ هَذَا بِخُصُوصِهِ مِمَّا تَحِقُّ (^٢) مَعْرِفَتُهُ عَلَى المُسْلِمِينَ، (وَ) (^٣) أُفٍّ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَالِمٌ وَلَا يَدْرِي مَنْ هُمُ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَنْ أَنْفَقَ (^٤) مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ، وَبَيْنَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، وَلَا يَعْرِفُ مَنْ أَهْلُ بَدْرٍ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِم: "اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" (^٥) وَلَا مَنْ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضَوَانِ الَّذِينَ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ (^٦) وَلَا يَعْرِفُ مَنِ الأَنْصَارُ الَّذِينَ أُمِرْنَا أَنْ نُحْسِنَ لِمُحْسِنِهِمْ وَنَتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَحُبُّهُمْ إِيمَانٌ" (^٧).
وَقَالَ المَقْرِيزِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ النَّجْمُ ابْنُ فَهْدٍ عَنْ خَطِّهِ (^٨):
"مَنْ أَرَّخَ فَقَدْ حَاسَبَ الْأَيَّامَ عَلَى عُمْرِهِ، وَمَنْ كَتَبَ حَوَادِثَ دَهْرِهِ (فَقَدْ كَتَبَ كِتَابًا إِلَى مَنْ بَعْدَهُ بِحَدِيثِ دَهْرِهِ، وَمَنْ قَيَّدَ مَا شَهِدَ) (^٩) فَقَدْ أَشْهَدَ عَصْرَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ، فَهُوَ يُهْدِي إِلَى الْفُضَلَاءِ أَعْمَارًا، وَيُبَوِّئُ أَسْمَاعَهُمْ
_________________
(١) لم أجد النص في كتابه: أوجز السير.
(٢) في باقي النسخ: يحق.
(٣) ساقط من باقي النسخ.
(٤) في أ: اتفق، وهو تصحيف، والتصويب من باقي النسخ.
(٥) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٩٨٣) واللفظ له، ومسلم في "صحيحه" (٢٤٩٤) في قصة حاطب بن أبي بلتعة الطويلة عن علي بن أبي طالب مرفوعًا.
(٦) أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢٤٩٦) عن أم مُبَشِّر أنها سمعت النبي -ﷺ- يقول عند حفصة: "لا يدخل النار، إن شاء الله، من أصحاب الشجرة أحدٌ … " الحديث.
(٧) هناك أحاديث كثيرة في فضل الأنصار وحبهم، منها ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٧٨٤)، ومسلم في "صحيحه" (٧٤) عن أنس مرفوعًا: "حبُّ الأنصار آية الإيمان وبُغضهم آية النفاق".
(٨) انظر: ابن فهد، إتحاف الورى، ١/ ٤ - ٥.
(٩) ساقط من ق، ز.
[ ١٥٥ ]
وَأَبْصَارَهُمْ دِيَارًا مَا كَانَتْ دِيَارًا.
عَزَّنِي أَنْ أَرَى الدِّيَارَ بِعَيْنِي … وَلَعَلِّي أَرَى الدِّيَارَ بِسَمْعِي (^١)
فَسُبْحَانَ مَنْ هُوَ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ".
وَقَالَ فِي خُطْبَةِ كِتَابِهِ "الْعُقُودُ الْفَرِيدَةُ" (^٢):
"إِنَّ اللهَ أَقَامَ الْخَلَائِقَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وَاسْتَعْمَرَهُمْ قَبِيلًا فِي أَثَرِ قَبِيلَ (^٣) لَيُبْقِيَ الْأَوَّلَ لِلثَّانِي [مِنْ] (^٤) قَصَصِهِ مَوَاعِظَ وَعِبَرًا، وَيُحْيِيَ الْآخِرُ لِلْمُتَقَدِّمِ ذِكْرًا وَيَنْشُرَ (^٥) خَبَرًا؛ كَي يَرْعَوِيَ الْفَطِنُ عَنْ فِعْلِ مَا يُذَمُّ وَيُسْتَقْبَحُ، وَيَقْتَدِيَ الأَرِيبُ (^٦) بِمَا هُوَ الْأَحْسَنُ مِنَ الأَخْلَاقِ وَالْأَصْلَحُ … " إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ (^٧).
وَقَالَ التَّقِيُّ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ (^٨):
"إِنَّ ذِكْرَهُ لِمَنْ يَكُونُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لِيَتَشَرَّفَ بِسَمَاعِ أَخْبَارِهِمْ مَعَ عِزَّةِ وُجُودِ
_________________
(١) هذا البيت للشريف الرَّضيِّ. انظر: الديوان، ١/ ٦٥٨.
(٢) انظر: المقريزي، درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة، ١/ ٩٣.
(٣) في أ: فتيلا في أثر فتيل، وهو تصحيف، والتصويب من باقي النسخ، ومن: درر العقود.
(٤) زيادة من: درر العقود.
(٥) في أ، ق، ز: ينثر، وهو تحريف، والتصويب من ب، ومن: درر العقود.
(٦) في أ، ق، ز: الأديب، والمثبت من باقي النسخ.
(٧) في أ: الكلام، والمثبت من باقي النسخ.
(٨) لم أجده، لكن وقفت على قوله: "فإن علم التاريخ علم نافع جليل؛ وقد أرشد إلى الاحتياج إليه التنزيل، وفوائده كثيرة لا تنحصر، فمن أهمها: معرفة حال من مضى من رواة الأخبار ونقلة الآثار، والعلم بأخبار أصحاب العلوم الشرعية وغيرها، ليعلم الإنسان عمَّن يأخذ دينه، ويتمكن العالم من تقديم الأعلم والأَوْلَى عند التعارض. ومن فوائده: التأسّي بمحاسن الشّيم، والتحرز عما يلامُ الإنسانُ عليه ويذم، والاتِّعاظ بمن انقضى ومضى، إلى غير ذلك من الفوائد والعوائد" إلخ. انظر: ابن قاضي شهبة، تاريخ، ٢/ ١٠٧.
[ ١٥٦ ]
تَرَاجِمِهِمْ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ فَوَائِدِهِ".
وَقَالَ الْبَدْرُ حُسَيْنٌ الأَهْدَلُ فِي أَوَّلِ "تُحْفَةُ الزَّمَنِ فِي تَارِيخِ سَادَاتِ اليَمَنِ" (^١): "إِنَّهُ مِنَ العُلُومِ الْمُفِيدَةِ؛ إِذْ بِهِ يَحْصُلُ لِلخَلَفِ عِلْمُ أَحْوَالِ السَّلَفِ، وَيَتَمَيَّزُ بِهِ أَهْلُ الِاسْتِقَامَةِ عَنْ أَهْلِ الصَّلَفِ، وَيَسْتَفِيدُ بِهِ النَّاظِرُ الإِعْتِبَارَ وَمَعْرِفَةَ عُقُولِ الْأَوَائِلِ، وَيَتَبَيَّنُ بِهِ كَثِيرًا مِنَ الدَّلَائِلِ، وَلَوْلَاهُ لَجُهِلَتِ الْأَحْوَالُ وَالدُّوَلُ، وَالْأَنْسَابُ وَالْأَسْبَابُ، وَلَمَا عُرِفَ الفَرْقُ بَيْنَ الْجَهَلَةِ وَذَوِي الأَلْبَابِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ سِفْرًا مِنَ التَّوْرَاةِ مُفْرَدًا مُضَمَّنًا أَحْوَالَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَمُدَدَ أَعْمَارِهَا وَبَيَانَ أَنْسَابِهَا".
وَلَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيَّ العَالِمُ الْمُحْيَوِيُّ الْكَافِيَجِيُّ الْحَنَفِيُّ المُجَمِّلُ لِي بِقَوْلِهِ:
"أَنْتَ أَعْلَمُ أَهْلِ عَصْرِكَ بِالْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ [بِالِاتِّفَاقِ الْمُقَدَّمِ عَلَى الْكُلِّ، بِالِاسْتِحْقَاقِ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ وَالْآفَاقِ، أَحْسَنَ اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِ وَنَفَعَنَا بِهِ وَبِبَرَكَاتِ عُلُومِهِ وَالمُسْلِمِينَ، آمِينَ آمِينَ، أَلْفُ آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ] (^٢) بِمُؤَلَّفٍ لَهُ فِي ذَلِكَ انْتَهَى مِنْهُ فِي رَجَبٍ سَنَةِ سَبْعٍ وَسِتِّينَ [وَثَمَانِ مِائَةٍ] افْتَتَحَهُ بِأَنَّهُ (^٣): "مِنْ جُمْلَةِ العُلُومِ النَّافِعَةِ فِي الْمَبْدَإِ وَالْمَعَادِ وَمَا بَيْنَهُمَا".
قَالَ:
"وَفَوَائِدُهُ وَغَرَائِبُهُ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَهُوَ بَحْرُ الدُّرَرِ وَ(^٤) الْمَرْجَانِ، لَا يُحِيطُ بِمَنَافِعِهِ نِطَاقُ التَّحْدِيدِ وَالتِّبْيَانِ (^٥) وَفِيهِ عَجَائِبُ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، وَإِيصَالٌ إِلَى
_________________
(١) انظر: ١/ ٢١ - ٢٢.
(٢) بياض في ب، ق، والزيادة من: السخاوي، الضوء، ٨/ ٢٦.
(٣) انظر: الكافيجي، المختصر في علم التاريخ، ص ٣٢٥، ٣٢٦، ٣٣٦، ٣٦٧، ٣٦٨، ٣٦٩.
(٤) في ب، ق، ز: في، وهو تحريف.
(٥) في ق، ز: البيان.
[ ١٥٧ ]
جِنَابِ الْحَقِّ ذِي الْعَظَمَةِ وَالْجَبَرُوتِ. وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ دُرَرًا مَنْثُورَةً فِي عَجَاجِ بَحْرِ الْعُمَانِ، غَيْرَ مُنْتَظِمٍ فِي سِلْكِ الْقَوَاعِدِ وَالبَيَانِ، دَعَانِي الْحَدَبُ عَلَى أَهْلِ الْأَرَبِ وَالأَدَبِ إِلَى جَمْعِهِ فِي قَوَانِينِ الضَّبْطِ وَالبَيَانِ، بِقَدْرِ الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ، وَإِنْ كُنْتُ بِمَرَاحِلَ مِنْ جَانِبِ التَّصَدِّي لِهَذَا الْخَطْبِ الْعَظِيمِ الشَّانِ، وَلَكِنِّي (^١) دَوَّنْتُ هَذَا الْمُخْتَصَرَ فِي عِلْمِ التَّارِيخِ تُحْفَةً مِنِّي إِلَى الْإِخْوَانِ تُحْفَةَ النَّمْلَةِ إِلَى سُلَيْمَانَ".
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلتَّدْوِينِ أَيَّ اسْتِحْقَاقٍ، يَعْنِي لإِنْتِشَارِ كُتُبِهِ فِي سَائِر الآفَاقِ، وَلِذَا (^٢) دَوَّنَهُ -كَمَا قَالَ- تَدْوِينًا حَسَنًا مَقْبُولًا قَبُولًا بَيِّنًا؛ لِيَكُونَ مَنْقُولًا إِلَى الصُّدُورِ وَالْأَقْوَامِ، بَاقِيًا عَلَى مَمَرِّ (^٣) الأَيَّامِ (^٤) وَالْأَعْوَامِ، مَذْكُورًا بِاللِّسَانِ، مَحْفُوظًا بِالْجَنَانِ، وَتَذْكِرَةً وَتَشْوِيقًا إِلَى الإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ، وَإِتْيَانًا (^٥) بِمُوجَبِ الْقَوْلِ الَّذِي قَدْ شَاعَ وَذَاعَ:
كُلُّ خَطٍّ لَيْسَ فِي الْقِرْطَاسِ ضَاعَ … كُلُّ شَيْءٍ (^٦) جَاوَزَ الاثْنَيْنَ شَاعَ
فَالتَّارِيخُ مِنَ المُهِمَّاتِ الْعِظَامِ، مَقْبُولٌ عِنْدَ الْأَنَامِ، مُشْتَمِلٌ عَلَى فِكَرٍ وَعِبَرٍ، وَمَنْطَوٍ عَلَى مَصَالِحَ وَمَحَاسِنَ عَلَى وَجْهٍ مُعْتَبَرٍ، وَلَوْلَاهُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْنَا لَا خَبَرٌ وَلَا أَثَرٌ، وَهُوَ غِذَاءُ الْأَرْوَاحِ وَالْأَشْبَاحِ (^٧)، خِزَانَةُ أَخْبَارِ النَّاسِ وَالرِّجَالِ، مَعْدِنُ
_________________
(١) في ب، ق، ز: ولكن.
(٢) في ب، ق، ز: وكذا.
(٣) في المختصر: مرور.
(٤) في أ: الليالي، والمثبت من باقي النسخ، ومن: المختصر.
(٥) في أ: إثباتًا، والمثبت من باقي النسخ، ومن: المختصر.
(٦) كذا في جميع النسخ، وفي المختصر: سِرٍّ.
(٧) الشَّبَح، وهو الشخص، سُمِّي بذلك لأن فيه امتدادًا وعُرضًا. انظر: ابن فارس، المقاييس، ص ٥٢٥. فكأن المعنى الأجساد أو الأشخاص حسب السياق. (مادة: شبح).
[ ١٥٨ ]
الْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ وَالرِّوَايَاتِ وَالْأَمْثَالِ، زَيْنُ (^١) الأَدِيبِ وَعُمْدَةُ اللَّبِيبِ، وَعَوْنُ الْمُحَدِّثِ وَذُخْرُ الْأَرِيبِ (^٢)، يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمَلِكُ وَالْوَزِيرُ، وَالْقَائِدُ الْبَصِيرُ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ عَزَّ (^٣) أَمْرُهُمْ؛ أَمَّا الْمَلِكُ فَيَعْتَبِرُ بِمَا مَضَى مِنَ الدُّوَلِ وَمَنْ سَلَفَ مِنَ الْأُمَمِ، وَأَمَّا الْوَزِيرُ فَيَعْتَبِرُ بِفِعَالِ مَنْ تَقَدَّمَ مِمَّنْ حَازَ فَضْلَيْ السَّيْفِ وَالْقَلَمِ، وَأَمَّا قَائِدُ الْجُيُوشِ فَيَطَّلِعُ بِهِ عَلَى مَكَائِدِ الْحَرْبِ وَمَوَاقِفِ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَيَسْتَمِعُونَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُسَامَرَةِ، فَيَحْصُلُ لَهُمْ بِذَلِكَ الْمُبَادَرَةُ إِلَى أَنْوَاعِ الْخَيْرَاتِ، وَالِاجْتِنَابُ عَنِ الْمُنْكَرَاتِ.
وَلِأَجْلِ هَذَا قَالُوا: يَجِبُ عَلَى المَلِكِ أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا، وَيَعْمَلَ عَمَلَهُمْ فِي الْخَيْرِ - (يَعْنِي) (^٤) لَا فِيمَا عَلَيْهِ تَنَدَّمُوا- وَأَنْ يَقْرَأَ كُتُبَ مَوَاعِظِهِمْ وَوَصَايَاهُمْ، وَيَنْظُرَ أَحْكَامَهُمْ وَقَضَايَاهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ تَجْرِبَةً وَاعْتِبَارًا، وَأَبْصَرُ غَالِبًا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ سِرًّا وَجِهَارًا (^٥) لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ، وَعَرَفَ الْجَلِيَّ مِنَ الْخَفِيِّ. وَقَدْ كَانَ أَنُوشِرْوَانَ، مَعَ حُسْنِ سِيرَتِهِ، يَقْرَأَ كُتُبَ الْأَوَّلِينَ، وَيَطَلُبُ اسْتِمَاعَ حِكَايَاتِهِمْ، وَيَمْضِي عَلَى طَرِيقَتِهِمْ.
فَإِذًا لَا غَنَاءَ عَنِ التَّارِيخِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَنَى بِشَأْنِهِ، وَيُكْتَبَ وَيُنْقَلَ مَعَ الِاحْتِرَازِ عَنِ الْمُجَازَفَةِ وَالرَّجْمِ بِالْغَيْبِ، بَلْ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ.
_________________
(١) في المختصر: زينة.
(٢) في ق، ز: الأديب.
(٣) في ب: عَنَّ.
(٤) ساقط من باقي النسخ.
(٥) في أ: إجهارًا، والمثبت من باقي النسخ.
[ ١٥٩ ]
وَانْظُرْ لِمَا نُقِلَ عَنْ (^١) صُحُفِ بَعْضِ الأَنْبِيَاءِ (^٢) عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ، عَارِفًا بِأَهْلِ زَمَانِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ".
وَلِمِثْلِ هَذَا قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا" (^٣).
وَإِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١].
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف: ٣].
وَقَوْلِهِ: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨].
وقَوْلِهِ: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠].
انْتَهَى بِمدَرَّجَاتٍ يَسِيرَةٍ.
وَقَالَ صَاحِبُنَا وَمُفِيدُنَا الْحَافِظُ العُمْدَةُ النَّجْمُ عُمَرُ بْنُ فَهْدٍ الْهَاشِمِيُّ الْمَكِّيُّ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ: "الدُّرُّ الْكَمِينُ بِذَيْلِ الْعِقْدِ الثَّمِينِ فِي تَارِيخِ البَلَدِ الأَمِينِ" (^٤) الَّذِي ذَيَّلَ بِهِ عَلَى كِتَابِ (^٥) شَيْخِهِ الحَافِظِ التَّقِيِّ الفَاسِيِّ، رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى، مَا نَصُّهُ:
_________________
(١) في ب: من.
(٢) هو إبراهيم ﵇ كما في: المختصر.
(٣) حسن. أخرجه الترمذي في "سننه" (٢٦١٦)، وابن ماجه في "سننه" (٣٩٧٣) عن معاذ مرفوعًا مُطوَّلًا. وقال الترمذيُّ: "هذا حديث حسن صحيح". وحسنه الألباني. انظر: الإرواء، رقم: ٤١٣.
(٤) انظر: ١/ ١.
(٥) في ب: كتابة، وهو تحريف.
[ ١٦٠ ]
"إنَّهُ مِنَ العُلُومِ الْحَسَنَةِ الْمُفِيدَةِ، والتَّنْبِيهَاتِ الْمُتَعَيِّنَةِ الْأَكِيدَةِ؛ إذْ بِهِ يحْصُلُ لِلْمُتَأَخِّرِينَ عِلْمُ أَحْوَالِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَلَوْلَاهُ لَجُهِلَتِ الْأَحْوَالُ، وَلِمَا عُرِفَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَالْجُهَّالِ، وَقَدِ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَصَنَّفُوا فِيهِ (كُلَّ) (^١) أَنْوَاعٍ وَأَفْنَانٍ. وَقِيلَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ سِفْرًا مِنَ التَّوْرَاةِ مُفْرَدًا مُضَمَّنًا لِأَحْوَالِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَمُدَدِ أَعْمَارِهَا، وَبَيَانِ أَنْسَابِهَا".
ثُمَّ نَقَلَ كَلَامَ [ابْنِ] (^٢) الأَكْفَانِيِّ فِي "الدُّرُّ النَّظِيمِ" (^٣) وَكَلَامَ العِزِّ الحَنْبَلِيِّ فِي فَتْوَاهُ (^٤).
وَقَالَ النَّجْمُ أَيْضًا فِي خُطْبَةِ كِتَابِهِ "حَوَادِثُ مَكَّةَ" الْمُسَمَّى "إِتْحَافُ الْوَرَى بِأَخْبَارِ أُمِّ الْقُرَى" (^٥):
"إِنَّهُ لَا شَكَّ فِي جَلَالَةِ قَدْرِهِ، وَعِظَمِ مَوْقِعِهِ، يُنْتَفَعُ بِهِ لِلاِطِّلَاعِ عَلَى حَوَادِثِ الزَّمَانِ، وَسِيَرِ النَّاسِ، وَمَا أَبْقَى الدَّهْرُ مِنْ أَخْبَارِهِمْ بَعْدَ أَنْ أَبَادَهُمْ، مَعَ أَنَّهُ عِبْرَةٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ، وَتَنْبِيهٌ لِمَنِ افْتَكَرَ، وَإِخْبَارُ (^٦) حَالِ مَنْ مَضَى وَغَبَرَ، وَإِعْلَامٌ بِأَنَّ سَاكِنَ الدُّنْيَا عَلَى سَفَرٍ. وَفِي ضَبْطِهِ بِالسِّنِينَ أُمُورٌ مُهِمَّةٌ، وَفَوَائِدُ جَمَّةٌ، لَحَظَهَا الْفَارُوقُ وَالصَّحَابَةُ -﵃- عِنْدَ وَضْعِ التَّارِيخِ".
ثُمَّ نَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ الْمَقْرِيزِيِّ الْكَلَامَ الْمُخْتَصَرَ الَّذِي حَكَيْنَاهُ تِلْوَ كَلَامِهِ
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٣) سبق ذكره.
(٤) سيرد لاحقًا.
(٥) انظر: ١/ ٤.
(٦) في إتحاف الورى: اختبار.
[ ١٦١ ]
المَبْسُوطِ (^١) فِي آخَرِينَ مِمَّنْ فِي غُضُونِ ذَلِكَ.
كأَبِي عَلِيٍّ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الرَّازِيِّ، مِسْكَوَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ لَمَّا تَصَفَّحَ أَخْبَارَ الْأُمَمِ وَسِيَرَ الْمُلُوكِ، وَقَرَأَ أَخْبَارَ الْبُلْدَانِ وَكُتُبَ التَّوَارِيخِ، وَجَدَ مِنْهَا مَا يُسْتَفَادُ تَجْرِبَةً (^٢) فِي أُمُورٍ لَا يَزَالُ التَّكَرُّرُ لِمِثْلِهَا (^٣) وَيُنْتَظَرُ حُدُوثُ أَشْبَاهِهَا وَشَكْلِهَا؛ بِحَيْثُ صَنَّفَ كِتَابَهُ "تَجَارِبُ الْأُمَمِ وَعَوَاقِبُ الْهِمَمِ" (^٤) فِي أَرْبَعِ مُجَلَّدَاتٍ، وَ[ذَيَّلَ] (^٥) عَلَيْهِ وَزِيرُ الْحَضْرَتَيْنِ (^٦) أَبُو شُجَاعٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَغْدَادِيُّ.
وَكأَبِي الْفَتْحِ أَحْمَدَ بْنِ مُطَرِّفٍ الْكِنَانِيِّ (^٧) فَإِنَّهُ قَالَ:
" (إِنَّهُ) (^٨) اقْتَنَصَ مِنْ تَصَانِيفِهِ كِتَابًا مُجَرَّدًا فِي التَّوَارِيخِ الْمُعَيَّنَةِ عَلَى الطُّرُقَاتِ الْمُبَيَّنَةِ، مِمَّا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَعْلَمُوهُ، وَيَسْتَيْقِنُوهُ وَلَا يَجْهَلُوهُ، وَمِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَدْيَانِ وَالسِّيَرِ، وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالأَيَّامِ وَالْغِيَرِ".
_________________
(١) سبق ذكره.
(٢) في أ: جربه، والمثبت من باقي النسخ.
(٣) في باقي النسخ: بمثلها.
(٤) طُبع من الكتاب أجزاء بعناية هـ. ف آمدروز، القاهرة، ١٩١٤ م. وطبع في إيران بتحقيق: إمامي، ط ٢، ٢٠٠٠ م. والنص المذكور عن مسكويه في مقدمة تجارب الأمم. انظر: ١/ ٤٧.
(٥) في أ: زّين، وهو تحريف، والتصويب من باقي النسخ.
(٦) في ب: الحصريين، وهو تصحيف (ت ٤٨٨ هـ) انظر: الذهبي، سير، ١٩/ ٢٧ - ٣١. والذيل نشرته مطبعة التمدن، مصر، ١٩١٦ م.
(٧) لم أعرفه! وانظر: الحموي، معجم الأدباء، ٢/ ٣٤ - ٣٥.
(٨) ساقط من باقي النسخ.
[ ١٦٢ ]
«^١) وَكَأَبِي الْحُسَيْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ السَّلَامِيِّ (^٢)، فَقَرَأَتُ بِخَطِّ الْحَافِظِ الْجَمَالِ أَبِي المَحَاسِنِ اليَغْمُورِيِّ (^٣) فِيمَا لَخَّصَهُ مِنْ "أَخْبَارُ وُلَاةِ خُرَاسَانَ" (^٤) لَهُ:
"إِنَّ صُنُوفَ الْمَعَارِفِ كَثِيرَةٌ، وَطُرُقَهَا مُتَشَعِّبَةٌ، وَأَنْوَاعَهَا مُتَفَنِّنَةٌ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُتَّسِمٍ بِالْأَدَبِ وَمُنْتَسِبٍ إِلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِيَ مِنْ أَجْنَاسِهَا نَصِيبًا، وَأَنْ يَضْرِبَ (^٥) مَعَ الْمُتَنَازِعِينَ فِيهَا بِسَهْمٍ، وَيَفُوزَ مِنْ زِينَتِهَا بِقِسْمٍ.
وَأَحَدُ رُؤُوسِ (^٦) الْمَعَارِفِ عِلْمُ التَّارِيخِ؛ لِأنَّهُ بَابٌ يَدُلُّ عَلَى أَعْلَامِ أَهْلِ كُلِّ زَمَنٍ، وَيُبَيِّنُ عَمَّا حَدَثَ فِيهِ مِنْ حَدَثٍ، وَتَجَدَّدَ مِنْ خَبَرٍ، وَعَرَضَ مِنْ سَبَبٍ، مُسْتَفِيدًا صَاحِبُهُ الْمَعْرِفَةَ بِأَوْقَاتِ الْأَكْوَانِ، وَأَحْوَالِ أَيَّامِ الْأَعْيَانِ، فِي كُلِّ حِينٍ وَزَمَانٍ، فَيَأْمَنُ عَيْبَ الْغَلَطِ وَالتَّغْلِيطِ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِمْ، وَيُورِدُهُ فِيمَا يُخْبِرُ
_________________
(١) هُنا يبدأ السقط من ب.
(٢) اخْتُلف في اسمه؛ فابن خلكان ذكره كما أشار السخاوي. انظر: وفيات الأعيان، ٣/ ٨٨، ٤/ ٤١. والحمويُّ ذكره مقلوبًا: أبو علي الحسين بن أحمد السَّلامي. انظر: معجم الأدباء، ١/ ٣٤٧. ووهم حاجي وتبعه قحطان الحديثي حيث نسباه -أي كتاب: أخبار ولاة خراسان- لأبي الحسن محمد بن عبد الله بن محمد المخزومي الشاعر! انظر: حاجي، كشف، ١/ ٢٩٢؛ الحديثي، التواريخ المحلية لإقليم خراسان، ص ٣١. ووقع في نفس الوهم أيضًا: آغا بزرك الطهراني. انظر تعليق يوسف هادي على: ابن فندق، تاريخ بيهق، ص ١١٧.
(٣) هو: يوسف بن أحمد بن محمود، محدث (ت ٦٧٣ هـ). انظر: الذهبي، تاريخ، ١٥/ ٢٧٠.
(٤) نسبه للسَّلامي ونقل منه: الحمويُّ، معجم الأدباء، ١/ ٣٤٧؛ وابن خلكان، وفيات، ٢/ ٥٢١، ٣/ ٨٤، ٨٨، ٤/ ٤١، ٤٢، ٨٨، ٥/ ٣٥٧، ٦/ ٤٢٠، ٤٢١، ٤٢٣، ٤٢٥، ٤٢٦، ٤٢٧؛ وابن فندق، تاريخ بيهق، ص ١١٧. وانظر: سزكين، تاريخ التراث، ١/ القسم الثاني، ص ٢٢٥؛ قحطان الحديثي، التواريخ المحلية لإقليم خراسان، ص ٣١.
(٥) في أ: وإن قلّ ليضرب، والمثبت من باقي النسخ.
(٦) في باقي النسخ: رؤساء.
[ ١٦٣ ]
عَنْهُمْ، فَإِنَّا نَرَى قَوْمًا يَحْكُونَ أَشْيَاءَ لَا يَعْرِفُونَ عُهُودَ حُدُوثِهَا وَوُقُوعِهَا، فَيُقَدِّمُونَ مَا تَأَخَّرَ، وَيُؤَخِّرُونَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ مِنْهَا، سِيَّمَا مَنْ كَانَ مِنْ أَرْضِ خُرَاسَانَ، فَقَدْ جَرَى عَلَى أَيْدِي أَهْلِهَا مَا لَمْ يَجْرِ عَلَى أَيْدِي غَيْرِهِمْ مِنَ [الْحَوَادِثِ] (^١) الْعِظَامِ.
وَالْوَاجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ أَهْلِهَا أَنْ يَعْلَمَ جُمَلَ أَنْبَائِهَا، وَيَحْفَظَ أَيَّامَ أُمَرَائِهَا، لَا شَيْءَ أَزْرَى عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَجْهَلَ أَخْبَارَ أَرْضِهِ، وَلَعَلَّهُ يَتَطَلَّبُ أَخْبَارَ غَيْرِهَا فَيَكُونَ كَمَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ وَتَبِعَ النَّوَافِلَ.
كَمَا قَالَ الْقَائِلُ فِي رَجُلٍ كَانَ يَتَوَلَّى عَمَلَ الْبَرِيدِ، فَذَهَبَتْ جَارِيتُهُ بِعِلَّةِ الْحَمَّامِ إِلَى خِدْنٍ (^٢) لَهَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَقِيلَ فِيهِ:
دَهَتْكَ بِعِلَّةِ الحَمَّامِ نُعْمُ … وَمَالَ بِهَا الطَّرِيقُ إِلَى سَعِيدِ
أَرَى أَخْبَارَ دَارِكَ عَنْكَ تَخْفَى … فَكَيْفَ وُلِّيتَ أَخْبَارَ البَرِيدِ
وَكَمَا قَالَ ابْنُ هَرْمَةَ (^٣):
وَإِنِّي وَتَرْكِي نَدَى الأكْرَمينَ … وقَدْحِي بِكَفَّيَّ زَنْدًا شَحَاحَا
كتارِكَةٍ بَيْضَهَا بِالعَرَاءِ … ومُلْبِسَةٍ بِيضَ أُخْرَى جَنَاحَا
وَهَذَا مَا وَصَفُوا بِهِ النَّعَامَةَ فِي شِدَّةِ حُمْقِهَا، حَتَى قَالُوا: "إِنَّهُ لِأَمْوَقُ (^٤) مِنْ نَعَامَةٍ" لِأَنَّهَا رُبَّمَا قَامَتْ عَنْ بَيْضِهَا تَطْلُبُ لِنَفْسِهَا مَرْعًى، فَتَنْتَهِي إِلَى بَيْضِ نَعَامَةٍ أُخْرَى، فَتَحَتَضِنُهَا وَتُهْمِلُ بَيْضَهَا حَتَّى يَفْسَدَ، وَإِيَّاهَا عَنُوا بِقَوْلِهِمْ: بَيْضَةُ الْبَلَدِ.
_________________
(١) في جميع النسخ: الواجب، وهو تحريف.
(٢) أي صديقها. انظر: الأزهري، تهذيب اللغة، ٧/ ٢٨٠. وقائل البيتين هو ابن المُعَذَّل. انظر: الجاحظ، رسائل الجاحظ، ٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩، مع بعض الاختلاف.
(٣) انظر: ديوانه، ص ٨١؛ ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ص ٥١٠.
(٤) حمق في غباوة. انظر: الأزهري، تهذيب اللغة ٩/ ٣٦٣. وانظر: العسكري، الأمثال ١/ ٣٩٤.
[ ١٦٤ ]
وَالْبَلَدُ الْمَفَازَةُ.
قَالَ الرَّاعِي (^١):
تَأْبَى قُضَاعَةُ أَنْ تَعْرِفَ لَكُمْ نَسَبًا … وَابْنَا نِزَارٍ فأنتُمْ بَيْضَةُ البَلَدِ
فَقَوْلُهُ: فَأَنْتُمْ بَيْضَةُ الْبَلَدِ. أَي: أَنَّهُمْ لَا يُعْرَفُونَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ وَالِدٌ، كَمَا لَا يُعْرَفُ بَيْضُ النَّعَامَةِ الَّتِي أَهْمَلَتْ فِي الْمَفَازَةِ. وَهَذِهِ الْبَيْضَةُ تُسَمَّى "التَّرِيكَةُ" وَالتَّرِيكَةُ هِيَ الْمَتْرُوكَةُ، وَجَمْعُهَا تَرَائِكُ.
قَالَ الْأَعْشَى (^٢):
وَيَهْمَاءَ قَفْرٍ تَائِهِ العِيرِ وَسْطَهَا … وَيُلْقَى بِهَا البَيْضُ الحِسَانُ تَرَائِكَا) (^٣)
وَكَالمِصْرِيِّ (^٤) صَاحِبِ كتَابِ "الدَّوْلَتَيْنِ" الْمُسَمَّى "زَهْرَةُ الْعُيُونِ وَجَلَاءُ الْقُلُوبِ" (^٥) فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ:
"إِنَّهُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ دَالٌّ عَلَى مَعَالِي الْأُمُورِ، وَمُرْشِدٌ لِكَرَائِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَفْعَالِ، وَزَاجِرٌ عَنِ الدَّنَاءَةِ وَالْقُبْحِ، وَبَاعِثٌ عَلَى صَوَابِ التَّدْبِيرِ، وَحُسْنِ التَّقْدِيرِ، وَرِفْقِ السِّيَاسَةِ، يَكُونُ لِلَأَدِيبِ تَبْصِرَةً، وَلِلْعَالِمِ الْأَرِيبِ (^٦) تَذْكِرَةً، وَلِسَائِرِ النَّاسِ مُؤَدِّبًا، وَلِلْمُلُوكِ اسْتِرَاحَةً، تُعْمَرُ بِهِ الْمَجَالِسُ فِي الْجَدِّ وَالْهَزْلِ، وَتَتَّضِحُ (^٧) بِأَمْثَالِهِ
_________________
(١) انظر: ابن سلام، طبقات فحول الشعراء، ٢/ ٥٠٤.
(٢) انظر: ديوانه، ص ١٣٠، مع بعض الاختلاف.
(٣) هنا ينتهي السقط من ب والظاهر -إلى هنا- انتهى النقل من: أخبار ولاة خراسان.
(٤) في أ: وكالمعري، والمثبت من باقي النسخ.
(٥) انظر: المسعودي، مروج الذهب، ١/ ١١. وتوجد نسخة مخطوطة في لايدن (٩٠٢). انظر: خزانة التراث (٧٣٠٣٢).
(٦) في أ، ب: الأديب، والمثبت من باقي النسخ.
(٧) في أ: يتضح، والمثبت من باقي النسخ.
[ ١٦٥ ]
الْحُجَجُ، وَتُبْلَغُ بِهِ الْإِرَادَةُ بِأَخَفِّ مُؤْنَةٍ، وَيُسْتَوْلَى بِهِ عَلَى الْأُمُورِ كَأَنَّهَا مُشَاهَدَةٌ.
وَقَد قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: "إِنَّ هَذِهِ القُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانِ، فَابْتَغُوا لَهَا مِنْ طَرَائِفِ الْحِكْمَةِ" (^١). وَكَفَى بِالْكِتَابِ الْحَسَنِ أَنِيسًا وَمُحَدِّثًا وَجَلِيسًا، وَهُوَ عَوْنٌ لِلَّبِيبِ وَتَذْكِرَةٌ لِلْأَدِيبِ.
وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَفَاضَ مَنْ عِنْدَهُ بِالْحَدِيثِ بَعْدَ الْقُرآنِ وَالتَّفْسِيرِ: "أَحْمِضُوا". أَي: خُوضُوا فِي الشِّعْرِ وَغَيْرِهِ (^٢).
وَعَنْ بَعْضِهِمْ: "الْقُلُوبُ تَصْدَأُ (^٣) كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ، فَنَقُّوهَا بِالذِّكْرِ" (^٤).
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -﵁-[قَالَ]: "إِنِّي لَأَسْتَجِمُّ قَلْبِي بِالشَّيْءِ مِنَ اللَّهْوِ؛ لِأَقْوَى بِهِ عَلَى الْحَقِّ" (^٥). انْتَهَى.
فَكَيْفَ بِمَا يَنْضَمُّ إِلَيْهِ مِمَّا حَكَيْنَاهُ مِنْ فَوَائِدِهِ.
وَكَبَعْضِ مَنْ يَثِقُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَيُورَقِيُّ بِدِينِهِ وَعِلْمِهِ أَنَّهُ قَالَ:
"الاِشْتِغَالُ بِنَشْرِ أَخْبَارِ فُضَلَاءِ الْعَصْرِ (^٦) وَلَوْ بِتَوَارِيخِهِمْ مِنْ عَلَامَاتِ سَعَادَاتِ
_________________
(١) ضعيف. أخرجه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (١٣٩٩) بلفظ مقارب عن النجيب ابن السَّرِيّ عن علي موقوفًا. والنجيب عن علي منقطع. انظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٨/ ٥٠٩. وانظر: السخاوي، فتح المغيث، ٣/ ٢٧٦.
(٢) انظر: ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، ص ٢٣٣؛ السخاوي، فتح المغيث، ٣/ ٢٧٦.
(٣) في هامش أ: "بالأصل: تصدى، بالياء ألف مقصورة وهو خطأ. ناسخ".
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٥٥٣٦) عن أبي الدرداء موقوفًا بلفظ مقارب.
(٥) أخرجه الدولابي في "الكنى والأسماء" (١٩٤١) عن أبي الدرداء موقوفًا.
(٦) في أ: العمر، وهو تحريف، والمثبت من باقي النسخ.
[ ١٦٦ ]
الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَهُمْ شُهُودُ اللهِ فِي أَرْضِهِ، فَإِنْ بَغُضُوا فَعَنْ (^١) بُغْضِهِ، وَحُبُّ اللهِ حُبُّهُمْ، وَبُغْضُ الْمُسِيءِ عَلَامَةُ بُغْضِ اللهِ [لَهُ] (^٢). فَرَحْمَةُ اللهِ وَرِضْوَانُهُ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ عَلَى الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْهُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ (^٣) ".
وَكَشُيُوخِنَا الْقَايَاتِيِّ (^٤) وَأُسْتَاذِنَا، وَالْعَيْنِيِّ، وَابْنِ الدَّيْرِيِّ (^٥)، وَالْعِزِّ الْحَنْبَلِيِّ (^٦) مِمَّنْ سَأَحْكِي كَلَامَهُمْ، فِيمَا سَيَأْتِي بَعْدُ بِتَرْجَمَةٍ.
بَلْ كُلُّ مَنْ صَنَّفَ فِيهِ، أَوْ تَكَلَّمَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، مِمَّنْ سَأُلِمُّ بِجُمْلَةٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، لَوْ لَمْ يَعْلَمْ مَا فِيهِ مِنَ الفَوَائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ مَا وَجَّهَ عَزْمَهُ لِذَلِكَ، بَلْ قَدْ بَانَ لَكَ أَنَّهُ سَبِيلٌ إِلَى مَعْرِفَةِ أَكْثَرِ مَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ.
بَلْ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْجُنيْدُ (^٧) ﵀ فِي الْحِكَايَاتِ: إِنَّهَا جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللهِ يُثَبِّتُ اللهُ ﷿ بِهَا قُلُوبَ أَوْلِيَائِهِ. فَقِيلَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا يَا أُسْتَاذُ؟ فَقَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠].
_________________
(١) في ق، ز: فمن.
(٢) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٣) في باقي النسخ: المتأخرين.
(٤) هو: محمد بن علي بن محمد القاياتي، فقيه نَحْوي (ت ٨٥٠ هـ). انظر: السخاوي، الضوء، ٨/ ٢١٢ - ٢١٤.
(٥) هو: سعد بن محمد بن عبد الله الحنفي، فقيه مفسر (ت ٨٦٧ هـ). انظر: السخاوي، الضوء، ٣/ ٢٤٩.
(٦) هو: أحمد بن إبراهيم بن نصر الكناني القاهري، فقيه (ت ٨٧٦ هـ). انظر: السخاوي، الضوء، ١/ ٢٠٥.
(٧) في أ: الجنيدي، والمثبت من باقي النسخ، ومن: مصادر ترجمته. انظر: الذهبي، سير، ٢٠/ ٢٧٢.
[ ١٦٧ ]
وَأَيْضًا فَمَا كَانَ عَلَى السِّنِينَ مِنْهُ مِنْ فَوَائِدِهِ، بَيَانُ (^١) آجَالِ (^٢) الْحُقُوقِ، وَاخْتِلَافِ النُّقُودِ، وَوَقْفِ الأَوْقَافِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا الاِسْتِحْقَاقَاتُ.
وَكَذَا مَعْرِفَةُ الْقُرُونِ الْفَاضِلَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ -ﷺ-: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" (^٣) لِيَتَمَيَّزَ الْمُقْتَدَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ فِي أَفْرَادِ بِحَيْثُ تَكُونُ الْخَيْرِيَّةُ بِالنَّظَرِ لِلْمَجْمُوعِ عَلَى الْمَجْمُوعِ.
وَمَعْرِفَةُ انْقِضَاءِ الزَّمَنِ الْمُحَدَّدِ لِلْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِاقْتِفَاءِ سُنَّتِهِمْ.
وَبَيَانُ الْوَقْتِ الَّذِي ظَهَرَتْ فِيهِ الْبِدَعُ وَالْحَوَادِثُ.
وَمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ، بِحَيْثُ قَالَ الْعَيْنِي كَمَا سَيَأْتِي: "إِنَّ فَوَائِدَهُ تَحْتَاجُ لِمُجَلَّدَاتٍ".
وَحِينَئِذٍ فَثَمَرَتُهُ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ، وَالتَّنْشِيطُ وَالتَّثْبِيطُ (^٤)، وَالإِنْذَارُ وَالاِعْتِبَارُ، وَالتَّسَلِّي وَالتَّأَسِّي، وَالنُّصْحُ وَالنُّجْحُ وَالتَّمْرِيضُ وَالتَّنْهِيضُ.
وَلَا يَمْنَعُ هَذِهِ الثَّمَرَةَ قِلَّةُ الْمُعْتَبِرِينَ، وَإِنْشَادُ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ (^٥):
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا … وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي
_________________
(١) في ب: أو بيان، وفي باقي النسخ: وبيان.
(٢) في ب: آمال، وهو تحريف.
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٦٥١/ الفتح)، ومسلم في "صحيحه" (٢٥٣٣) عن ابن مسعود مرفوعًا.
(٤) في ق، ز: التغبيط.
(٥) هذان البيتان لعمرو بن مَعْد يكرب الزبيدي. انظر: ديوانه، ص ٩٩.
[ ١٦٨ ]
وَنَارٌ لَوْ (^١) نَفَخْتَ بَهَا أَضَاءَتْ … وَلَكْنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي الرَّمَادِ (^٢)
فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ رَاغِبٍ وَمُعْتَبَرٍ، وَمُتَأَمِّلٍ (^٣) وَمُسْتَبْصِرٍ.
فَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا قَلْبًا عَقُولًا، وَلِسَانًا صَادِقًا عَنِ الْمُشْكِلَاتِ سَؤُولًا، وَيُوَفِّقَنَا لِلْسَّدَادِ فِي القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَيَخْتُمَ لَنَا بِالْمُرَادِ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْأَجَلِ.
إِذَا عُلِمَ هَذَا فَنَقُولُ:
إِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ مَحَاسِنُهُ، مَعَ كَوْنِهَا لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِالْعُلَمَاءِ، وَمَعَادِنُهُ (^٤) يَشْتَرِكُ فِي اسْتِثَارَةِ (^٥) جَوَاهِرِهَا مِنَ الصَّيَارِفِ الْعُلَمَاءُ وَالْفُهَمَاءُ، كَانَتِ الرَّغْبَةُ فِيهِ مِنْهُمْ، بَلْ وَمَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُلُوكِ وَالْمُبَاشِرِينَ، وَالصُّحْبَةُ لِأَهْلِهِ مَقْصُودَةً لِأَهْلِ السُّلُوكِ وَالْمُنَاظِرِينَ، فَتَوَجَّهُوا لِمُطَالَعَتِهِ أَوِ الْمُجَالَسَةُ لِأَهْلِهِ، وَنَوَّهُوا بِجُمْلَتِهِ بِالْمُرَاجَعَةِ حَتَّى فِي جَلِيِّ الْأَمْرِ وَسَهْلِهِ، بِحَيْثُ كَانَ الْعَلّامَةُ الْمُجْتَهِدُ التَّقِيُّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ يَقُولُ لِتِلْمِيذِهِ الْحَافِظِ ابْنِ سَيِّدِ النَّاسِ، بَعْدَ تَعَبِهِ مِنْ إِلْقَاءِ الدَّرْسِ: "لَذِّذْنَا يَا شَيْخَ فَتْحِ الدِّينِ بِتَرَاجِمِ هَؤُلَاءِ السَّادَاتِ".
(وَحُكِيَ -مَا اللهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ- إِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا يُوسُفَ كَانَ مَعَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ يَحْفَظُ (^٦) الْمَغَازِيَ وَأَيَّامَ الْعَرَبِ وَنَحْوَهَا مِنَ التَّارِيخِ، فَمَضَّى وَقْتًا لِسَمَاعِ
_________________
(١) في الديوان: ولو نار.
(٢) في الديوان: رماد.
(٣) في ب: متأهل، وهو تحريف.
(٤) في ب: معاونة.
(٥) في أ: استنارة، والمثبت من باقي النسخ.
(٦) في أ: بحفظ، والمثبت من باقي النسخ.
[ ١٦٩ ]
المَغَازِي أَوْ لِاسْتِمَاعِهَا (^١) وَأَخَلَّ بِمَجْلِسِ إِمَامِهِ (^٢) أَيَّامًا، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ كَانَ صَاحِبَ رَايَةِ جَالُوتَ؟ فَفَهِمَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُدَاعَبَةِ أَوْ نَحْوِهَا، فَغَضِبَ وَقَالَ لَهُ: إِنْ لَمْ تُمْسِكْ عَنْ مِثْلِ هَذَا وَإِلَّا سَأَلْتُكَ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ: أَيُّمَا كَانَ [أَوَّلَ] (^٣) وَقْعَةُ بَدْرٍ أَوْ أُحُدٍ؟ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي ذَلِكَ، وَهِيَ (مِنْ) (^٤) أَهْوَنِ مَسَائِلِ التَّارِيخِ! (فَأَمْسَكَ عَنْهُ) (^٥) (^٦).
بَلِ اتَّفَقَ أَنَّ الأمِيرَ سَنْجَرَ الدَّوَادَارِيَّ (^٧) سَأَلَ الْحَافِظَ الشَّرَفَ الدِّمْيَاطِيَّ -وَنَاهِيكَ بِجَلَالَتِهِ- عَنْ سَنَةِ وَفَاةِ البُخَارِيِّ (^٨) فَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ الْمُبَادَرَةُ لاِسْتِحْضَارِهَا، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ، فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَبَادَرَ لِذِكْرِهَا، فَحَظِيَ عِنْده بِذَلِكَ جِدًّا، وَزَادَ فِي إِكْرَامِهِ وَتَقْرِيبِهِ.
وَطَلَعَ الْقَاضِي جَلَالُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ يَوْمًا مِنْ بَيْتِهِ، فَأَمَرَ جِهَارًا بَعْضَ خَوَاصِّهِ بِالتَّوَجُّهِ لِلتَّقِيِّ الْمَقْرِيزِيِّ لِيَسْأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ تَعَلُّقَاتِ التَّارِيخِ، فَكَانَ فِي هَذَا
_________________
(١) في باقي النسخ: لإسماعها.
(٢) في باقي النسخ: أيامه، وهو تحريف.
(٣) ساقط من أ، والمثبت من باقي النسخ.
(٤) ساقط من باقي النسخ.
(٥) ساقط من باقي النسخ.
(٦) الفقرة بكاملها ساقطة من ب. والقصة مذكورة عند: الخطيب، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ص ٣٥٩.
(٧) الدوادار هو: الذي يحمل دواة السلطان أو الأمير، ويتولى أمرها من حكم وتنفيذ. انظر: محمد أحمد دهمان، معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي، ص ٧٧؛ مصطفى الخطيب، معجم الألفاظ والمصطلحات التاريخية، ص ١٨٦. ويقصد الأمير علم الدين أبا موسى التركي الصالحي (ت ٦٩٩ هـ). انظر الذهبي، تاريخ، ١٥/ ٩٠٩.
(٨) (ت ٢٥٦ هـ).
[ ١٧٠ ]
الْفَخْرِ لَهُ مِنْ مِثْلِهِ.
وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا فِي الْفَخْرِ لَهُ كَوْنُ شَيْخِنَا كَانَ يَقْصِدُهُ فِي بَيْتِهِ لِلْمُذَاكَرَةِ مَعَهُ، مَعَ كَثْرَةِ تَرَدُّدِ التَّقِيِّ لَهُ، وَلَهُمَا فِي ذَلِكَ مَقَاصِدُ.
وَحَكَى لَنَا شَيْخُنَا أَنَّ الظَّاهِرَ طَطَرْ (^١) قَالَ لَهُ: إِنَّهُ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا الْمُؤَيَّدُ ضَاقَتْ يَدُهُ جِدًّا، حَتَّى أَنَّ شَخْصًا قَدَّمَ لَهُ مَأْكُولًا، فَلَمْ يَجِدْ فِي حَاصِلِهِ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ يُكَافِئُهُ بِهَا، وَلَا مَنْ يَقْرُضُهَا لَهُ، وَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَسْرَعِ مِنَ اسْتِيلَائِهِ عَلَى الْمَمْلَكَةِ وَذَخَائِرِهَا، ثُمَّ أَمَرَهُ (^٢) بِكِتَابَتِهَا فِي تَارِيخِهِ، فَإِنَّهَا عَجِيبَةٌ (^٣).
وَكَانَ شَيْخُنَا الْبَدْرُ الْعَيْنِيُّ يَقْرَأُ عِنْدَ الأَشْرَفِ بَرْسْبَاي وَغَيْرِهِ التَّارِيخَ وَنَحْوَهُ، بِحَيْثُ يَقُولُ الْأَشْرَفُ مَا مَعْنَاهُ: "إِنَّهُ مَا عَرَفَ الْإِسْلَامَ إِلَّا مِنْهُ".
وَجَمَعَ هُوَ وَغَيْرُهُ -كـ: ابْنِ نَاهِضٍ (^٤) وَغَيْرِهِ- لِلْمُلُوكِ سِيَرًا؛ لِعِلْمِهِمْ بِرَغْبَتِهِمْ فِي ذَلِكَ.
وَرَامَ مِنِّي الدَّوَادَارُ الْكَبِيرُ يَشْبَكُ الْمُؤَيِّدِيُّ الْفَقِيهُ -وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْأُمَرَاءِ وَأَجِلَّائِهِمْ (^٥) وَمِمَّنْ يَقْرَأُ عَلِيَّ مِنْهُمْ بِقَصْدِهِ الْجَمِيلِ -أَنْ أَفْعَلَ مَعَ الظَّاهِرِ خُشْقَدَمَ (^٦) نَظِيرَ الْعَيْنِيِّ، فَمَا وَافَقْتُهُ.
_________________
(١) هو: الملك الظاهر أبو الفتح (ت ٨٢٤ هـ). انظر: السخاوي، الضوء، ٤/ ٧ - ٨.
(٢) في أ: أمرها، وهو تحريف، والتصويب من باقي النسخ.
(٣) انظر: السخاوي، الضوء ٤/ ٨.
(٤) هو: محمد بن ناهض بن محمد الكردي الحلبي، نزيل القاهرة، أديب ناظم، له "سيرة المؤيد شيخ" (ت ٨٤١ هـ). انظر: السخاوي: الضوء، ١٠/ ٦٧. وتوجد نسخة في معهد المخطوطات العربية. انظر: خزانة التراث (٨٤٨٢٩).
(٥) (ت ٨٧٨ هـ)، انظر: السخاوي، الضوء، ١٠/ ٢٧٢.
(٦) هو: أبو سعيد الرومي (ت ٨٧٢ هـ). انظر: السخاوي، الضوء، ٣/ ١٧٥.
[ ١٧١ ]
نَعَمْ، سَأَلَنِي الدَّوَادَارُ بَعْدَهُ يَشْبَكُ من (^١) مَهْدِيٍّ عَظِيمِ الدَّوْلَةِ (^٢) -وَكَانَ فِي الذَّوْقِ سِيَّمَا لِهَذَا المَعْنَى بِمَكَانٍ- أَنْ أُذَيِّلَ لَهُ عَلَى تَارِيخِ المَقْرِيزِيِّ "السُّلُوكُ" فَأَجَبْتُهُ بَعْدَ الاِسْتِخَارَةِ وَالاِسْتِشَارَةِ وَجَمَعْتُ "التِّبْرُ الْمَسْبُوكُ" وَاغْتَبَطَ بِذَلِكَ، بِحَيْثُ كَانَ يَسْتَصْحِبُ مَا حَصَّلَهُ مِنْهُ فِي أَسْفَارِهِ، وَيُوقِفُ عَلَيْهِ مَنْ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ، مُتَبَجِّحًا بِهِ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُبَاشِرِينَ وَالرُّؤَسَاءِ، وَأَعْلَى مِنْهُمْ مِمَّنْ لَهُمْ تَلَفُّتٌ لِلثَّنَاءِ وَالذِّكْرِ الْجَمِيلِ، وَجَلْبٌ لِمَنْ يَتَوَهَّمُونَ ذِكْرَهُ لَهُمْ بِالتَّعْلِيلِ، وَلَكِنْ بَطَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَمَا بَقِيَ غَالِبًا سِوَى الْجَهْلِ وَقِلَّةِ الأَدَبِ وَالتَّلَفُّتِ لِلْحِطَامِ وَالسَّلَامِ.
وَكَانَ مِمَّا قُلْتُهُ فِي مُقَدِّمَةِ "التِّبْرُ" (^٣):
"عِلْمُ التَّارِيخُ فَنٌّ مِنْ فُنُونِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، وَزَيْنٌ تَقَرُّ بِهِ الْعُيُونُ، حَيْثُ سُلِكَ فِيهِ المَنْهَجُ الْقَوِيمُ الْمُسْتَوِي، بَلْ وَقْعُهُ مِنَ الدِّينِ عَظِيمٌ، وَنَفْعُهُ يَتَعَيَّنُ (^٤) فِي الشَّرْعِ لِشُهْرَتِهِ، غَنَيٌّ عَنْ مَزِيدِ البَيَانِ وَالتَّفْهِيمِ.
إِذْ بِهِ (يَعْلَمُ أَهْلُ الْجَلَالَةِ وَالرُّسُوخِ مَا يُفْهَمُ بِهِ النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ) (^٥) وَيَظْهَرُ تَزْيِيفُ مُدَّعِي اللِّقَاءِ، وَيُشْهَرُ مَا (^٦) صَدَرَ مِنْهُ مِنَ التَّحْرِيفِ فِي الاِرْتِقَاءِ (لَمَّا تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّيْخَ الَّذِي جَعَلَ رِوَايَتَهُ عَنْهُ مِنْ مَقْصِدِهِ كَانَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ مَوْلدِهِ أَوْ) (^٧) كَانَ اخْتَلَّ عَقْلُهُ أَوْ اخْتَلَطَ، أَوْ لَمْ يُجَاوِزْ بَلْدَتَهُ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْهَا الطَّالِبُ قَطْ.
_________________
(١) في ق، ز: بن، وهو تحريف.
(٢) يُعْرف بالصغير (ت ٨٨٥ هـ). انظر: السخاوي، الضوء، ١٠/ ٢٧٢.
(٣) انظر: ص ٢ - ٣.
(٤) في التبر المسبوك: متين.
(٥) ليست في: التبر المسبوك.
(٦) في التبر المسبوك: بيان.
(٧) ليست في: التبر المسبوك.
[ ١٧٢ ]
وَتُحْفَظُ بِهِ الأَنْسَابُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهَا صِلَةُ الرَّحِمِ، وَالْمُتَسَبِّبُ عَنْهَا الْمِيرَاثُ وَالْكَفَاءَةُ (حَيْثُمَا قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ وَفُهِمَ. وَكَذَا تُعْلَمُ مِنْهُ آجَالُ الْحُقُوقِ (^١) وَاخْتِلَافُ النُّقُودِ، وَالأَوْقَافِ) (^٢) الَّتِي يَنْشَأُ عَنْهَا مِنَ الاِسْتِحْقَاقِ مَا هُوَ مَعْهُودٌ.
وَيُنْتَفَعُ بهِ فِي الاِطِّلَاعِ عَلَى أَخْبَارِ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ وَالْفُضَلَاءِ، وَالْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ وَالنُّبَلَاءِ، وَسِيَرِهِمْ وَمَآثِرِهِمْ فِي حَرْبِهِمْ وَسِلْمِهِمْ، وَمَا أَبْقَى الدَّهْرِ مِنْ فَضَائِلِهِمْ أَوْ رَذَائِلِهِمْ، بَعْدَ أَنْ أَبَادَهُمُ الْحَدَثَانِ (^٣) وَأَبْلَى جَدِيدَهُمُ الْمَلْوَان (^٤). حَيْثُ تُتَبَّعُ الأُمُورُ الْحَسَنَةُ مِنْ آثَارِهِمْ، وَلَا يَسْمَعُ مِنْهُمْ فِيمَا تَنْفِرُ عَنْهُ الْعُقُوُل المُسْتَحْسِنَةُ مِنْ أَخْبَارِهِمْ.
وَيُعْتَبُرُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَوَاعِظِ النَّافِعَةِ وَاللَّطَائِفِ الْمُفِيدَةِ؛ لِتَرْوِيحِ النُّفُوسِ الطَّامِعَةِ، مَعَ مَا يَلْتَحِقُ بهِ مِنَ المَسَائِلَ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْمَبَاحِثِ النَّظَرِيَّةِ، وَالأَشْعَارِ الَّتِي هِيَ جُلُّ مَوَادِّ العُلُومِ الأَدَبِيَّةِ، كـ: اللُّغَةِ وَالْمَعَانِي وَالْعَرَبِيَّةِ".
* * *
_________________
(١) في التبر المسبوك: الخيوف.
(٢) ساقط من ب.
(٣) الحَدَثان: أي حوادث الدهر. انظر: الأزهري، تهذيب اللغة، ٤/ ٤٠٥. (مادة: حدث).
(٤) المَلَوان: أي الليل والنهار. انظر: ابن منظور، لسان ١٣/ ١٩٠. (مادة: ملا).
[ ١٧٣ ]